فرانسوا فيون… الوصفة الفرنسية الأخيرة

الانتخابات التمهيدية التي جرت أمس الأول في أوساط اليمين ويمين الوسط في فرنسا، لاختيار مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، لا يمكن النظر إليها خارج سياق التقلبات التي تصيب العالم.
آخر هذه التقلبات انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وأولها بذور العولمة التي أينعت فأنجبت اليمين المتطرف في أوروبا، والذي كانت فرنسا إحدى الأرضيات الخصبة لنموه وازدهاره. وبين المحطتين، محطات كثيرة أخرى غيّرت لون العالم ووجهته.
الانتخابات الرئاسية التي ستجري في فرنسا الربيع المقبل ستكون منافَسة بين يمينين، واحد سيئ وآخر أكثر سوءا. يمين تقليدي خسر مساحاته مثلما خسرت الأيديولوجيات التقليدية في فرنسا وغيرها. ويمين آخر شعبوي تقوده مارين لوبان، لا برامج له غير نسج العداوات وتكريس الأحقاد إزاء كل مختلف عن القوالب التي يريدها.
اليسار «الاشتراكي» سيمر بمرحلة فراغ تشبه ما اصاب حزب العمال البريطاني في 2008 وما بعد.
وبين المعسكر السيئ والأقل سوءا لا فرق شاسعا. تكمن الفروق في أن اليمين الذي يوصف بالمتطرف أكثر صراحة ووضوحا وتناغما مع جمهوره. بينما ما كان إلى عهد قريب يوصف باليمين المعتدل «المقبول»، في حالة ارتباك يغازل أطيافا انتخابية متعددة لا يستطيع ان يزعم أنه يحظى بثقة أحدها المطلقة.
هذا هو الخلل الذي سيحاول مرشح اليمين للرئاسة، فرانسوا فيون تصحيحه.
مشكلة فرنسا أنها، مثل أغلب الديمقراطيات المعاصرة، خسرت اليمين التقليدي بعراقته وقيمه لصالح يمين أقل ما يمكن أن يوصف به أنه بذيء. وخسرت يساراً فقدَ شجاعة الدفاع عن قيمه ومبادئه فانحرف نحو يمين هو ذاته فقدَ البوصلة. والحصيلة أن في فرنسا، إذا أريد أخذها كنموذج، معسكران أيديولوجيان بلا هوية محددة ومقنعة.
يتشابه المعسكران ولا يختلف أحدهما عن الثاني إلا في بعض التفاصيل السطحية. نيكولا ساركوزي يشبه مارين لوبان، وفرانسوا فيون يشبه نيكولا ساركوزي، وآلان جوبيه يشبه فرانسوا فيون، وفرانسوا أولاند يشبه آلان جوبيه، ومانويل فالز يشبه فرانسوا أولاند… وهكذا.
لهذا لم يعد سهلا تعريف خارطة التقسيمات السياسية في فرنسا اليوم أو منحها وصفا قريبا إلى الدقة، لأنها هجين بلا أطياف إلا من يمين يتوزع بين متطرف وأقل تطرفا، ويساراً ليس له من اليسار إلا الاسم.
وتزداد الصورة سوءا عندما تتأكد ملامح انقسام اليسار الفرنسي ليزيد معاناة على معاناته المتراكمة في السنوات الأخيرة بفعل إخفاق الرئيس فرانسوا أولاند داخليا وخارجيا.
إذا نفذ رئيس الحكومة «الاشتراكي» مانويل فالز وعده بالترشح ضد رئيسه أولاند في الانتخابات التمهيدية لليسار التي ستجري في النصف الثاني من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، إذا نفذ وعده، فسيكون قد أوقع الحزب الاشتراكي واليسار بالضربة القاضية وجعل من السباق الرئاسي المقبل معركة بين لوبان وفيون.
إخفاقات أولاند وحكوماته أمر واقع لا يمكن إنكاره، لكنها تضخمت أكثر بحكم قوة خصومه وارتفاع نبرة صوتهم، ما أغرق المكاسب القليلة أصلا على صعيد السياسة الاجتماعية الداخلية، والتي كان من شأنها أن تشفع لأولاند واليسار ككل لو كانت فرنسا والعالم في سياق آخر غير سياق الجنون والانحراف الذي يعيشه.
وإخفاق أولاند، بموضوعية أكثر، ليس إخفاقا شخصيا أو نكسة حزب أو جماعة، بل هزيمة قالب سياسي مؤسساتي آيل إلى السقوط. ولو كان حزب آخر غير الاشتراكي ورئيس آخر غير أولاند، لكانت النتيجة ذاتها وإن اختلفت بعض التفاصيل.
قد يجد الفرنسيون المتمسكون بالمؤسسة التقليدية في الممارسة السياسية بعض العزاء في كون بلادهم ليست حالة منعزلة أو استثنائية. إنها حلقة أخرى في مسلسل غربي متواصل ولن ينتهي قريبا.
ألمانيا تعيش إعادة ترتيب للبيت في اتجاه لا يختلف كثيرا. والأحزاب والتيارات السياسية التقليدية في بريطانيا هي الأخرى تعاني من حالة تيه وضياع: لا المحافظون نجحوا في البقاء محافظين مثلما شحذتهم قرون من الممارسة السياسية، ولا العمال أفلحوا في البقاء يساريين. تشابَهَ الاثنان إلى حد التطابق في بداية الألفية الجديدة، وعندما حاول الزعيم اليساري جيريمي كوربن العودة بحزب العمال إلى حضن اليسار النقابي الاشتراكي، واجه ويواجه مشاكل داخلية كثيرة قد تطيح به، ويواجه رفض واحتجاج المؤسسة التقليدية بأذرعها الإعلامية والمؤسساتية التي تناصبه كل أنواع العداء.
أما حزب المحافظين (في موضوع الهجرة) فلا يختلف عن حزب الاستقلال البريطاني إلا في خطاب يريده أن يكون أقل فجاجة وبذاءة. بينما في العمق لا توجد فروق جوهرية.
والسبب، كما في فرنسا، انتخابي. فالمحافظون غازلوا ـ ولا يزالون ـ أقصى اليمين في مسعى للنهل من خزانه الانتخابي لتعويض خسائرهم المترتبة عن السنوات الست الأخيرة في الحكم والتي لم تكن برداً وسلاما على عامة الناس.
فيون هو الوصفة الأخيرة أمام اليمين المتشدد. وفوزه بالانتخابات التمهيدية في فرنسا لأنه: بمواقفه المحافظة حصد أصوات المحافظين. وبتشدده إزاء المهاجرين حصد أصوات اليمينيين المتطرفين. وبوعوده بقطيعة سياسية واقتصادية مع الحاضر، حصد أصوات الناقمين والخائفين على مستقبل أولادهم. إنه عرف «كيف يلعبها صح»، وانتصر ـ مؤقتا على الأقل.

٭ كاتب صحافي جزائري

فرانسوا فيون… الوصفة الفرنسية الأخيرة

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية