في23 تموز/يوليو الماضي بدأت الحكومة التركية حملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في أول مواجهة مباشرة مع مجموعة تهدد حدودها منذ أكثر من عام واستهدف أمنها عندما نفذ عملية انتحارية في قرية سروج القريبة من الحدود السورية وقتل 31 شخصا. وكان الهجوم الانتحاري المبرر الذي دعا بالرئيس طيب رجب أردوغان لشن حرب ضد التنظيم والسماح للطائرات الأمريكية التحليق من قاعدة أنجرليك الجوية والتعاون مع الولايات المتحدة لإنشاء منطقة حرة من مقاتلي التنظيم الجهادي. وللوهلة الأولى يعتبر التحول في الموقف التركي مهما أو كما قال أحد المسؤولين الأمريكيين «مغيرا لقواعد اللعبة» نظرا لحجم تركيا العسكري وكونها عضو في منظمة حلف الناتو. إلا أن القرار التركي استهداف عناصر حزب العمال الكردستاني «بي كي كي» وفتح جبهة جديدة مع التنظيم أثار العديد من الإنتقادات خاصة أن الحكومة التركية تتفاوض معه منذ عام 2012 لتسوية تنهي الحرب الدموية الدائرة بين الدولة التركية وبين الحزب منذ 3 عقود وأدت لمقتل أكثر من 40 ألف كردي. ونظرا لأن الأكراد في العراق وسوريا يعتبرون اليوم حلفاء أمريكا الحقيقيين على الأرض. ففي شمال العراق أسهمت قوات البيشمركة بهزيمة وتراجع تنظيم الدولة من المناطق القريبة من اقليم الحكم الذاتي في كردستان وجبل سنجار والقريبة من كركوك. وفي سوريا استطاع مقاتلو الحماية الشعبية التابعون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني إخراج التنظيم من بلدة عين العرب/ كوباني. صحيح أن هزيمة التنظيم في هذه البلدة لم يكن ليتحقق بدون الغارات الجوية الأمريكية وطيران التحالف إلا أن الأكراد السوريين المحسوبين على «بي كي كي» أصبحوا حلفاء أمريكا في سوريا وعلى حساب الفصائل السورية الأخرى التي لم تكن راغبة بحرف ميزان الحرب عن مواجهة نظام بشار الأسد والتركيز بشكل شامل على محاربة الجهاديين. وكانت تركيا تراقب المكاسب التي حققها الأكراد السوريون بقلق ولم تكن راضية عن التعاون الأمريكي ـ الكردي في سوريا لأن طموحات الحزب الكردي الذي تسيد المسألة الكردية السورية هي إقامة كانتون يربط مناطق شمال شرق سوريا من عين العرب/كوباني وعفرين والحسكة بمنطقة واحدة «روجوفا». وترفض تركيا هذا الكيان القريب من حدودها خاصة أن زعيم الحزب صالح مسلم لم يخف نبرته المعادية لها. ومن هنا جاءت الضربة التركية للأكراد في جبال قنديل بعد سلسلة من الهجمات على مواقع الشرطة التركية. والملاحظ أن تركيا قررت في 23 تموز/يوليو 2015 السماح للأمريكيين استخدام قواعدها. وفي 24 تموز/يوليو 2015 ضربت مواقع لحزب العمال في جبال قنديل شمال العراق. وهاجم أردوغان زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الذي فازت كتلته بنسبة 13٪ بالإنتخابات البرلمانية الأخيرة خاصة أن صلاح الدين ديميرطاش اتهم الحكومة التركية بالضلوع بهجوم سروج الذين كان ضحاياه أكراد. وإزاء هذه التطورات أصبحت محادثات السلام لاغية بين تركيا والأكراد واعترف الرئيس التركي في جولته الآسيوية أن السلام مع حزب العمال الكردستاني لم يعد ممكنا. ورغم الترحيب الغربي بتغير موقف الدولة التركية من تنظيم الدولة الإسلامية إلا أن عددا من الدول الأوروبية تحفظت على ضرب الأكراد. فالولايات المتحدة التي كانت تدفع باتجاه المشاركة التركية حتى تحصل على إذن بالتحليق من القواعد التركية التزمت بلازمة أن تركيا محقة في الدفاع عن نفسها وأن الإتفاق معها هو من أجل ضرب مواقع تنظيم الدولة وإقامة منطقة خالية منه شمال سوريا. ولكن الناتو في اجتماعه الذي عقد يوم الثلاثاء في بروكسل عبر عند دعمه للموقف التركي ضد التنظيم وطالب في الوقت نفسه الحكومة التركية مواصلة جهود السلام مع الأكراد. وكانت ألمانيا من أكثر دول الإتحاد الأوروبي تحفظا على الحملة التركية. واتهم الكثير من المعلقين الصحافيين في بريطانيا والولايات المتحدة واشنطن بالتواطؤ مع انقرة في حملتها ضد الأكراد. وفي هذا السياق ترى مجلة «إيكونوميست» (30/7/2015) أن حسابات الرئيس التركي السابقة في تجنب المواجهة مع تنظيم الدولة ربما نبعت من مخاوفه لاستهداف الجهاديين الأمن التركي. أو ربما فكر هو نفسه باستخدامهم كبيدق في اللعبة السياسية في المنطقة. لكن هذا «الوهم» تبدد بفتح التنظيم جبهة جديدة على الأراضي التركية. ورأت المجلة في تغير موقف أردوغان من التنظيم تطورا إيجابيا إلا ان ضرب الأكراد يحرف الحرب عن مسارها الحقيقي والذي يهدف هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وتعتقد أن هذا التنظيم الذي ضعف لا يزال باق لأن هزيمته ليست أولوية أحد. فالولايات المتحدة ترغب بتحديد التزاماتها في الشرق الأوسط.
