فرنسا: الاستثمار في الكراهية

إثنان نزلت عليهما تفجيرات باريس الأخيرة بردا وسلاما: النظام السوري بقيادة بشار الأسد و»الجبهة الوطنية» الفرنسية بزعامة ماري لوبان. كل منهما ممتن للغاية لأبي بكر البغدادي وجماعته الذين قدموا لهما خدمة العمـــر.
الأول شـُــرع في محاولات حثيثة لتبييضه في سياق الحرب ضد الإرهاب، والثانية أتيح لها أن تكون أول من يقطف ثمار الخوف والكراهية في فرنسا. وقد عبر عن ذلك أفضل تعبير كاريكاتور وقفت فيه ماري لوبان، إبنة أبيها جون ماري لوبان الذي تفوقت عليه قبل أن تزيحه بالكامل، وهي تشكر بكل عرفان أحد إرهابيي التفجيرات الأخيرة في أعقاب فوزها غير المسبوق في الانتخابات المحلية في فرنسا حيث ظفر حزبها اليميني المتطرف بثلث المجالس الجهوية منذ الدورة الأولى.
لم تكن تفجيرات باريس وحدها هي من صعـّــد «الجبهة الوطنية» إلى مرتبة لم تكن على بال أحد قبل سنوات، لكنها بالتأكيد هي التي أعطتها الدفعة الكبرى كي تسارع إلى الاستثمار الفوري في أجواء كره الأجانب والمهاجرين والاسلام والمسلمين دفعة واحدة. ففي مقال بصحيفة «لوفيغارو» أمس أشير إلى ما توصل إليه «مرصد الراديكيليات السياسية» من أنه عندما يتجاوز حزب سياسي حاجز الــ 10٪ منذ ثلاثين عاما، ليمر إلى الــ 15٪ ، فالعشرين، فالـــ25٪، لم يعد من الممكن القول إن التصويت لفائدته هو فقط إعراب عن الاحتجاج إذ أنه تحول الآن إلى انخراط في شعاراته وتبن لقيمه وبرنامجه. وعلى رأي ميشيل أبو نجم أحد الصحافيين العرب المراقبين للمشهد الحزبي في فرنسا فإن «المشهد السياسي الحالي تلاشت فيه الثنائية التقليدية التي كانت موجودة في فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي اليسار واليمين، لتحل مكانها ثلاثية جديدة تتمثل في اليسار التقليدي واليمين التقليدي واليمين المتطرف وهذا الأخير ما انفك يغزو الشارع السياسي الفرنسي ويتجذر في مفاصل المشهد الحزبي».
وما يزيد في خطورة ما حصلت عليه الجبهة الوطنية من نتائج غير مسبوقة (6 ملايين فرنسي صوتوا لصالحها) ما جاء في نتائج دراسة أجراها معهد «إيبسوس» بين 28 تشرين الثاني/نوفمبر و2 كانون الاول/ديسمبر وشملت عينة من 8000 شخص حول السلوك الانتخابي ونوايا التصويت حسب الجنس والعمر والشهادات ومجال العمل. هذه الدراسة أظهرت أن «الجبهة الوطنية» ستتحول إلى حزب الأغلبية في صفوف الشباب سواء أولئك الذين كانوا بين 18 و24 عاما أو بين الــ25-34 عاما فنسبة تقدر بــ 35٪ من الأوائل و28٪ من الثانين كانوا يعتزمون التصويت لـلجبهة منذ الدور الأول (اليسار كان أغلبيا في شريحة 18-59 عاما واليمين بين أولئك الذين تجاوزوا الستين).
وفي محاولة لفهم الصدمة التي أحدثتها هذه «النتائج التاريخية»، استطلعت صحيفة «ليبراسيون» آراء خمس شخصيات من عالم السياسة الفرنسية ركز كل واحد منها على ما يراه العبرة الأبرز مما جرى، فقد رأت المحامية كارولين مايكاري أن «الدواعش هم الحلفاء الموضوعيون للجبهة الوطنية فهما يتقاسمان نفس الهدف المتمثل في بث الفرقة بين مكونات المجتمع الفرنسي»، مشيرة إلى أن الجبهة لم يسبق لها أن حكمت وهي تعتمد التبسيط في تقديم الحلول للمشاكل القائمة مع البحث الدائم في كل مرة عن كبش فداء وإعفاء المواطن من أي مسؤولية. ورغم أن بعض المتحدثين مثل الوزير السابق بانوا أباري ركز على البعد الاقتصادي معتبرا أن «المتطرفين هم دائما أبناء الأزمات» على أساس أن ظهور الجبهة تزامن أصلا مع الصدمة النفطية العالمية عام 1974 ثم سياسة التقشف عام 1983 في عهد الرئيس ميتران قبل أن تتفاقم الأوضاع بعد عام 2000 ، إلا أن هناك مع ذلك من بدا مهموما بالمستقبل متسائلا عن أي «حقل ألغام سيتركه هذا التسونامي وما هي القوى السياسية التي ستظل واقفة بعده وفي أي حال؟!» كما قالت مارين توندليي إحدى الفائزات في هذه الدورة الأولى.
وقد يكون من أكثر المقالات عمقا في التحسر على ما أفرزته النتائج هو ما كتبه سيسيل ألدوي الأستاذ الجامعي في الأدب حيث عبر عن أن فرنسا المقبلة «ليست فرنسا التسامح وقيم الحرية والمساواة والأخوة ولكن فرنسا التي تبحث في ثنايا خوفها عن تبرير لهذا التراجع وكره الأجانب والاستبداد»، مشيرا في مقال له بجريدة «لوموند» عن شعوره بالحزن المزدوج «لموتانا وقيمنا» لأن ما جرى في الانتخابات المحلية ما هو إلا «هزيمة للفكر» في فرنسا لأن التفجيرات الأخيرة في باريس «رمت البلاد تحت هيمنة المشاعر والغضب». شكرا «داعش» على هذه الخدمة الجليلة!!

٭ كاتب تونسي

محمد كريشان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية