فرنسا المستهدفة!

لا شك في أن فرنسا صارت مستهدفة أكثر من غيرها في السنوات الأخيرة وقد شهد عام 2015 تصاعداً في العمليات ضدها بشكل كبير، بدأ بالهجمات التي قام بتنفيذها في بداية العام الأخوان «كواتشي» مستهدفين رسامي كاريكاتير تابعين لصحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة، ثم كان الهجوم الثاني في 13 نوفمبر أكثر دموية، وهو يسقط من الضحايا أكثر من مئة قتيل ويستهدف مناطق باريسية متفرقة بحجة التدخل الفرنسي في سورية.
استهداف فرنسا صار حقيقة خاصة مع الحادثة التي تلت هجوم باريس الأخير بأسبوع واحد، وهي حادثة السيطرة على فندق في عاصمة مالي وأخذ قاطنيه رهائن طلباً لإطلاق سراح أسرى ومعتقلين تابعين للحركات الجهادية التي دخلت فرنسا سابقاً في حرب معها. هل يمكن أن تفسّر الحادثة الأخيرة حالة العداء المتصاعد لفرنسا بين الأوساط الجهادية؟ من غير المنطقي هنا القول إن فرنسا لم تُستهدف إلا لكونها رمزاً من رموز الاتحاد الأوروبي وهو ما تشيعه بعض الأوساط الأكاديمية الغربية لتبسيط الأمر وتخفيف الصدمة، فالحقيقة أن باريس لا تمثل الاتحاد الأوروبي بقدر ما تمثله بروكسل، التي لا يبدو، رغم الاحتياطات الأمنية والدعاية المكثفة للتأهب، أنها مستهدفة بشكل جاد.
لقراءة موضوعية يجب أن نقابل الرواية الفرنسية للأحداث مع السياق التاريخي. تقول الرواية على الطريقة الفرنسية إن فرنسا أعلنت بعد الهجوم الأول، الحرب على «الإسلام المتشدّد» الذي يحاول النّيل من قيم الحرية الغربية، كما تشدد الرواية على رفض أغلب مثقفي فرنسا، والعالم بما فيه الإسلامي، الحجر على الصحيفة المسيئة للإسلام ومنعها بالقوة من التجرؤ على المقدسات احتراماً لحرية الرسم والتعبير، وهو ما يعني أن جميع هؤلاء يساندون، بالضرورة، ما ستقوم به من اجراءات على الأرض. كانت هذه الرواية أقرب لرواية الولايات المتحدة إبان أحداث سبتمبر، التي ركزت على أن هدف الإرهابيين كان النّيل من نموذج الحياة الأمريكية. الرئيس الفرنسي أولاند سيتقمص بعد كل هجوم روح الرئيس بوش ليردد، بالتقريب، كلماته التي تعبر عن العزم الأكيد على ملاحقة الإسلاميين المتشددين ودك معاقلهم حول العالم. ساندت الرواية الفرنسية حملة قوية للعلاقات العامة قادها الإعلام الغربي وساهم فيها عرب ومسلمون بوعي أو بغير وعي. المسلمون الذين سيبالغون في جلد أنفسهم وثقافتهم من أجل إظهار التعاطف مع الضحايا الفرنسيين، والتبرؤ من التطرف والتشدد سيفسر موقفهم هذا على أنه تفهم لحق فرنسا في الرد والردع وفي ابتداع قوانين جديدة، قد تبدو متناقضة مع مبدأ إقرار الحقوق والحريات التي تفتخر بها فرنسا.
في الرواية الفرنسية يبرز دور مهم للعالم الإسلامي، حيث أن فرنسا ـ المؤسسة الرسمية- لا يمكنها لوحدها أن تحدد أو تعرّف الإسلام الحقيقي والمزيف، أو أن تفرق بين الاعتقادات الصحيحة والمتشددة. هي غير مؤهلة لذلك ومن الحماقة ادعاؤها امتلاك شرعية فعله، ولأنها تعرف ذلك جيداً فقد وجب منذ البداية التنسيق مع القيادات المهمة في العالمين العربي والإسلامي والاشتراك معها ضد عدو مشترك يتمثل في «المتشددين» و»الإرهابيين». إذا طرحنا هذه الرواية الدعائية جانباً فإنه ستبقى لدينا الرواية التاريخية الواقعية التي تخبرنا أنه، ومثلما لا يمكن التأريخ لبداية التدخلات الأمريكية في المنطقة العربية، بما بعد الحادي عشر من سبتمبر، فإن تاريخ الثامن من يناير 2015، تاريخ الهجوم الأول، لم يكن المرة الأولى التي تعلن فيها فرنسا أنها ستلاحق من تصفهم بـ»المتشددين» في الداخل والخارج. هكذا يكون في اعتبارنا أن القصة بدأت في ذلك التاريخ القريب اجتزاء للقضية لا يساعد على فهم وتحليل ظاهرة استهداف فرنسا.
عام 2015 لم يكن بداية تدخل فرنسا عسكرياً، وفي مساحات لا تهدد أمنها المباشر. لقد بدأ كل شيء قبل ذلك بوقت طويل، قبل حتى أن يصل الإرهاب إلى أوروبا.
أوضح مثال حديثٍ على ذلك، حماسها لإسقاط حكم «القذافي» وهي الحرب التي أطلق عليها اسم «حرب ساركوزي» لفرط حماسه لها وتحركه السريع من أجلها حتى بدون انتظار الاجماع الدولي. ساركوزي عمل وقتها بجد أثار دهشة المراقبين من أجل كسب اعتراف بـ»المجلس الوطني الانتقالي» ومن أجل الترويج لقرار أممي يهدف لحماية المدنيين المحاصرين. لقد بدا الرجل، بانسانيته المفاجئة، أشد حرصاً من الليبيين أنفسهم على إنهاء حقبة القذافي. حينها كان هدف التدخل الفرنسي مختلفاً، فقد كان تدخلاً من أجل العدالة والإنسانية، وهو ما روجت له الرواية والدعاية الفرنسية في ذلك الحين. اليوم نتساءل من جديد: هل كانت تلك مجرد حرب «أخلاقية» هدفها الانحياز للشعب المغلوب على أمره؟ لكن، إذا كان الوضع كذلك فلماذا لم تتعامل القيادة الفرنسية بالحماس ذاته مع الشعب التونسي ثم المصري الثائر؟ وإذا كانت سياسة ساركوزي الخارجية هي سياسة حقوق الانسان، كما سماها الرئيس السابق نفسه، فلماذا تمتعت فرنسا بعلاقة مميزة مع كل الأنظمة الديكتاتورية والقمعية في المنطقة، لحد أنها كانت مستعدة للتدخل من أجل مساندة الرئيس التونسي لولا مسارعته بالتنحي؟ الرواية الواقعية تخبرنا أن فرنسا لم تتورع عن إرسال مقاتليها إلى أفغانستان وليبيا، هذا غير تدخلاتها «الناعمة» في أكثر من مكان حول العالم. أما «مجالها الحيوي» المستند إلى مستعمراتها السابقة، فهو ما يزال بحسب النظرة الفرنسية منطقة نفوذ وسيطرة لا تتأخر في العودة إليها متى شعرت بالتهديد.
لا تنس أن فرنسا لم تستأذن أحداً قبل أن تشرع في «إعادة الأمور إلى نصابها» في مالي وساحل العاج، أو حين اعتبرت في الأول من نوفمبر 2014 أن ما يحدث في بوركينا فاسو هو انقلاب عسكري، لأن الشخص الذي استولى على مقاليد الحكم الذي شغر بعد تنحي الرئيس، إثر موجة غضب جماهيرية ليس هو الرجل الذي يجب أن يكلف بذلك حسب الدستور البوركيني. ومن أقدر من فرنسا على فهم الدستور البوركيني!
السياسة الخارجية الفرنسية اعتمدت في تحركاتها، التي بدأت كما قلنا قبل هــــذه الهجمـــات بوقت طويل، على حق حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وهو حق تتفق الدول الكبرى على مشروعيته، لكن مشكلته تكمن في أنه فضفاض أكثر مما يجب، ويسمح بالتدخل بلا حدود، وفي أي مكان بحجة الحماية من التهديدات.
بالنسبة لما يسمى بـ»المجموعات المتشددة» فقد تبنت فرنسا معها نظرية «الدومينو» التي تتلخص في أنه، ومثلما أصابت حركة الربيع العربي، تونس ثم انتقلت عدواها إلى مصر وليبيا وغيرها، لارتباط تلك البلدان العضوي ببعضها، كذلك فإن استقرار أي مجموعة إسلامية «متشددة» في أي بلد على حدود نفوذها الأفريقي سيخلق هاجساً كبيراً باحتمال انتقاله إلى بلاد أخرى في الساحل أو القلب الأفريقي الهش والمترابط هو الآخر ثقافياً وجغرافياً مما سيهدد بشكل لاحق المصالح الغربية والفرنسية على وجه الخصوص. تلك النظرية التي بدت مقنعة لحلفاء فرنسا الغربيين، منحت التحركات الفرنسية في أفريقيا شرعية أكبر جعلت المجتمع الدولي يتعاطف مع ضرباتها العسكرية، بغض النظر عما ستسفر عنه من ضحايا مدنيين، وهو ما سيمنحها حرية أكبر في سعيها لاقتلاع الجماعات الإسلامية في وسط أفريقيا وما ستسميه «بيئاتها الحاضنة» وهو التعبير الذي سيكون، رغم غموضه، مستخدماً بوفرة ورائجاً.
سيتكرر المشهد ذاته بعد الهجمات الأخيرة حيث ترد فرنسا، مرة أخرى على طريقة الكاوبوي الأمريكي الذي يعود لينتقم بحماقة، بقصف مدينة الرقة السورية التي توصف بأنها عاصمة «داعش» بقوة وبغير اكتراث بالمدنيين هناك، الذين هم، مثل مدنيي باريس تماماً، لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذا الصراع. روسيا التي بررت هجماتها العشوائية على الأرض السورية بحجة الانتقام لفرنسا توسعت أيضاً في تلك الهجمات بعد إسقاط طائرتها المقاتلة من قبل تركيا. ما العلاقة بين المدنيين السوريين وإسقاط الطائرة الروسية؟ ربما تكون العلاقة الوحيدة هي أنهم فرحوا لذلك السقوط الذي وفر عليهم الكثير من الأرواح، وهو سبب كاف بنظر الروس للانتقام، حيث يجب لحفظ ماء الوجه أن يتم الانتقام من شخص ما.
الأسرة الدولية ستغض الطرف عن ضحايا كل تلك الضربات وستتناثر هنا وهناك تقارير متواضعة لن يأبه لها أحد، حيث أن الاتفاق الضمني بين دول العالم، وهو ما لن تلبث أن تقره الأمم المتحدة نفسها، يقضي بإطلاق يد كل من يسعى لمحاصرة «الإرهاب» عابر الحدود قبل أن يتمدد أكثر (حتى إن كان النظام السوري نفسه!).
الخلاصة هي أن مدنيين بلا ذنب سيسقطون في المشرق العربي ضمن معركة غير متكافئة لا تكفل لهم حق حماية أنفسهم أو حق الرد الشريف، وهو ما سيجعلهم، وهم الذين لا يستطيعون المواجهة في إطار الحرب التقليدية، يعودون بدورهم للانتقام بطريقة ستسقط، بالضرورة، ضحايا على الضفة الأخرى لاذنب لهم سوى وجودهم على تلك الضفة.
كلما زادت الإجراءات الأوروبية عشوائية زاد الإرهاب والفوضى.

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية