فرانكفونية بورقيبة هل بنت تونس أم دمرتها؟

«نجاح كبير» حققته تونس قبل أيام بشهادة واحد من أبرز السفراء الأجانب المعتمدين فيها.
النجاح المقصود لم يكن خلافا لما اعتقده البعض حصول الحكومة التونسية في اعقاب المؤتمر الاستثماري، الذي نظمته بين التاسع والعشرين والثلاثين من الشهر الماضي، على وعود سخية بأن تضخ لها بعض الدول والصناديق المالية الاقليمية والعالمية ما يقارب الخمسة عشر مليار دولار، بشكل قروض وهبات، بل اختيارها في اجتماع للدول الناطقة بالفرنسية في العاصمة الملغاشية انتاناناريفو، اي قبل يومين من ذلك المؤتمر الاستثماري المهم، وبالاجماع مكانا لاحتضان القمة الثامنة عشرة للمنظمة الدولية للفرانكفونية، المقررة عام 2020 «بعد 18 سنة من اول وآخر قمة احتضنها بلد عربي هو لبنان»، مثلما كتب السفير الفرنسي، على صفحته الشخصية على «فيسبوك» بكثير من الحماسة والاعجاب، قبل ان يضيف أن ذلك يعني «نوعا من رد الجميل الى تونس التي كان بورقيبة الى جانب ديوري وسنغور وسيهانوك واحدا من الاعضاء الاربعة المؤسسين للمنظمة الفرانكفونية «.
اما الغريب في القصة فهو أن الغبطة التي ابداها السفير لما اعتبره حدثا تاريخيا مهما لم تلاحظ لا على نطاق واسع أو حتى محدود في تونس، ولم يصدر عن معظم التونسيين ما يدل على ان اختيار بلدهم مكانا لعقد القمة الفرانكفونية الاستثنائية، التي ستطوي بها المنظمة عامها الخمسين، يعني شيئا بالنسبة لهم، أو يذكرهم بحدث أو يحيلهم إلى تاريخ قريب، أو يشعرهم مثل السفير بأنه يشكل مكافأة مهمة لبلدهم وردا لجميله. إن قسما واسعا منهم لم يسمع اصلا بمدغشقر التي اجتمع فيها من اعلنوا القرار، ولا يعرف ايضا ما الذي تعنيه الفرانكفونية فضلا، عن انه لا يفهم مسألة رد الجميل كنوع من النوستالجيا التاريخية أو العاطفية، بل يعتقد ان الطريقة الوحيدة التي يمكن للفرنسيين ان يردوا بها الجميل لهم واضحة ومعروفة، ولا تستحق قمما أو مؤتمرات أو تطبيلا وتزميرا.
حتى الحكومة نفسها انشغلت وتجندت على مدى ايام من اجل إنجاح مؤتمر الاستثمار، ولم تر داعيا لان يتحمل الرئيس او حتى وزير الخارجية مشقة التنقل الى اقاصي افريقيا لحضور قمة كان القادة والزعماء الفرانكفونيون الغائبون عنها اكثر من الحاضرين. وكل ما صدر عن السلطات، بيان رسمي لوزارة الخارجية اعاد تقريبا الوصف الذي كتبه السفير الفرنسي، من ان استضافة تونس للقمة الفرانكفونية «نجاح جديد للدبلوماسية التونسية» متبوعا بتصريح لمعاون الوزير الذي مثل البلد في قمة مدغشقر، اكد ان «منح تونس شرف احتضان القمة الثامنة عشرة للمنظمة يحملها مسؤولية انجاحها، احياء لذكرى الزعيم الحبيب بورقيبة الذي آمن بقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان والتضامن والتنوع الثقافي التي تسعى منظمة الفرانكفونية لتحقيقها».
ومن الواضح ان التركيز على الجمع بين شخصية الرئيس التونسي الراحل بورقيبة وفكرة الفرانكفونية لا ينطلق من فراغ، فبورقيبة الذي اختار الاستقلال مع فرنسا وليس عنها كان مولعا منذ سنوات شبابه الاولى بلغة فولتير، وكان يشعر بأنه قريب من لامارتين وفكتور هوغو أكثر من قربه للمتنبي أو ابو العتاهية. ورغم انه قضى تسع سنوات من عمره في سجون المستعمر الفرنسي، إلا ان ذلك لم يغير شيئا من اعجابه الشديد وانبهاره بعاصمة الانوار. وحتى في حالات الشد والجذب التي عرفتها العلاقات التونسية الفرنسية في عهده، خصوصا خلال معركة بنزرت، ظل محافظا على شعرة معاوية ومتمسكا بخيار الارتباط الوثيق بالضفة المقابلة. هل فعل ذلك من باب المناورة والحسابات السياسية؟ أم من منطلق قناعات ايديولوجية وثقافية بأن هوية تونس التي كان يراها خليط موزاييك كانت تتسع ايضا لفرنسية، رآها نافذة اجبارية يطل منها ابناء بلده على الحضارة والتقدم والمعاصرة؟
إن تأمل سيرة الزعيم خلال ثلاثين عاما من حكمه لا تدع مجالا للشك بانه لم يكن متحمسا لاعادة تونس الى مدارها الاقليمي الاصلي، بعد عقود طويلة من الاستعمار بقدر ما كان يبحث عن ترسيخ تصور مخالف جذريا لما كان يردده القوميون العرب، منظرين وحكاما، بضرورة العمل على بناء امة واحدة ممتدة من المحيط الى الخليج، من خلال التمسك بفكرة وجود أمة تونسية، كثيرا ما كان يردد انها تختلف عن غيرها وتملك مقومات وخصوصيات تجعلها فريدة ومميزة داخل الاقليم العربي.
ولكن واحدة من نقاط ضعف ذلك التصور كانت اعتماد لغة لدولة الاستقلال. ورغم أنه لم يكن ممكنا من الناحية الرسمية ألا ينص الدستور على لغة أخرى غير العربية، إلا ان ذلك لم يكن حاسما وكافيا، فقد ظل التونسيون على مدى سنوات يعيشون تمزقا وانفصاما حادين وغريبين بين لغة رسمية متروكة ومهجورة ولغة اخرى صاعدة بقوة وضاربة في اعماق الدولة ومفاصلها ومهيمنة بالكامل على الإدارة والشارع والإعلام وكل مناحي الحياة وهي الفرنسية. إنها حالة وصفها عالم الاجتماع التونسي محمود الذوادي بالازدواجية اللغوية الامارة، وهي تعني عدم قدرة التونسي على التحدث بلغة عربية سليمة، ما يجعله مدفوعا ومضطرا لان يعوض ذلك العجز باللجوء الى لغة اخرى هي الفرنسية، باعتبارها اللغة الاكثر قربا وانتشارا في بلده.
وتمثل الإشكال الاكبر في ان التداخل وحتى التطابق التام بين القرار السياسي والموقف الثقافي جعل الامر معقدا وشديد الالتباس، لكن ما كان واضحا من خطب بورقيبة وتصرفاته وأحاديثه لوزرائه والمقربين منه، انحيازه الكامل والغامض لفرنسا، الى درجة انه لم يكن ممكنا أن يستمر اي وزير في عهده في منصبه دون ان تكون له علاقات جيدة بباريس، أو دون ان ينال رضاها ومباركتها. وإذا كان بناء الدولة قد اقتضى مثل ذلك الانحياز في بدايات التأسيس، فإن المحير فعلا ان «المجاهد الاكبر» كما كان يطلق عليه الاعلام الرسمي، ظل حتى اخر ايامه في السلطة متمسكا بخيار الفرنسة، ومعارضا للخطوات البسيطة التي قطعت نحو التعريب. ولعل شهادة الوزير الاول الراحل محمد مزالي في البرنامج التلفزيوني «شاهد على العصر» الذي بثته قناة «الجزيرة» الفضائية قبل سنوات، تعطي فكرة عن مدى تجذر تلك الرؤية وتعمقها في وجدانه. فقد ذكر مزالي في احدى حلقات البرنامج انه لما دخل على بورقيبة لتوديعه بعد ان بلغه خبر اقالته في نشرة اخبار التلفزيون، وبادره بالقول «سيدي الرئيس أنا اشتغلت معكم ما يقارب الاربعين عاما وارجو أن أكون ممن ثقلت موازينه»، رد عليه بورقيبة معاتبا بصوت خافت» يا سي محمد لماذا قمت بتعريب التعليم وانا طلبت منك ألا تفعل ذلك؟» فما كان من الوزير الأول المقال إلا أن أجابه» سيدي الرئيس لقد فعلت ذلك لاني اعتبر العربية لغتي، رغم اني درست في السوربون واللغة الفرنسية ضرورية كالانكليزية، لكن لابد من تأصيل الشباب في لغتهم، وقد اجتمعتم بالامس وقررتم ارجاع الفرنسية إلى السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، وأرجو ان تجدوا المعلمين الاكفاء من ذوي اللسان الفرنسي الواحد حتى يقوموا بتلك المهمة». وبغض النظر عن تلك الحادثة وغيرها، فإن التطورات التي حصلت في تونس بعد الانقلاب على بورقيبة وسقوط بن علي، أعادت إلى السطح قضايا الهوية والتعريب والفرانكفونية التي كانت في السابق مواضيع شبه محرمة ومحظورة. لقد صدم التونسيون حينما اكتشفوا أن الأرقام الفلكية التي قدمتها لهم دولتهم حول التنمية والتربية والتعليم كانت في الغالب مزيفة ومشغوشة وهالهم ضعف الاجيال الشابة التي تخرجت من المدارس والجامعات، وهي لا تتقن ايا من اللغات الحية، فضلا عن جهلها المخيف بلغتها الاصلية وعدم معرفتها حتى بابسط قواعد الدين والاخلاق.انهم يكادون لا يعرفون ابناءهم وتستبد بهم الحيرة والخوف حول مصيرهم ومستقبلهم ويرونهم مثل قصبة في مهب الريح، يقفون على أرض متحركة وغير مستقرة. واذا كان بورقيبة قد قال ذات مرة في أحد خطاباته انه واثق من أنه صنع شيئا صلبا في تونس سيدوم سنوات بعده، فإن تأمل الإرث الفرانكفوني الثقيل الذي تركه والدمار الروحي والمعرفي الذي خلفته سياساته يعطي الانطباع بان تلك الصناعة لم تكن بالصلابة المطلوبة، وأن أي حديث عن نجاحها الكبير كالذي كتبه السفير الفرنسي على صفحته على فيسبوك لن يكون سوى ذر رماد على العيون سرعان ما تثبت الأيام زيفه وبطلانه.
كاتب وصحافي من تونس

فرانكفونية بورقيبة هل بنت تونس أم دمرتها؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية