في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كان الأدباء حول العالم يت.أمر يبدو محسوما لصالح الروائي الياباني هاروكي موراكامي، مع احتمال أن تتحقق مفاجأة بفوز الروائي الكيني نغوغي واثينغو الذي كان مرشحا بقوة كذلك. لكن المتابعين لإعلان الجائزة سمعوا اسما غريبا تماما عليهم، هو اسم الصحافية البلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش.
ينظر كثير من الأدباء، خاصة في العالم العربي، بنوع من التعالي إلى مهنة الصحافة، ويضعون الكتابة الصحافية في مرتبة سفلية بعيدة جدا عن الكتابة الأدبية. وربما شكّل فوز ألكسيفيتش، لذلك، نوعا من الصدمة للكثير من الأدباء العرب وقرائهم، فهي صحافية، مجرد صحافية وفقا للصورة النمطية للصحافيين عند الأدباء أو أغلبهم، وليس من المحتمل أن تنافس أسماء بارزة مثل موراكامي، مهما بلغت قيمة ما تكتب، أو جماله، لكن هذا ما حدث.
أعاد فوز ألكسيفيتش بالجائزة الاعتبار إلى ما يسمى بالأدب غير الخيالي، ونبّه إلى أن القصص الصحافية النابعة، كليا، من الواقع، المنسوجة بمهارة، وفق بناء محكم وحساسية عالية للغة والشخوص والأحداث، قد ترقى إلى مرتبة الأعمال الأدبية العظيمة التي يمكن أن تحصل على جوائز رفيعة، مثل نوبل. في المقابل، حفّز فوز ألكسيفيتش الصحافيين والكثير من المؤسسات الصحافية حول العالم على العودة للاهتمام بما يسمى «صحافة العمق»، الصحافة التي تحتاج إلى وقت أطول، وجهد أكير، ومهارة استثنائية عند المشتغلين بها، ومنحهم الثقة في أن الاستثمار في هذا النوع من الصحافة هو أمر مجد على المستويين الاقتصادي والأدبي.
يقول طارق عطية، رئيس البرنامج المصري لتطوير الإعلام: «إننا قصاصون Storytellers شأننا شأن المؤلفين الأكثر مبيعا، والأدباء، وكتاب السيناريو. الفارق أننا نعمل مع الحقائق. وكل ما ندعو إليه هو استخدام أدوات وتقنيات الأدب الخيالي من أجل سرد قصص حقيقية». من هنا تأتي أهمية كتاب «فرانك سيناترا عنده برد»، الذي أورد عطية ذلك في مقدمته لترجمته العربية. وصدر الكتاب، الأسبوع الماضي، عن البرنامج المصري لتطوير الإعلام، بترجمة القاص والصحافي إيهاب عبد الحميد، الذي سبق أن ترجم العديد من الكتب المهمة، ومنها «قصة الجنس عبر التاريخ» لري تاناهيل.
ويختلف مفهوم الأدب غير الخيالي عن تقنيات الرواية التسجيلية، التي تقوم على المزج بين وقائع تاريخية وأحداث خيالية، كما يفعل صنع الله إبراهيم، مثلا، في عدد من رواياته. فالأدب غير الخيالي هو تحقيق صحافي عميق، يقوم على تقنيات الصحافة، وأخلاقياتها أيضا، ويستخدم السرد القصصي، من خلال شخوص ووقائع جرى التحقق من صحتها ودقتها من خلال مصادر متعددة، لإيصال المعلومات. وهذا، بالضبط، ما فعله غاي تاليز الذي كتب قصة سيناترا.
لم تصدر قصة تاليز عن سيناترا في كتاب، لكنها نُشرت، للمرة الأولى، في مجلة «إسكواير» الأمريكية في نيسان/أبريل 1966، وترجمتها إلى العربية تضمنت دعوة من طارق عطية إلى الصحف للاستثمار في هذا النوع من الكتابة الصحافية. يقول عطية في مقدمته: «كان فرانك سيناترا، وقتها، نجما ذائع الصيت، سبق أن أجريت معه عشرات المقابلات الصحافية، وسُوّدت عنه مئات الصفحات بالقصص والأخبار والتقارير. استأجرت المجلة صحافيا موهوباـ كان قد عمل قبل ذلك في «نيويورك تايمز»ـ من أجل إنتاج ست قصص صحافية على مدار عام كامل. نعم. كان عليه أن يعمل على كل قصة لمدة شهرين تقريبا. هذا الصحافي اسمه غاي تاليز».
عندما نشرت القصة، أحدثت ضجة في طول البلاد وعرضها، وأصبحت رائدة لنوع من الأعمال الأدبية غير الخيالية Non-fiction سمي لاحقا بـ«الصحافة الجديدة»، وفقا لمجلة «نيمان ريبورتس» التي تصدرها جامعة هارفارد. وبعد سنوات طويلة- في تشرين الاول/أكتوبر 2003، وفي الذكرى السبعين لتأسيس مجلة «إسكواير»K اختار مسؤولو التحرير قصة تاليز كأفضل مادة نشرتها المجلة في تاريخها. يقول عطية: «استطاع تاليز أن يجلب منظورا جديدا تماما إلى هذا الرجل. كما استطاع أن يكتب قصة من خمسة عشر ألف كلمة تحافظ على اشتباك القارئ حتى السطر الأخير».
ولكن ما الذي يجعل من مادة تاليز عن سيناترا قصة رائعة؟
تقول الناقدة ماريا هنسن في «نيمان ريبورتس»: «أستطيع أن أجد في هذه القصة كل المعالم اللازمة في القصص غير الخيالي البديع: المشاهد، الحوار، الشخصيات، المونولوجات الداخلية، البداية، النهاية، التنقل، البناء المتكامل الذي يضفي معنى أشمل». ويوافقها عطية، قائلا: «المفتاح الحقيقي يكمن في مهارة إنتاج التقارير Reporting، الكتابة الصحافية المدققة، المليئة بالتفاصيل، والمدفوعة بفضول جبار، وكلاهما متوفر لدى تاليز بقدر هائل. يتناول تاليز سيناترا من كل زاوية ممكنة: العمل، الأسرة، التاريخ، الأصول، الطموحات، الأعداء. بل إنه يتكلم مع مئة شخص على الأقل أثناء عمله على الموضوع. والشخصيات الفرعية التي يقدمها تساعده على سرد القصة بطريقة لا تنسى. أحد أبرز الأمثلة تجدها في الإشارة التلقائية إلى امرأة تعتني بخصلات شعره المستعارة، والمعلومة الصغيرة عن المبلغ الذي تتقاضاه نظير ذلك».
لكن الشيء الأكثر إدهاشا في العمل ككلـ يقول عطيةـ هو أن «سيناترا نفسه رفض أن يسمح لتاليز بإجراء مقابلة معه». يقول تاليز: «الإبداع في الصحافة يكمن فيما تفعل بما هو متوفر بين يديك». في النهاية، قال تاليز لرئيس تحرير مجلته: «ربما لم أحصل على القصة التي كنا نتمناهاـ فرانك سيناترا الحقيقي. لكن ربما، بعدم حصولي عليهاـ وبسبب الرفض المستمر الذي قوبلت به ورؤيتي المستمرة لإمَّعاته وهم يحرسون خاصرتيهـ سوف نقترب أكثر من حقيقة هذا الرجل». يؤكد عطية: «كل من يقرأ هذه القطعة سوف يتفق على ذلك».
يرسم تاليز بورتريها شديد الدقة لسيناترا، بكل تناقضاته وانفعالاته، فينزل به من قمة جبل الشهرة الشاهقة، المحاطة بهالة من التقديس، إلى عالم البشر العاديين الإنساني: «فرانك سيناترا يفعل بعض الأشياء بنفسه. في احتفالات عيد الميلاد ستجده يذهب بنفسه لاختيار عشرات الهدايا لأقربائه وأصدقائه المقربين، وسيتذكر نوع المجوهرات التي يحبونها، ألوانهم المفضلة، مقاسات قمصانهم وفساتينهم. عندما فقد أحد أصدقائه الموسيقيين منزله ولقيت زوجته مصرعها في أحد الانهيارات الطينية في لوس أنغلس قبل نحو عام، جاء سيناترا شخصيا لمساعدته، فعثر للموسيقي على بيت جديد، ودفع ما لم تدفعه شركة التأمين من فواتير المستشفى، ثم أشرف بنفسه على تأثيث البيت الجديد بأدق التفاصيل، بما في ذلك استبدال الفضيات والبياضات، وشراء الملابس الجديدة».
وهذا هو الشخص نفسه الذي يقول عنه تاليز: «سيناترا نفسه الذي يفعل ذلك يمكن، في الساعة نفسها، أن ينفجر فى موجة عنيفة من الغضب العارم إذا فشل أحد رجاله في إنجاز أي مهمة، مهما تكن تفاهتها، على الوجه السليم. على سبيل المثال، عندما أتى أحد رجاله بساندويتش (فرانكفورتر) وعليه بعض الكاتشب- الذي يكرهه سيناترا- ألقى الزجاجة بغضب على الرجل، ناثرا عليه الكاتشب من فوقه لتحته. معظم الرجال الذين يعملون حول سيناترا يتمتعون بأجساد ضخمة، لكن ذلك لا يبدو أبدا رادعا له أو حاجزا يحد من تصرفاته الهوجاء معهم عندما تتملكه نوبة الغضب. وهمـ على أي حالـ لن يردوا أبدا على أي من أفعاله، فهو الزعيم».
يشرح تاليز ذلك: «ليس من الفطنة أن تحاول توقع ردود أفعاله، فهو رجل غير متوقع بالمرة، متقلب المزاج، ومتعدد الأبعاد، رجل يتصرف من واقع اللحظة وبدافع الغريزة، يتصرف فجأة، وبشكل درامي، ولا يستطيع أحد أن يتوقع ما يحدث بعد ذلك». ويضرب تاليز في قصته الشيقة أمثلة كثيرة ترسم لوحة دقيقة لشخصية سيناترا، بكل أبعادها.
يحاول عطية، في مقدمة الكتاب، وفي نشره كذلك، أن يحفز الصحافيين، وصناع الصحافة، على الاستثمار في هذا النوع من القصص، وعلى استخدام الأساليب الأدبية في الكتابة، لكن هذا يطرح سؤالا معكوسا حول إمكانية أن يستخدم الأدباء تقنيات الصحافة وأدواتها في إنتاج الأدب.
غاي تاليز: «فرانك سيناترا عنده برد»
ترجمة: إيهاب عبد الحميد الغلاف: أحمد اللباد
البرنامج المصري لتطوير الإعلام، القاهرة، حزيران/يونيو 2016
100 صفحة
ياسر الزيات