انتهت المسيرة المليونية في باريس وفي مدن فرنسية كثيرة، بشكل ناجح من الناحيتين:
أولا: الأمنية، إذ لم تُسجل أية حوادث خطيرة، وكانت تمرينا حقيقيا للأجهزة الأمنية بعد العملية التي أودت بجزء كبير من طاقم شارلي إيبدو، في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع.
ثانيا: من ناحية الدرس الضروري، لقد وصل الخطاب بشكل جيد، الذي أرادت الحكومة الفرنسية أن توصله للشعب للحفاظ على وحدته وعدم الالتجاء إلى التصفيات والانتقامات من جزء من الشعب الفرنسي، لأن دوامة الانتقام الجهنمية، ستؤدي حتما إلى الدخول في دائرة لا يمكن تصور نتائجها الوخيمة. هذه السياسة مهمة لأنها تحافظ على الاستقرار واستمرار الدولة.
المشاركة العالمية أعطت المسيرة خاصية عالية وتمايزا كبيرا من حيث الدلالة الرمزية، أي أن ما حدث، لا يمس فرنسا وحدها لكنه يمس العالم قاطبة، أوروبا وأمريكا تحديدا.
فهما الأكثر التزاما وحضورا في هذه المسيرة، بينما غاب العنصر العربي والإسلامي، أو كان تمثيله محدودا. الأسباب معروفة ومتعلقة في أغلبها بالرسومات المسيئة. الأهم من هذا كله، بعد نجاح المسيرة المبهر يسبقنا السؤال العالق والمخيف، الذي يتهرب منه الكثيرون: كيف سيكون الغد؟ أي ما بعد المسيرة؟ ما هي الرهانات المستقبلية؟ هناك احتمالان لا أكثر، على الأقل من حيث الجوهر. إما السير في طريق الإخاء الذي نتج عن المسيرة وعبرت هي عنه بقوة، على الرغم من الصعوبات، لكن بناء مجتمع عادل يقتضي الاهتمام بهذه الصعوبات والعمل على تجاوزها. أي إعادة النظر في السياسات السابقة تجاه الفرنسيين من ذوي الأصول العربية والمسلمة، والعنصرية البائسة، وفي هذه الحالة يحتاج الأمر إلى إعادة نظر ثقافية وفكرية وحياتية في ظل قوانين الجمهورية والمواطنة. أي أن يشعر العربي والمسلم، بشكل عام، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات، وليس مواطنا من الدرجة الثانية. له الحق في الحياة الكريمة والحماية وحق العمل، مثله مثل الفسيفساء القومية والثقافية التي يتكون منها المجتمع الفرنسي، وربما هي ما يضمن غناه الكبير. وهذا يقتضي أيضا جهدا كبيرا من الدولة. الذين قاموا بالعمليات الإجرامية هم فرنسيون وكبروا في هذا المجتمع، أي أن هذه الوحوش هي جزء من إخفاقات الحداثة ببعض ضوابطها التي تحتاج اليوم إلى إعادة نظر. وهم خريجو سجونها أيضا، إذ تحولت هذه الأخيرة إلى خلية سرية للتجنيد. بدل أن تكون مؤسسة إعادة تأهيل أصبحت مكانا للتخطيط للعمليات الإرهابية داخل السجون وخارجها. الكثير من الأشخاص دخلوا هذه السجون كنصابين، وسارقين صغار، وقطاع طرق، ومعتدين على الممتلكات والأشخاص، أو حتى مهربي ومستهلكي مخدرات، وخرجوا منها بحقد شديد، مجندين ضد مجتمعهم وثقافته. السؤال الأخطر، هل لفرنسا اليوم القوة لاستدراك سلبيات التحول المجتمعي، في ظل التحديات العالمية والأوروبية الكبيرة، وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة؟ ليس مؤكدا في ظل هيمنة الحلول الأنجلوسكسونية، والأمريكية تحديدا. باتريوت آكت، التي كانت الصيغة الجديدة للمكارثية. فهي أو شكل مقارب لها، ما سيوضع على طاولة الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي، أي الحلول الأمنية الضيقة الرؤية على الرغم من أهميتها. الحلول الأمنية إذا لم تكن مرفقة بعدالة حقيقة تنطبق على الجميع في الوطن الواحد، وليس على العربي والمسلم وحدهما، ستزيد من الهوة والشقة والعنف. أخشى من حصول مكارثية جديدة لن يكون الشيوعي ضحيتها كما في أمريكا لكن العربي، وبشكل أوسع المسلم، وبشكل أكثر اتساعا المهاجر. تغيير قوانين الدول المنتسبة لشينغن لن تحل الإشكال أبدا، بل هي ليست المشكلات الأكبر، إذ أن القانون لا يمنع أية دولة في أوروبا من أن تراقب أرضها، وأن تتحاور مع الدول الأخرى، وقد أعطت التنسيقات الأمنية نتائج إيجابية، بإحباط شبكات كبيرة لتهريب البشر والمخدرات والأسلحة، وبإلقاء القبض على الكثير ممن كانوا يحضرون لعمليات إجرامية. التشديد على الفيزات وتحرك الأشخاص، وربما تغيير قوانين الجنسية وغيرها تلوح في أفق الحلول الأمنية، وهي كلها خيارات تصب بالضبط في مساحات اليمين المتطرف. مع أن المسألة الأمنية لا تهم فقط أوروبا وأمريكا، ولكنها تهم العالم العربي بالدرجة الأولى ما دام هو المورّد للإرهاب. فهو على الأقل اليوم، ميدانا للحروب التي تولدت عنها الحركات الإرهابية التي ينتمي لها المنفذون للعمليات الإرهابية كالقاعدة و«الدولة الاسلامية». من هنا يبدو جليا، أنه إذا كانت أوروبا بالخصوص، تريد حلا لمشكلاتها الداخلية أن تطرح على نفسها السؤال العميق بتغيير سياساتها المتبعة حتى الآن، ليس فقط تجاه مواطنيها، ولكن أيضا ضد الحركات الإرهابية، التي كانت هي على الأقل جزئيا، من وراء خلقها. من خلق القاعدة؟ من درّب أعضاءها؟ من أغدق عليهم بالأسلحة، ومنحهم فرصا للارتكاب جريمة القرن، 11 سبتمبر؟ من دمر العراق، ليس النظام، ولكن بنية الدولة التي ترتب عنها فراغ كبير سمح لحركات الموت بالنشوء مثل داعش وغيرها؟ من دمر الكيان الليبي الهش أصلا ومن رمى آلاف القطع من الأسلحة بلا رقيب لا أوروبي ولا أمريكي ولا دولي؟ من وضع الأنظمة الهالكة لشعوبها على سدة الحكم؟ نعرف الإجابات جيدا. منذ أكثر من قرن وأوربا تعيد إنتاج التصورات نفسها من موقع القوة. لهذا فالمعضلة ليست هينة، كبيرة جدا وتتطلب عودة فرنسا الديغولية، أي فرنسا التي تقرر، وليست تلك التي تتّبع النموذج الأمريكي أو الأنجلوساكسوني. فرنسا لم تعد على ما كانت عليه. الأزمات المتكررة أنهكتها، وبعض رؤسائها جروها على مدار السنوات الماضية إلى أن تكون الطفل الذي يستمع للمعلم الأكبر، بينما كانت نموذجيتها التاريخية، الإنسانية والسياسية مصدر إلهام: الثورة الفرنسية، حقوق الإنسان، النموذجية الثقافية وغيرها. تدخل نتنياهو، في الشأن الفرنسي، بشكل سافر يؤكد على هذا الضعف. كيف يحقّ لقاتل الآلاف من الفلسطينيين، والمرشح لأن يحاكم دوليا إن آجلا أو عاجلا، أن يطلب من يهود فرنسا المغادرة إلى بيتهم إسرائيل، وكأنهم رعايا فرنسيون وليسوا فرنسيين. أمر شديد الخطورة لأنه دعوة سافرة للتفكيك الداخلي. موضوع يستحق أن نعود له لاحقا.
لهذا فالحلول الأمنية ستعيد إنتاج الرعب نفسه الداخلي وهو السرير الوثير والمجاني لليمين المتطرف. يحتاج الأمر إلى حل جذري والعودة إلى مصدر الشرور، الوحش الأكبر، الذي تولدت عنه الحركات الإرهابية الأكثر خطرا، لا على الوطن العربي وحده، ولكن على العالم كله. لأن النار التي تحرق البلاد العربية ستمس حتما الدول الأخرى التي تبدو بعيدة، وهي ليست كذلك، في ظل عولمة متوحشة، وحداثة مستعصية لأنها انتقائية، ما هو جيد لي لا يليق بك أنت؟ هذا الوحش الأكبر هي الحروب المشتعلة في الأرض العربية والأفريقية، فـــــي سوريا وليبيا واليـــمن والعراق، والسودان، ومالي ونيجيريا، وغيرها، وغدا قد تلحق بها الأراضي الآسيوية في ظل الانهيارات الدولية المتلاحقة، وبشـــكل سريع والبحث عن حلول حقيقية وتضامن فعلي. من غير ذلك، مرحبا بالمكارثية الجديدة.
واسيني الأعرج