…إلى أنيس الرافعي
اللعب باللغة، بأساليبها وأدواتها وحروفها، هذه هي الظاهرة الحديثة في عالم السرد، فالكتابة فعل لعوبٌ.. توقيف الزمن ولفّ على الذات. إنها ـ أي الكتابة- مرآة هشة، يسهل ويصعب التعامل معها في الآن ذاته.. تتعدد تقنيات السرد والحكي داخل المجموعة القصصية «فرق التوقيت» للقاص الأردني- الفلسطيني محمود الريماوي (1948)، الصادرة عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» في القاهرة/ مصر عام 2013، في 85 صفحة صغيرة الحجم.. فالقصة الواحدة داخل هذه المجموعة تقلّب النظر في تقنياتها وأساليبها، مع كل جملة وفقرة. كأني به القاص يحاول التعدد داخل النص الواحد، ما يجعلنا نؤكد أننا أمام ما يمكن تسميته بالميتانص أو الميتاقص.
لسنا هنا، نحاول تفريز المفاهيم، والغوص في غياهبها، الفلسفية والفكرية والأدبية، ليس لكون الأمر ليس سهلا علينا، بل تفاديا للدخول في متاهات القراءة المعقدة واللانافعة. قراءة غايتها إظهار عضلات سيلكون واهية، عضلات الغير لا الذات.
اللعب باللغة:
رجوعا إلى المجموعة القصصية التي بين يدينا، لقاصنا محمود الريماوي.. فاللعب باللغة المشار إليه ، يظهر جليا في مجموعة من القصص التي يضمها المؤلَّف. قصة «سحرّ الحياة» مثلا، أولى قصص المجموعة، إذ يتخذ القاص من المصادفة أسلوبا حكائيا تخييليا باهرا، يجعل من المتلقي غيْر وفيّ للحدث الواحد أو الدائرة السردية الواحدة، بل يجعله ينتظر بشغف تلك النقطة النهائية التي تؤطر الحدث، فتغيب أهمية الحدث ككل أمام الجزء. إضافة إلى الأساليب اللغوية والسردية (حوار، ضمير المتكلم، ضمير المخاطب، الاستفهام، التعجب، الشرط… إلخ) تتنوع وتتكاثر داخل القصة الواحدة، من فقرة إلى أخرى، أو بالأحرى من مصادفة إلى أخرى. هذا كله وزيادة على ذلك الأسلوب الشاعري داخل نظام الحكي لديه، وإن كان هذا النظام يغلبه ذلك الطابع الشفوي أحيانا، فهو يبتعد عنه كلّ الابتعاد، لكي لا ينتمي لجنس القصص «الحكواتية»، عبر القطع النهائي مع تلك المقدمة الإطلالية، إن أردنا القول، عبر الخوض مباشرة في أحداث القصة التي عزم على سردها.
يقول بورخيس في أحد نصوصه حول مفهوم القصة: «من يقرأ قصة يعلم أنه يقرأ أو يطمح إلى أن يقرأ شيئا سيسليه، ويدخله إلى عالم، لن أقول عجائبيا الكلمة طموحة جدا- بل عالم مختلف قليلا عن عالم التجارب المشتركة». هذا هو بالفعل ما يمكن القول عن قصص محمود الريماوي، هذه القصص التي يقول عنها الكاتب صالح الرزوق، في أحد نصوصه القرائية في هذا المجموعة التي بين أيدينا، إذ يقول: «إن قصص الريماوي أكثر من أن تكون رسما بيانيا لخلجات النفس وبناء وجدان شخصياتها الواقعية وحسب. فهي تركز، في معظم الحالات، على الباراسايكولوجي وظواهر التخاطر ونشاط النيرفانا للنفس المفكرة حين تمر في حالة تحول، أو حالة خروج من منغصات الواقع لعالم اللاشعور. وإن البحث عن حياة موازية يسهل عليها تأجيل المواجهة ونقل أرض المعركة».
الحجم والحدث:
تتنوع أحجام القصص داخل المضمومة من المتوسطة إلى الصغيرة (جدا)، فحُكم هذا القصر في القص، عائد لإلمام الكاتب بالفعل الزمني الذي بات يتطلبه القارئ، وإن كان القاص يكتب للقارئ العاشق والمُلم، فإنه أيضا يراعي زمن القراءة، الذي يقتضيه (استهلاك) قصة، فهذا الزمن لا يسمح أن تطول القصة أكثر من اللازم، أو تتعدد أحداثها وشخوصها، إلا في حالات استثنائية. فالزمن القصير للحكي القصصي، كما يعيه محمود الريماوي كأحد مجايلي بدايات القصة العربية المعاصرة، لا بد له أن يسمح من التقاط الأثر الذي يبتغيه القاص في ذاكرة المتلقي، أثرا اجتماعيا، نفسيا، إبداعيا، مخياليا… إلخ، فطول القصة يفترض سهو القارئ والابتعاد عن استيعاب الأثر المرجى. فما معنى القصة القصيرة في كتابة محمود الريماوي؟ يجيب الكاتب والناقد فيصل الدرّاج قائلا: «قد يقال مباشرة: إن القصة القصيرة مرآة لمقطع من الحياة اليومية، أو أنها «لقطة سريعة» لواقعة من وقائع النهار، أو أنها كتابة مقتصدة محورها إنسان مفرد. أظن أن لدى الريماوي ما يقول، القصة القصيرة سرد مجازي مأساوي للوجود الإنساني المغترب».
تتنوع القصة عنده من عدم الوقوف عن حدث واحد وأكيد، دائما، بل تحاول أن تجل أحداثها تتعدد وتتكاثر، داخل النسق الواحد للقصة «سحرّ الحياة» ص5 مثالا. إلى التركيز على حدث واحد يجعله داخل قالب لغوي متميّز وأسلوب حكي متفرد، يلعب باللغة لعبا كأنه يرتب مفرداتها مُفردة مُفردة، «قصة الأضحى» ص19 مثالا.
الطفولة أو الإنسانية الخلاقة:
بعيدا عن تلك الجماليات اللغوية والأسلوبية، قصر الجمل، توظيف البلاغة، شاعرية الجمل، استعمال العامية (الأردنية)… إلخ. ففي قراءتنا لأي قصة، لا ينبغي علينا الوقوف عند الأساليب اللغوية فقط أو الحكائية، كأننا أمام تجزيء وتفصيل ودراسة جافة فارغة من روح النص، وتتباهى بما تريده من إظهار للمصطلحات المفاهيمية الأكاديمية، كأنها داخل حلبة مصارعة الثيران يبدو فيها المصارع بهلوانا لا فارسا. يحضر داخل النسق الحكائي للقصص التي تضمها المجموعة، هذه القصص التي يمكن اعتبارها تدخلا ضمن ما نسميه (السلسلة السردية)، حيث تأخذ كل قصة استقلاليتها الذاتية، وتدخل داخل حُكم واحد للمجموعة يتخذه القاص منطلقا لتجميع قصصه. يحضر جليا ذلك الطابع الإنساني وذلك الطيف الطفولي الهش، داخل القصص كدال وجامع لها، دال توظيفي جمالي. فنقرأ في عدة قصص من المضمومة مقاطع تشير إلى ما نحن نذهب إليه:
«بين هؤلاء صبي يرتدي جلابية حائلة اللون مثل الكبار، وليس معلوما إن كانت تلك هي ملابس العيد، أم أنه سيقوم باستبدالها بملابس جديدة فور عودته إلى البيت». (الأضحى ص 19-20).
هذا مقطع من قصة «الأضحى» التي نجح الريماوي في رسم تلك العلاقات عبر لغة مكثفة متمكنة لتصوير التشوّه الذي أصبح عالقًا بالنفوس، مثل هذا الصبي في القصة، الذي يراقب عملية الذبح صبيحة العيد، متسائلاً في جزع: «كيف لا يتألم الناس للمشهد؟!».
ويحضر ذلك البعد الإنساني عبر ذلك الاستذكار الطفولي لوقائع عاشها القاص في زمن الطفولة في بلاده الأصل (فلسطين)، استذكار وصفه عبر تكثيف للأحداث واللغة داخل عدة قصص داخل المجموعة، كما يتضح الأمر في قصة «سحر الحياة» حين نزل بطل القصة (هو السارد ذاته) بفندق في الرباط (المغرب) وكان من نصيبه الغرفة رقم 1948 الرقم الألصق بحياته، ففي تلك السنة ولد وفيها «سقط موطني الأول فلسطين وقامت على أرضه دولة في السنة ذاتها لخليط لوافدين من وراء البحار ينتمون لبلاد وتجمعات شتى». (ص10).
وما يزيد من التعمق في الطابع الإنساني داخل هذا الحدث (الصدفة)، هو ذلك الفعل الذي أقدم عليه البطل، إذ احتفظ بالمفتاح في جيبه، هذا الفعل الذي يذكرنا بحدث الشتات الفلسطيني عام 1948، إذ جعل السكان يأخذون مفاتيح دورهم معهم أينما ارتحلوا، على أمل العودة إليها.. «وكنتُ احتفظتُ بالمفتاح في جيبي وهي عادة متوطنة لدي في رحلاتي، مبعثها الوهم بأن الغرفة مُلكي كما هي بيتي لي (…) فأضمن الحفاظ على خصوصياتي وممتلكاتي» (ص10).
لا يحاول القاص الخوض في تلك الصراعات السياسية والهوياتية، بل ما يدفعه لاستدراج كل هذه الأحداث والانفعالات والذكريات هو ذلك التوظيف الرهيف والحساس الذي يبتغيه داخل نصوصه. هذه الرهافة والهشاشة أيضا تتضح جليا داخل قصتي «الفراشة تبطش» و»الخنفسة النهار». هاتان القصتان تحاولان استدراج تلك العلاقة الحساسة بين الكائن (الإنسان) والكائنات الأخرى (الحشرات والنباتات):
في قصة «الفراشة تبطش» يراقب الرجل الفراشة وهي تقوم بحركاتها الاستعراضية ثم تختفي لتظهر من جديد «تغيب عن النظر لوقت أطول من المتوقع، حتى يخال الرجل أنها انتبذت مكاناً قصياً تنال فيه قسطاً من الراحة أو النوم» (ص25).
في قصة «خنفسة النهار» يحاول القاص أن يدرجنا داخل ذلك الإحساس الهشيش بين الكائن والكائنات «لقد لمحتُها ما إن خرجتُ من باب بيتي ضُحى يوم ربيعي مشمس، وكانت أول كائن أصادفه صبيحة ذلك اليوم، وبدت ماسة سوداء حيّة وفاتنة» (ص59).
فرق التوقيت تكثيفا للزمن:
إن كانت تلك القصة التي استهلّ بها القاص مجموعته: «سحرّ الحياة»، وقد تطرقنا لها آنفا، تتسم بأسلوب المفارقة من حيث اللعب اللغوي وأسلوبي والحكائي عبر ثيمة المصادفة. فالقصة التي تحمل المجموعة عنوانها: «فرق التوقيت»، جاءت هي كذلك حاملة هذه الأسلوبية البليغة. أسلوب المفارقة. إلا أنها مفارقة «بالزمن» إن نحن أردنا التدقيق، حيث يلعب القاص بثيمة الزمن عبر تكثيف باهر وماهر. فقد اعتبر دراج أن الريماوي في هذه المجموعة احتفى بالزمن إلى تخوم البكاء، التي تحكي في أحد مستوياتها عن «الساعة العادية، الخاصة ببشر لا قلق عندهم، والساعة البيولوجية التي تشير إلى آخرين يتمرّدون على الزمن في اتجاه، ويرد عليهم الزمن من اتجاه آخر، ناشراً عبثاً مالح الطعم مضطرب الملامح».
يلعب الريماوي حكيا بهذه المفارقة عبر أسلوب الحوار غير المباشر (حوار غير مسرحي)، إذ يكون ضمير المتكلم هو ضمير الغائب والمخاطب في آن. بما معناه، غياب الصوت الآخر وتذويته في الأنا المتكلمة. يقول: «وذكر أنه سمع في العام الماضي حين كان مغترباً في أستراليا، وقد أمضى هناك سبعة أعوام ونال جنسية بلاد الكنغورو، سمع أن عيادة تم افتتاحها لتضبيط الساعات البيولوجية» (ص73)، ليس في هذا الأمر من غاية إلا جعل المتلقي يعي جيّدا تلك المفارقة الزمنية التي يحياها البطل، إذ يعيش هو في فرق توقيت بساعتين عن الزمن الحقيقي للمكان الذي هو فيه. يلعب إذن القاص بالزمن الفيزيائي (الحركة في مكان) والزمن البيولوجي (النفسي/الشعوري) بحبكة عبقرية متفردة.
بهذا تكون قصص هذه المجموعة للقاص محمود الريماوي، قد استوفت أحقية جعلها تندرج بفعل القوة ضمن ما اصطفى عليه بالميتاقص، أو الحكي الحديث.
كاتب مغربي
عزالدين بوركة