فردوس الوهم خلف بحار الموت

تشير المنظمات المختصة في شؤون اللاجئين، كالمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أكبر موجة تدفق بشرية تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
طوفان المهاجرين قادم من الشرق الاوسط المشتعل بحروب قديمة وجديدة، بلدان الحروب القديمة ماتزال تدفع بموجات بشرية، رغم مرور أكثر من عقد على بدء ازماتها، كما هو حال اللاجئين العراقيين والأفغان. وحروب وأزمات جديدة تضخ مئات الالاف من المهاجرين الجدد الهاربين من جحيم أوطانهم مثل، اللاجئين السوريين والليبيين والافارقة، بحثا عن فردوس متخيل يقبع خلف بحار تفصل بين بلدانهم المشتعلة وبلدان الشمال الهانئة، حيث الرفاهية والعيش الرغيد والأمان. البحر المتوسط وبحر ايجة تحولا إلى مقابر جماعية للهاربين بالزوراق المطاطية في محاولاتهم المستميتة للوصول إلى ارض الاحلام.
الأرقام المعلنة ترعب المراقبين، رغم تأكيد الكثيرين أن هذه الارقام لا ترقى إلى الدقة والمصداقية الكاملة، فبحسب الارقام التي اعلنتها المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن اكثر من 300 الف مهاجر غير شرعي عبروا البحار باتجاه اوروبا خلال العام الحالي 2015، وقد تعرض للموت غرقا منهم 2365، بالإضافة إلى اعداد غير دقيقة لمن اعتبروا مفقودين. وجاءت اليونان في مقدمة الدول التي يصلها المهاجرون عبر المتوسط، بواقع نحو 149 ألف مهاجر، في حين تجاوز عدد الواصلين إلى إيطاليا 103 آلاف، كما دخل إسبانيا 2166 مهاجراً عن طريق البحر، وبالمقابل كانت حصة العام الماضي 2014 من المهاجرين 219 ألف مهاجر، نجحوا في الوصول إلى القارة الأوروبية عبر المتوسط، في حين فارق الحياة نحو 3500 مهاجر. وبتحليل يتسم ببرود المشاعر يتبين لنا أن حوالي 1٪ من المجازفين بعبور البحار يلقون حتفهم غرقا، وهي بالنسبة للمراقبين المعنيين (نسبة معقولة)، بينما الحقيقة تقول إن خلف كل شخص ساقه حظه التعس لان ينضم إلى احصائيات الغرقى كارثة وقصة مأساوية دفعت به هربا من الموت إلى احضان موت آخر.
ان المجتمعات الاوروبية بحاجة إلى اعداد من المهاجرين، بسبب ما تعانيه مجتمعاتها مما يعرف بـ(انقلاب الهرم الديموغرافي)، إذ أن الهرم الديموغرافي الطبيعي يعرف بقاعدته الواسعة من الاطفال تليه شريحة الشباب في الوسط، ثم كبار السن في قمة هرم الشرائح العمرية في المجتمع، لكن المجتمعات الاوروبية ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شهدت تغيير الكثير من المعايير والمحددات الاجتماعية، مثل عزوف الشباب عن الزواج بسبب تقبل المجتمع للعيش المشترك بين الرجل والمرأة، بدون رباط الزواج الذي بات الشاب او الفتاة يتهربان من مسؤوليته، وكذلك التحديد المفرط للانجاب، الذي اوصل بعض المجتمعات، كما هو الحال في الدول الاسكندنافية، إلى نسبة نمو سكاني سالبة، أو تقترب من الصفر، ومع الرعاية الصحية والاجتماعية المتوفرة لكبار السن في ظل دول الرفاه الاجتماعي ازداد معدل عمر الإنسان، وبذلك أصبح هرم المجتمعات الاوروبية يقف مقلوبا على قمته، اذ أن شريحة الاطفال هي الاقل في المجتمع تليها شريحة قليلة من الشباب ثم القاعدة الاوسع من كبار السن غير القادرين على العمل في الاعلى، لذا سعى العديد من الدول إلى قبول المهاجرين وبالذات من الشرق الاوسط المعروف بتميز عائلته بالخصوبة العالية وعدد الاطفال المرتفع، والاشتغال على المهاجرين وبالذات الجيل الثاني منهم الذين سيتطبعون بطبائع المجتمع الجديد ويضيفون دماء جديدة لمجتمعات اتسمت بنوع من الشيخوخة.
