«فجر كوكب القردة» للأمريكي مات ريفز: أخلاق الكولونيل وهوس السيطرة على الطبيعة

يحكي فيلم dawn of the planet of the apes «فجر كوكب القردة» لمخرجه «مات ريفز» تلك الصلة الوطيدة التي عقدها الإنسان الغربي مع الطبيعة. ومدى هوسه بالسيطرة عليها وتسخيرها لخدمة أغراضه. توسل في ذلك بالعقل الذي انتصر به في وقت ما على سطوة الكنيسة وجورها. ليدور التساؤل حول الإنسان وطبعه العنيف تجاه ما قد يشكل خطرا عليه؟ أم أن ذلك يرتبط في جزء منه برغبته الدائمة في إبراز تفوقه على باقي الكائنات الأخرى؟ في المشاهد الأولى من الفيلم تنبري رغبة القردة في العيش بأمان وطمأنينة، بعيدا عن مكر الإنسان وتسلطه، هذا الذي يتم تصويره باعتباره الجنس المائل إلى الخيانة، الرافض لكل اختلاف. يفسر ذلك التنكيل الذي قام به (العقيد) وقتل عائلة (القرد سيزير). الذي سيضطر إلى إخلاء الغابة والبحث لنوعه عن فضاء جديد أرحب للعيش، دون نسيان الثأر الذي يجب أن ينفذه في حق العقيد وكوكبة من الجنود الأمريكيين الذين يشتغلون تحت رحمة قائدهم.

عالم الخونة

يرسم الفيلم صورة الإنسان الخائن مثلما الحيوان الخائن. القردة المتعاونون ــ حالة القرد وينتر ــ مع العقيد وأتباعه ممن يرون في ذلك نجاة من بنادق الجنود. وفي مقابل ذلك، نلحظ حجم التضحية التي قدمها القرد سيزير باعتباره قائد القردة، من أجل أن ينعم ونوعه بالأمن والطمأنينة. غير أن صرامته وعدوانيته تجاه الإنسان الرافض لنوعه، سرعان ما تنقلب إلى نوع من «الألفة» التي ستجمع الإنسان بالحيوان، خصوصا بعد رصاصة طائشة يموت بموجبها شخص من المفترض أنه أب الطفلة الصماء التي ستلعب دورا محوريا في بقية الفيلم.

لحظات الألفة

لا تبدو على الطفلة أمارات العنف التي نلحظها في بني جنسها من الجنود. وفي المقابل، تبرز بدميتها الموغلة في الدلالة على التوق للعب وطي صفحة الحرب، إنها تبرز في صورة «المنقذ» لتكشف للمُشاهد أن الخير ــ حسب مقولة باولو كويهلو ــ هو وجه الإنسان الأول، ويتبدى ذلك من خلال تقديمها الحبوب للقردة وإمدادهم بالماء الذي حجبه عنهم العقيد ورجاله، أو حتى من خلال مساعداتها لهم من خلال النفق لتنفيذ عملية الهروب التي كشفت عن تفوق القردة على الإنسان.

عالم العبيد

من جهة أخرى، نجد الرجال البيض بأسلحتهم وشعاراتهم التي ينشدونها للعقيد، وهي شعارات رنانة عنيفة، ومتعطشة لإراقة الدماء، حاملة لمجموعة من الصور المترسبة في اللاشعور الجمعي للجنود الذين بدورهم يمثلون «التابع» الخاضع. وهي العبارات التي يتم ترديدها على مسامع العقيد في صخب .. «نحن من نريق الدماء»/ «الدماء تجعل العشب ينمو»/ «نحن البداية والنهاية أيضا».

أسلوب التناقض

سرعان ما يخيب أفق انتظار المشاهد عندما يجد الجنود الأمريكيين عاجزين عن تمثل ذكاء القردة، وكيف أنهم دبروا بذكاء ومكر طريقة للهروب من خلال النفق. وستعتريه تلك الدهشة عندما يصادف علم الولايات المتحدة الأمريكية وقد باغتته النيران، بعدما ضمن في الفيلم عددا من المعطيات العابرة التي تحيل على النسق الأمريكي، منها تلك الحافلة الكبيرة المكتوب على جنباتها بخط سميك لا تخطئه العين «cocacolla». ومن ثمة، تبدو اللغة الفيليمية أكثر إيغالا في التناقض، من حيث أن من يقرأ تلك العبارات السابقة سيستشعر حال التفوق الذي لازم العقيد وجنوده منذ بداية الفيلم، كما أنه لن يتوانى عن تسجيل الوجه البربري الذي ظهر عليه العقيد (قتل ابنه) وبعض الجنود (قطع الرؤوس ورمي الجنود الآخرين بالرصاص). يلعب الفيلم على ما يمكن أن نسميه بلاغة التناقض، إنه يقدم الشيء ونقيضه ضمن لغة سردية/فيلمية، من خلال مجموعة من الإشارات الدالة التي صاغها المخرج، جاعلا الحيوانات تشترك مع الإنسان في نسج خيوط الفيلم المتشابكة، لاسيما اختياره القرد الذي يحمل أكثر من معنى! تبرز القردة في الفيلم ككائنات عارفة وعاقلة تواقة إلى الأمن والطمأنينة بعيدا عن جور الإنسان الذي بـ «عقله» أيضا عاث في الأرض خرابا وما زال. الفيلم من تأليف مارك بوماك وريك جافا، أداء .. بطولة أندي سركيس، جيسون كلارك، غاري أولدمان، توبي كيبيل، كودي سميت، وكيري رسل.

٭ باحث من المغرب

«فجر كوكب القردة» للأمريكي مات ريفز: أخلاق الكولونيل وهوس السيطرة على الطبيعة

جواد السراوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية