خلال أبريل 2013 قام الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بزيارة رسمية للمغرب، ووقتها تحدث المغرب الرسمي بحماس شديد عن العلاقات الاستثنائية بين البلدين. لكن هذا الخطاب لم يمنع من وقوع أسوأ أزمة بين البلدين منذ عقود.
ويعود الآن بمناسبة زيارة أولاند للمغرب لترديد الأسطوانة نفسها. ولا يمكن فهم التطورات والأزمات بين باريس والرباط، بمعزل عن مربع العلاقات المعقدة غرب البحر الأبيض المتوسط، باريس، الرباط، مدريد والجزائر التي يتم فيها تبادل الأدوار بين الحين والآخر.
وهكذا، فقد حل أولاند بطنجة شمال المغرب يومي السبت والأحد الماضيين، وحاولت باريس وصحافتها إعطاء الزيارة طابع نهاية الأزمة، لكن بشكل محدود وعقلاني. في المقابل، غرق المسؤولون المغاربة والصحافة الرسمية في الإطناب عن العلاقات التاريخية والمثالية. وإذا كانت الأولى براغماتية، فالثانية غير براغماتية، إذ تكفي العودة شهورا إلى الوراء لقراءة كيف كانت تقدم أولاند بمثابة «العدو الأول للمملكة المغربية»، وكيف أصبح الآن «ضيفا فوق العادة».
وعمليا، تعتبر العلاقات الثنائية تاريخية، لكن التأمل في ما هو تاريخي لا يقتصر فقط على التعاون الاقتصادي والسياسي، بل يجب أن يجر إلى الحديث عن الاستعمار ومقتل مئات الآلاف من المغاربة في مواجهة المستعمر الفرنسي، موضوع يتحاشاه المغرب الرسمي. كما يحيل مفهوم «التاريخي» إلى ارتباط المغرب اقتصاديا وثقافيا وسياسيا بباريس إلى مستويات «التبعية» أو «ماما فرنسا»، كما يسخر بعض المغاربة من تعلق الدولة المغربية بفرنسا طيلة عقود. والأزمة الأخيرة التي استمرت ما بين فبراير 2014 إلى فبراير 2015 كشفت عن الطابع غير الناضج للبلدين. وانفجرت بعد متابعة القضاء الفرنسي مدير المخابرات المغربية عبد اللطيف الحموشي، بتهمة تعذيب مجموعة من الفرنسيين من أصول مغربية.
وهو الملف الذي استحوذ على قسط وافر لهذه الزيارة. المتابعة جعلت المغرب يحس بنوع من الغبن، فهو البلد الذي فتح للشركات الفرنسية الاقتصاد المغربي، ويمول الأمن الفرنسي بكل المعطيات لمكافحة الإرهاب، ويجد الآن فرنسا تخونه.
ويضاف إلى هذا إحساس المغرب بنوع من التهميش اعتقادا منه بتفضيل أولاند للجزائر. ومن جهتها، أحست فرنسا بدورها بنوع من الغبن، فهي تعتبر نفسها الدولة التي تقف مع المغرب في نزاع الصحراء الغربية، رغم ما تتعرض له من انتقادات دولية. وتعتبر نفسها دعامة أساسية للاقتصاد المغربي من خلال الدفاع عن مصالحه في الاتحاد الأوروبي، وتقديم مساعدات مالية ثابتة سنويا وتشجيع الشركات الفرنسية على الاستثمار في المغرب، وتزويد الجيش المغربي بعتاد متطور.
وسوء الفهم أدى إلى حرب حقيقية، أججتها حتى استخبارات الطرفين وفق جريدة «لوموند» (11 فبراير 2015).
كان الرد المغربي سريعا بتجميد التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين، وشن حملة إعلامية سياسية ضد الرئيس فرانسوا أولاند، مفادها تخوفه من انتشار المغرب في أفريقيا الغربية. وفي الوقت ذاته انفتحت الرباط أكثر على مدريد في لعبة جيوسياسية معروفة.
ومن جهة أخرى، كان الرد الفرنسي قاسيا وتجلى في: شن حملة استخباراتية بالوقوف وراء ظاهرة كريس كولمان، في شبكات التواصل الاجتماعي الذي سرب وثائق سرية للمخابرات المغربية، في رد يعتقد أنه عقاب للمغرب على تسريبه للصحافة اسم ضابطة استخبارات كانت معتمدة رسميا لدى الرباط. وتعمدت باريس تقليل الدعم للمغرب وسط الاتحاد الأوروبي وتهميشه في المؤتمرات الدولية، التي احتضنتها وتشجيع نشاط البوليساريو في فرنسا.
ووجدتها فرصة لتبرهن على أنها لم تعد تميل إلى المغرب، كما كان الشأن سابقا، وهي تهمة كلفتها الكثير مع الجزائر. وهذه الأزمة كانت فرصة مناسبة لمدير الاستخبارات الخارجية بيرنارد باجوليت للدفع نحو تطوير العلاقات مع الجزائر. إنها اللعبة الجيوسياسية من الطرف الآخر.
الحرب التي دارت بين البلدين طيلة سنة، كشف بالملموس غياب آليات حقيقية لاحتواء التوتر وهشاشة «العلاقات المثالية التاريخية». وأبانت عن غياب نضج عميق خاصة لدى فرنسا، إذ يفترض أن فرنسا دولة متقدمة ديمقراطيا ودولة مؤسسات ولا تتغلب عليها العاطفة وردود الفعل، فما كان عليها الدخول في هذه الحرب.
وبعد توتر دام سنة كاملة، جرى التقارب في فبراير الماضي، من خلال اتفاقية قضائية تحيل بموجبها فرنسا الدعاوى التي يرفعها مغاربة ضد مسؤولين مغاربة أمام القضاء الفرنسي. لكن المصالحة لم تغلق ملف ملاحقة مدير المخابرات، فالقضاء أحال إلى المغرب محاكمته، وكل تأخر في هذا الشأن سيجعل القضاء الفرنسي يستعيد الملف ويلاحقه. في حالة حدوث هذا السيناريو، ستكون العلاقات الثنائية أمام امتحان حقيقي.
وسائل الإعلام والأحزاب الفرنسية لم تتبن خطاب الترحيب، جرى التركيز على الملف الحقوقي ومعارضة ترشيح الحموشي وإبراز المضايقات ضد الصحافة المستقلة، كما جرى التركيز على التعاون الأمني والاقتصادي. وهي النظرة نفسها التي حملها أولاند. فحسب «لوجورنال دي ديمانش»، لم يقدم فرانسوا أولاند أي تنازل، وكان جوابه عندما تدخل الملك في ملف الحموشي «القضاء مستقل في فرنسا». في المقابل، تبنت الصحافة الرسمية والقريبة من النظام المغربي خطاب الإشادة، وغاب نهائيا النقد أو الخطاب المطالبي. في الوقت ذاته، بالغ المغرب في استقبال الرئيس أولاند، وهو ما يبرز الطابع العاطفي في دبلوماسيته. في حين كان استقبال الملك في باريس خلال فبراير الماضي استقبالا عاديا استغرق ساعتين.
ما يجري بين الرباط وباريس لا يمكن فصله عن المنظار الجيوسياسي في غرب البحر الأبيض المتوسط. وهذه الزيارة بدون شك تطرح تساؤلات في الجزائر ومفادها: هل سيحافظ أولاند على ميله للجزائر أم سيميل إلى المغرب؟ ويتردد التساؤل نفسه في مدريد: هل سيستمر المغرب في تطوير العلاقات مع إسبانيا أم سيقلل منها إرضاء لفرنسا؟
انتهت زيارة أولاند بتصريحات حماسية، التصريحات نفسها التي انتهت بها زيارته السابقة سنة 2013، ولكنها لم تنفع في احتواء أزمة 2014. والتصريحات لا تصنع علاقات متينة، بل مصالح مشتركة قوية وبراغماتية بعيدا عن العواطف وردود الفعل المتسرعة.
٭ كاتب مغربي
د. حسين مجدوبي