لكن ما يحصل اليوم يتحمل اكثر من زاوية للنظر اليه، فالازمة الاقتصادية تخنق الكثير من دول أوروبا مثل، اليونان واسبانيا والبرتغال وايطاليا، ما جعل اصوات احزاب اليمين ترتفع برفض قبول موجات المهاجرين القادمة من جنوب البحر، في حين أن هذه الاصوات نفسها كانت الاعلى في تحشيد ودعم تحركات حلف الناتو والاتحاد الاوروبي التي تدخلت وشاركت في صنع العديد من مآسي بلدان الشرق الاوسط، وهذا بالضبط هو المأزق الاخلاقي الذي تعيشه حكومات الاتحاد الاوروبي اليوم، فهي تدخلت وستتدخل في شؤون منطقة الشرق الاوسط، حفاظا على مصالحها وسعيا للمكاسب الاقتصادية التي ستتوفر لها من ثروات بلدان المنطقة، وبالمقابل يجب أن تتحمل مسؤوليتها، أو على الأقل، تسعى لبحث حلول لهذه الازمة، للحفاظ على صورة اوروبا الداعمة للحريات ولحقوق الانسان. العديد من الاسئلة طرحتها مجلة «تايم» الامريكية في عددها الذي تناول مشكلة اللاجئين، وكان السؤال المحوري؛ لماذا تدفقت هذه الاعداد المهولة من اللاجئين الان؟ ومن ضمن ما طرح في معرض الاجابة على ذلك، أن مرور اربع سنوات على الازمة السورية التي تزداد تفاقما بدون أمل في حل قريب لها، جعل دول الجوار السوري تئن تحت وطأة حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ، وهي دول ذات قدرات مادية محدودة مثل، تركيا والاردن ولبنان. كما اضافت المجلة أن تصريح المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بعد الازمة الاخلاقية التي اثارتها وسائل الاعلام بنشر صور الاطفال الغرقى، الذي اعلنت فيه أن بلدها مستعد لقبول أي لاجئ سوري بمجرد وصوله التراب الالماني، خلق هالة من الامل الكاذب لمئات الالاف من اللاجئين، الذين ذاقوا الويلات في مخيمات الايواء منذ ثلاث سنوات، فغامروا بركوب الزوارق المطاطية هربا من تركيا مرورا بالعديد من دول اوروبا في محاولة للوصول إلى بر الامان الالماني. وترى مجلة «تايم» أن إعلان ميركل، بغض النظر عن الموقف من أزمة اللاجئين، وضع عدة بلدان أوروبية تحت وطأة استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، مثل إيطاليا واليونان.
ومع التفاؤل الذي عم اجتماع الاتحاد الاوروبي الاخير الذي خصص لمناقشة ازمة اللاجئين، أشارت المستشارة الالمانية ميركل إلى ان «معظم اللاجئين الفارين من الحروب جاءوا إلى أوروبا عبر تركيا، لن يمكننا تنظيم ووقف حركة اللاجئين من دون العمل معها على حل هذه الازمة». ويسعى زعماء الاتحاد الأوروبي إلى تعاون أكبر مع تركيا في هذا الملف، حيث يحرص الزعماء على أن توقع الحكومة التركية على خطة عمل مشتركة تتضمن توفير دعم مالي وإجرائي أكبر لتركيا، لتمكينها من التعامل مع المهاجرين والحصول على إذن من تركيا للمساعدة في تسيير دوريات حراسة للساحل، الغرض منها مواجهة مهربي البشر. وهنا تحولت قضية اللاجئين ومأساتهم المخضبة بدماء ضحايا الحروب والازمات وزوارق الموت إلى ورقة ضغط تلعب من هذا الطرف او ذاك، فالاتحاد الاوروبي يعد تركيا بتقديم معونات مادية تصل إلى (مليار يورو) ووعود بمساعدة سفر الرعايا الاتراك إلى دول الاتحاد، بدون الحاجة إلى «تأشيرة شنجن»، بينما يطالب الاتراك من طرفهم، وحسب تصريحات وزير الخارجية التركي فريدون سنيرلي أوغلو، بمطالب اكثر مما عرض الاتحاد الاوروبي، فالوزير يقول «إن خطة العمل مع الاتحاد الاوروبي مازالت ليست نهائية، مازالت مشروعا نعمل عليه، وإن المساعدة المالية التي عرضت غير مقبولة «إذ تسعى تركيا للحصول على ثلاثة مليارات، بينما حذر دونالد توسك رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي من أن التنازلات سوف تمنح فقط لو ساعدت تركيا في خفض تدفق اللاجئين، الذي لا يزال عند مستواه القياسي، وتبقى مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي بدون تغير جوهري، بسبب الموقف الألماني الذي اعلنته بكل وضوح المستشارة الالمانية انجيلا ميركل، في لقاء مع الإذاعة الألمانية في الثامن من اكتوبر الجاري، اذ صرحت بأنها مازالت عند موقفها المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت ذاته أكدت أنها مع منح تركيا «شراكة مميزة» لا تصل إلى حد العضوية الكاملة، وأن الرئيس أردوغان على علم بموقفها، في المقابل يسعى الزعماء الاوروبيون إلى تأطير المسألة بأطر قانونية يستطيعون عبرها الوصول إلى حلول توقف حالة الصدمة التي تعيشها اوروبا وذلك بفتح المزيد من مكاتب المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة وحضها على الاسراع في البت في القضايا المقدمة لها، والاشتراك في تقاسم دول اوربا لاعداد اللاجئين، وبناء على ذلك تم افتتاح ستة مراكز جديدة في تركيا، لكنها لم تحقق تقدما ملحوظا مع وجود مئات الالاف من طالبي اللجوء.
لقد وصف العديد من الصحف العالمية ازمة لاجئي الشرق الاوسط وتدفقهم بعشرات الالاف إلى اوروبا بـ(حرب اللاجئين) حتى أن بعض المراقبين قال إن أوروبا خسرت هذه الحرب، وهذا ما سينعكس على مستقبلها، حيث أشار بعض المتشائمين إلى أن ازمة اللاجئين تهدد بتفكك الاتحاد الاوروبي، نتيجة لصراعات اعضائه والخلافات على كيفية معالجة الأزمة، ولأن الكارثة لها وجوه عدة، فقد جاء مقال رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم، في 7 أكتوبر 2015 ناظرا إلى المأساة من جانبها الاقتصادي محاولا تسويق الأزمة عبر تغليفها بورق سيلوفان، إذ يذكر في مقاله أن تدفق المهاجرين الشباب في سن العمل على بلد ترتفع فيه نسبة المسنّين يشكل مكسباً للجميع، ويؤكد أن أزمة اللاجئين اليوم بحاجة إلى ما هو أبعد من المساعدة الإنسانية، إنها بحاجة إلى «خطة إنمائية» تحدد وفقها البلدان المضيفة مسارات لمشاركة اللاجئين في الاقتصاد. ويكمن التحدي، حسب رئيس البنك الدولي، أمام عدد من البلدان المتقدمة في إدارة التغيير، في الترحيب بالمهاجرين واللاجئين بخطة لتوطينهم، وتحويلهم إلى مواطنين.
وتبقى عيون المهاجرين معلقة على أمل قد يبدو سرابا، لكنه لا يمنع السعي الحثيث الذي لا يخبو ولا توقفه الصعوبات، فالملايين باتت أوطانها تحترق من خلفها وبحار الموت من أمامها فماذا تصنع؟ ستهرب من موت مؤكد إلى موت محتمل في بحار قد تحجب فردوسا سيغدو ملاذا آمنا لعوائلهم.

٭ كلتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية