برلين ـ إبراهيم اليوسف: قرأت بواكير قصص فرمز حسين في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وكانت من حيث بنائها الفني ولغتها متكاملة وعوالمها متكاملة. غير أنه انقطع عن الكتابة، بسبب ظروف حياتية مرّ بها أدت به إلى السفر بعد ذلك إلى مملكة السويد، كي ينخرط في الحياة الجديدة، وتصبح الكتابة لديه في عداد ما هو مؤجل، بل ما هو منسي. أتذكر، أنني خلال اللقاءات القليلة التي تمت معه بعد ذلك صرت أستحثه على الكتابة، لألمس لديه نوستالجيا إلى تلك المرحلة، بيد أن ذلك لم يتم إلا مع بداية الثورة السورية التي صار في عداد أحد الكتاب الذين انحازوا لها، وتبنوا خطابها في كتاباتهم. لاسيما في بداياتها، قبل أن تنحرف بوصلتها، وتتم سرقتها ممن أشعلوا فتيلها ميدانياً.
خلال الأسابيع القليلة الماضية صدر للكاتب فرمز حسين كتابان: أحدهما «الهبوط الآمن»، وثانيهما «الفصول السورية»، تناول فيه الثورة السورية على امتداد خمس سنوات ونصف السنة من عمرها. حول عودته إلى القصة وتجربته مع مجموعته البكر التي تأخرت ولادتها كان لنا معه الحوارالتالي:
■ ماذا عن بدايات علاقتك مع القصة القصيرة؟
□ لا شك أن للحكايات الشعبية دورها في تأسيس علاقة تآلف مع فن القص. وقد كانت في غالبيتها تنطلق من مفهوم الصراع الأزلي بين قوى الخير والشر وتمجيد الخصال الحميدة مثل الوفاء والشجاعة ووصف الجمال الآسر لأبطال تلك الحكايات، ثم يأتي الفضول وحب الاستطلاع ليشكل المفتاح الذي يقود معظمنا فيما بعد إلى القراءة والبحث. نبدأ من خلال الصحف اليومية مثلاً وكل منّا يتأثر ببعض من محتوياتها ومن ثم يغوص في مجال أكثر من الآخر، وبالنسبة لي كان الأدب عموماً فأصبحت أبحث أكثر فأكثر عن الأسماء الأدبية والكتب. هكذا كانت البداية معي أيضاً أي الانتقال من قراءة الصفحات الثقافية العامة التي كانت تزخر بالشعر والقصة والكتابات النقدية، إلى الاهتمام بشكل متزايد بالصنف الأدبي الذي كان مؤثرأ أكثر من غيره. والحقيقة أن قراءتي للرواية والكتاب العالميين، وكذلك العرب كانت تأخذ الحيز الأكبر، لكن على الرغم من ذلك بقيت كتابة القصة دائماً تجذبني. هكذا بدأت هاوياً لا محترفاً وسأبقى كذلك.
■ ما مصير قصصك الأولى التي كتبتها في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات؟
□ ضاعت مثلها مثل الكثير من الأشياء القيمة التي نضّيعها في زحمة انتقالاتنا اللاإرادية من محطة حياة إلى أخرى، بحثاً عن السكينة، وهرباً من الصخب كما وصفتها في إحدى القصص القصيرة جداً في مجموعتي. وكما تعلم في نهاية السبيعينيات وبداية الثمانينيات لم تكن هناك أجهزة كومبيوتر متوافرة. وكانت تجربتي المتواضعة في كتابة القصة القصيرة مخطوطة بالقلم ومركونة على أحد رفوف مكتبتي الصغيرة في بيتنا الترابي في قرية خزنة حين غادرتها نهاية الثمانينيات بداية التسعينيات.
■ لم القصة؟ وليس الشعر مثلاً؟
□ كنت ولا أزال أجد في القصة فسحة تتيح لي التعبير عما يجول في خاطري من شؤون وشجون مع إمكانية خلط الشأن العام مع الخاص، ودمج السرد الواقعي مع الخيال، دون الحاجة إلى الدخول في التفاصيل الكثيرة. كما أنني كنت دائماً أرى كما الكثيرون بأن فن القص هو فن القدرة الإبداعية. وهو فن التمكن الذي يمكن اكتساب أدواته من خلال التجربة والقراءة الكثيرة وسعة الاطلاع. فيما الشعر فيه من الكتابة الفطرية أو ما يسمى بالإلهام أكثر. وبالتالي فهو موجود عند معظم الشعراء. ولو أن الشعر أيضا كما بقية الأصناف الأدبية بحاجة دائماً إلى الصقل والمواكبة والتحديث.
■ المسافة الزمنية الطويلة بين بدايات علاقتك مع فن القص ومجموعتك القصصية البكر التي صدرت مؤخراً جداً طويلة: ماذا وراء ذلك؟
ـ الحقيقة أننا مسيرون إلى أبعد حد من خلال الظروف المحيطة بنا، وهناك دائماً أولويات تحكمنا. ففي ظل البحث عن الاستقرار وتأمين مستلزمات الحياة الضرورية لك وللمقربين منك تأتي المطالعة والكتابة في نهاية سلم الأولويات وتحسب كبعض من حالات الترف. زحمة الحياة أخذتنا بعيدأ عن الكثير مما كنّا نحلم به و نود إنجازه. والمطالعة ومن ثم الكتابة بالنسبة لي كانت أهم تلك الحاجات التي لم أتمكن من منحهما الوقت الكافي.
■ ها هي بيئتك، هموم ذويك لاتزال حاضرة في ما تكتب. ما مرد ذلك؟
□ ـ بقيت على دوام التواصل مع الأهل والأصدقاء، على الرغم من الأعوام الطويلة التي مرت على مغادرتي الوطن. وبقيت العلاقة قوية دون أن يؤثر ذلك على اندماجي مع المجتمع السويدي، لكن العودة الفعلية إلى الكتابة عموماً جاءت مترافقة مع نهضة السوريين في وجه الطاغية التي أتت على شكل مقالات تتحدث عن الواقع المؤلم الذي عاشه السوريون عموماً والكرد خصوصاً على مدى عقود من الحكم الشمولي. ومع كتابة المقال عاد الحنين أيضاً كناتج طبيعي لفن القص الذي انقطعت عنه لا إرادياً. ومن حينها ثابرت على كتابة المقال والقصة القصيرة معاً. والتأثر بالتحولات المأساوية في الوطن واضح في الصنفين معاً وفي مجمل ما كتبت، حتى في الأبحاث والمقالات التي ترجمتها من الإنكليزية أو السويدية وهو التأثير السلبي للنظام الاستبدادي على حياة السوريين ومعاناتهم التي استمرت حتى قيام الثورة، والتي ساهمت بدورها في خلق بيئة ألم جديد، نتيجة صمت المجتمع الدولي والنفاق السياسي حول ما يتعرض له شعبنا من مجازر منذ الأيام الأولى وحتى يومنا هذا، في ظل ارتهان المعارضة السياسية للقوى الإقليمية، وحتى اختطاف الثورة على أيدي الجماعات الدينية المتطرفة ومساهمتها في استمرار الصراع وسد آفاق الخلاص أمام السوريين وإجبارهم على الهرب من الوطن، وما يتبعه من عذابات الهجرة القسرية ومخاطر السفر.
■ ماذا عن انعكاس بيئتك في السويد التي تعيش فيها منذ ثلاثة عقود في قصصك ماذا تحدثنا عن علاقتك بالقصة السويدية والأدب السويدي عامة؟ كيف تقوم القصة السويدية؟ أليس من حق القارئ السويدي أن تكتب إليه بلغته باعتبارك عشت أكثر من نصف عمرك في هذا المكان؟
□ الـتأثر في الكتابة ببيئة السويد يأتي شئنا أم أبينا. فمجرد العيش في بلد تسوده الديمقراطية وحرية الرأي ينعكس بشكل مباشر على رؤيتنا لكل ما نفتقده في بلدان العالم الثالث من تكافؤ للفرص وإمكانية العيش الكريم في دولة تعتبر من أوائل الدول المهتمة بالعلم والأدب والثقافة العامة والسلام. كما هو معروف أن الأكاديمية السويدية ترعى تقديم جائزة نوبل، أكبر جائزة في العالم، لكنها ليست الجائزة السويدية الوحيدة الأكبر. فهناك أيضاً جائزة باسم كاتبة قصص الأطفال الأسطورة أستريد ليندغرين 1907-2002 التي تأتي تخليدأ لذكراها وتعتبر أكبر جائزة عالمية تمنح لكتاب ورسامي أدب الأطفال والشباب، بالإضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية المرموقة الأخرى. والأدب السويدي زاخر بالأسماء الكبيرة التي على الرغم من مضي أكثر من قرن على وفاة بعض منهم لايزال لهم حضور قوي، وعلى رأسهم أوغست سترندبرغ 1889- 1907 الذي عرف عالمياً ككاتب مسرحي. لكنه كتب الرواية ومارس الرسم والتصوير، يلمار سودربري، سلمى لاغرلوف، والشاعرة والروائية كارين بويه والشاعر توماس ترانسترمر الذي توفي منذ أقل من عامين وفي كتابة القصة ستيغ داغرمان، بير لاغركفيست، لارس أهلين وغيرهم.
ثم يأتي كتاب الرواية المعاصرون على سبيل المثال لا الحصر. فالساحة الأدبية السويدية تعج بالأسماء اللامعة: بيراولف انكفيست ويكتب المسرحية والرواية والقصة وحائز العديد من الجوائز الأدبية الكبرى، بير فيستربيرغ كتب العديد من الروايات والأبحاث النقدية الأدبية بدأ مسيرته الأدبية وهو في الخامسة عشرة من عمره، من خلال كتابة مجموعة قصصية بعنوان «صبي فقاعات الصابون»، كريستين إيكمان، ثيودور كاليفاتيديس ذو الأصول اليونانية والقائمة تطول.
على الرغم من إتقاني للغة السويدية كتابة وقراءة، وترجمتي للعديد من المقالات السويدية العلمية والأدبية والسياسية إلى العربية، إلا أنني لم أخض بعد تجربة الكتابة الأدبية، وبالتحديد القصة باللغة السويدية لكن فكرة الكتابة موجودة منذ زمن. بكل تأكيد للقارئ السويدي الحق في قراءة القصة بلغته وهناك اهتمام خاص، إذا كان الكاتب ينتمي إلى ثقافتين أو أكثر كما هو حال معظم المهاجرين. هناك لهفة قوية عند القارئ السويدي للاطلاع على كل ما يجري في العالم وتأتي الأحداث التراجيدية التي يتعرض لها مواطنو الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص ما يجري في سوريا والعراق، وقد ظهر هذا التلهف جلياً حين تمت ترجمة كتاب الأديب نيروز مالك «تحت سماء الحرب» إلى اللغة السويدية وتناولته معظم الصحف الكبرى، بل لا أبالغ إن قلت جميعها وبعض الصحف المحلية باهتمام بالغ وتم نشر نصوص مأخوذة من الكتاب، بالإضافة إلى التعريف بالكاتب ومدينته المنكوبة حلب. كما ذكرت معظم ما كتبت حتى الآن جاء كتوصيف لحالة غياب العدالة الاجتماعية والركود الفكري الذي فرضه نظام الاستبداد على المواطن وابتزازه من خلال فرض نفسه كأمر واقع لابديل له.
■ ما تقويمك للقصة الكردية باللغتين الكردية الأم والعربية؟ وما تقويمك للقصة السورية التي ما زلت تكتب في إطار أسئلتها؟ هل سنقرأ ذات يوم رواية فرمز حسين؟
□ الحقيقة أن اطلاعي على القصة المكتوبة بالكردية قليل جدا لدرجة مخجلة. ولقد حاولت أكثر من مرة أن أتوسع فيها ودائماً يحول ضيق الوقت دون تحقيق ذلك لكن القصة السورية عموماً لا تزال تحتل موقعها بين الصنوف الأدبية ولا يخلو المشهد السوري من كتابه الكرد بالعربية. نيروز مالك يمكن تصنيفه الكاتب الوفي الثاني لفن القصة القصيرة، على الرغم من كتابته لعدة روايات لكنه مستمر في كتابة القصة القصيرة حتى هذا اليوم، ومن حلب كما ذكرت آنفاً، هناك أسماء سورية أخرى لامعة لكتاب القصة كردأ وعرباً. وتبقى الرواية هي أهم الأصناف الأدبية التي تحول اليها معظم كتاب القصة ويبقى الوفي الأول لفن القصة هو الكاتب الكبير ورائد القصة السورية والعربية زكريا تامر. بالنسبة لي في ما يتعلق بكتابة الرواية مستقبلاً فهو أمر وارد جداً، لكن ذلك لا يعني بطبيعة الحال هجر القصة.
■ لقد نشرت قصصك ـ ورقياً- بعد أن تم نشرها في أحد المواقع الإلكترونية الأكثر قراءة ماذا تقول هنا؟ هل ما زلت تستخدم الورقة والقلم في كتابة نصك القصصي؟
□ الحقيقة أن الزمن اختلف فحتى لو تابعنا الكتابة على الورق فلم يعد هناك موقع إعلامي يستقبل الكتابات الورقية وبالبريد التقليدي، بل يجب كتابة النصوص من جديد على الكمبيوتر، سواء كان بغرض حفظها وتجميعها أو بغرض ارسالها عن طريق البريد الإلكتروني للنشر. وهذه العوامل المحيطة تضع حداً للكتابة الورقية وتجعلها بلا شك جزءاً من الماضي شئنا أم أبينا.
■ لماذا القصة القصيرة جداً التي أفسحت لها هامشاً لا بأس به في مجموعتك هذه؟
□ القصة القصيرة مثلها مثل أي فن تعرضت للتحديث لتأتي ملائمة مع الواقع الذي تطور مع بداية التسعينيات والطفرة الإلكترونية السريعة جداً التي أدخلتنا في سباق مع الزمن. فجاءت القصة القصيرة جداً التي تعتبر في حد ذاتها قصة متكاملة في الواقع، حتى لو كانت مكونة من جملة واحدة أو بضع جمل. نحن نقرأ يومياً نصوصاً تتم عنونتها على أنها قصص قصيرة جداً وهي على الأغلب تكون مزيجاً من تداخلات شعرية ونثرية وأقرب منها إلى لوحات قصصية عن كونها قصصا قصيرة جداً بالمعنى الصحيح والمتكامل. القصة القصيرة جداً هي عملية تكثيف للحدث بحيث يحصل القارئ من خلالها على عصارة مركّزة ثم يتولى بنفسه فكّها