وبالنسبة لكل من السعودية ودول الخليج فالتهديد آت من إيران، ومهمة الأخيرة تعزيز بقاء نظام الأسد. ويهدف النظام السوري لإضعاف المعارضة السورية المهووسة من جانبها بالإطاحة به. أما تركيا فقد كانت تركز على الإطاحة بنظام دمشق ثم غيرت موقفها وبدأت تقلق من الأكراد الذين حذرتهم من عدم اجتياز الفرات نحو الغرب. ومن هنا تشك المجلة في أن المنطقة الخالية من تنظيم الدولة تبدو وكانها محاولة لإنشاء منطقة خالية من الأكراد. وفي الحقيقة هذا هو الهدف من العملية التركية، منع الأكراد في سوريا من التقدم نحو المناطق التي لا تزال تقع تحت سيطرة تنظيم الدولة في غرب نهر الفرات وبالتالي قطع الطريق عليهم ومنعهم من تشكيل كيان لهم لأن هذا الكيان لا يصب في مصلحة الأمن القومي التركي.
أهداف متعددة
ولهذا السبب فالعملية التركية المزدوجة والتي تقارب بين إرهاب تنظيم الدولة و»بي كي كي» تهدف لتحقيق عدد من الأهداف وهي تعزيز الأمن على الحدود وتأمين منطقة عازلة ينتقل إليها اللاجئون السوريون وتمنح المعارضة وقتا للتنظيم والتدريب مع أن خلافا لفظيا جرى بين أنقرة وواشنطن حول طبيعة المنطقة، شريط أمني، حزام آمن ام منطقة حظر جوي؟ كما تهدف تركيا إلى تعزيز موقعها الاقليمي وبناء إجماع وطني وراء حزب العدالة والتنمية الذي لم يستطع الحصول على غالبية الأصوات كما هو الحال في انتخابات ماضية منذ تسيده السياسة التركية بداية القرن الحالي. ويعني الحصول على تأييد الشعب التركي خلف قيادة أردوغان انضمام القوميين الأتراك الحانقين على سياسات التقارب مع الأكراد. وهي حزمة من الأهداف يمكن أن تنجح وتعزز من سلطة أردوغان وحزبه ويمكن أن ترتد سلبا عليه. وتظل «مقامرة» كما يقول جوشوا وولكر وأندرو جي بوين في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (30/7/2015). ويناقش الكاتبان أن التغير في الموقف التركي جاء نتيجة لأشهر من الضغوط الأمريكية. فقد ظل المسؤولون الأمريكيون يلومون تركيا على عدم فعل شيء تجاه تدفق المقاتلين الأجانب والأسلحة وكذا التجارة غير الشرعية التي تجري بين مناطق تنظيم الدولة وتجار السوق السوداء في تركيا. ولكن تركيا وعلى مدار اسبوع زادت من التعاون الأمني مع الولايات المتحدة ولاحقت المتعاطفين مع التنظيم في تركيا وسجنتهم إضافة لعناصر متعاطفين مع الأكراد كما قامت بحجب عدد من المواقع المؤيدة للتنظيم باللغة التركية على الانترنت وغير ذلك من الإجراءات.
فرض أمر واقع
ومع أن تركيا اقترحت منطقة حظر جوي إلا أن أمريكا رفضت الفكرة رغم أن أنقرة تهدف على المدى البعيد لتحويل الشريط الآمن لواقع قائم. فطوال الأزمة السورية ناقشت الحكومة التركية أن خلق مناطق آمنة أمر ضروري لحماية حدودها والسماح للاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم. وقد أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو يوم السبت (25/7/2015) عندما قال «بعد تطهير هذه المناطق من تنظيم الدولة فستظهر المناطق الآمنة بنفسها وسيقيم الناس المشردون فيها». وينبع رفض الولايات المتحدة إقامة مناطق حظر جوي نظرا لكلفة حمايتها والحاجة لقوات برية كي تقوم بتأمينها. وفي هذا السياق استبعدت تركيا نشر قوات برية في هذه المناطق في وقت أكد فيه أردوغان استعداد بلاده لحمايتها. ومن الباكر لأوانه الحديث عن الكيفية التي ستنفذ فيها أنقرة وعودها. لكن الحكومة التركية قد تضطر لإرسال قوات برية لحمايتها حالة هاجمتها قوات النظام أو فشلت المعارضة بتوفير الحماية لها.
نقل الخلافة الى اسطنبول
ويرى الكاتبان أن حسابات أردوغان قد تغيرت في الأشهر الأخيرة من تنظيم الدولة بعد تصعيد الأخير لهجته وإعلانه عن خطط لتوسيع «الخلافة» حتى تصل اسطنبول. وهو ما أثار قلق الرئيس التركي الذي تعامل على ما يبدو في البداية مع تنظيم الدولة باعتباره واحدا من الفصائل التي تقاتل في سوريا وإن تميز بنزعة شرسة. لكنه رأى أن التركيز عليه يحرف النظر عن هدفه الرئيسي وهو الإطاحة بالرئيس السوري. وانتقد أردوغان الإعلام الغربي المنشغل بتجارة السوق السوداء أكثر من تركيزه على هوية المقاتلين القادمين للقتال مع التنظيم. لكن القشة التي قصمت ظهر البعير وغيرت الموقف التركي كانت بلا شك إعلان التنظيم الحرب صراحة على تركيا من خلال عملية سروج.
جبهات متعددة
ومن هنا استنتج أردوغان أن تركيا التي تواجه خطرا من الأكراد والنظام السوري وتنظيم الدولة وموجات مستمرة من المهاجرين أن أمن بلاده بات على المحك. لكن فتح حرب على جبهتين سيترك تداعيات كبيرة على تركيا، أمنا واقتصادا ومن الناحية العسكرية. ففي الأشهر المقبلة سيزيد اعتماد تركيا على الدعم العسكري الأمريكي، كما أن تنظيم الدولة وبي كي كي سيصعدان من هجماتهما ضد البنى التحتية وقوى الأمن في تركيا وهو ما سيعرض الإقتصاد للضرر وسيؤذي بالضرورة صناعة السياحة التي تعتمد عليها تركيا في دخلها القومي حيث يؤم البلاد سنويا أكثر من 30 مليون سائح. ويرى الكاتبان أن تصعيد الحرب ضد الأكراد سيفاقم من التوتر مع الحكومة الأمريكية التي لا تدعم حملة أنقرة ضد الأكراد، ومن هنا سيجد أردوغان نفسه أمام معضلة تحتاج لحل خاصة أنه راهن في الماضي على السلام مع الأكراد وها هو يرمي كل شيء بشكل يهدد وحدة الأكراد في داخل بلاده والمنطقة مما سيهدد الإستقرار في تركيا في وقت يواجه فيه الجيش قتالا صعبا من مقاتلي بي كي كي وتنظيم الدولة. ومن جهة أخرى، فالطريقة التي أظهر فيه أردوغان حزما سياسيا وقيادة في ساعة الأزمة ستعطيه تميزا على قادة الأحزاب الذين دخلوا في مماحكات حول حكومة الإئتلاف التي كلف بتشكيلها أحمد داوود أوغلو وهو ما سيعطي أردوغان الفرصة لعقد انتخابات مبكرة والحصول على أغلبية تؤهله لتحقيق ما كان يطمح به وهو تغيير الدستور ومنح نفسه صلاحيات أوسع. وبالمحصلة فأردوغان الذي لم يكن خاسرا في الانتخابات الأخيرة بل حزبه سيكون الخاسر أو الرابح الأكبر في الحرب الجديدة التي تخوضها بلاده وعلى أكثر من جبهة.
إبراهيم درويش