فرنسا: بين أزمة اللاجئين والتهديدات الإرهابية والمعارك الانتخابية

حجم الخط
0

باريس ـ «الأسبوع العربي»: تتأهب فرنسا لدخول عام 2017 وهي مقبلة على استحقاقات انتخابية مهمة قد تغير مسار البلاد. وكان العام 2016 عام تحديات جمة ومفاجآت كبيرة.وعاشت البلاد على وقع التهديد الإرهابي الذي ضربها مرة أخرى في عقر دارها وأوقع عشرات القتلى، رغم تشديد الاجراءات الأمنية. وواجهت الحكومة الاشتراكية ملفات اجتماعية شائكة كموجة اللاجئين والمهاجرين، ونجحت في تفكيك مخيم كاليه. كما شهدت مختلف المدن مظاهرات عارمة استمرت نحو أربعة أشهر تنديدا بقانون العمل الجديد. سياسيا شهدت فرنسا صعودا لافتا لليمين المتطرف الذي من المرجح أن يحقق مفاجأة كبيرة في الانتخابات الرئايسية المقبلة. كما نظم اليمين المحافظ الشهر الماضي انتخابات تمهيدية لأول مرة، انتهت بمفاجأة لم يتوقعها أحد، بفوز فرانسوا فيون وهزيمة نكراء لنيكولا ساركوزي منذ الدور الأول. أما الحزب الحاكم فقد عرف أزمات متتالية وتشرذما في صفوفه انتهت بمفاجأة مدوية أخرى، بإعلان رئيس البلاد فرانسوا أولاند عدم الترشح لولاية ثانية بعدما وصلت شعبيته إلى الحضيض. وعرفت الحكومة الحالية تعديلا وزاريا بداية كانون الأول/ديسمبر الجاري بعدما استقال مانويل فالس من رئاسة الحكومة للترشح للانتخابات الرئاسية.
واجهت فرنسا مثلها مثل باقي الدول الأوروبية ملف أزمة اللاجئين الذين تدفقوا صيف 2015 بعشرات الآلاف هربا من الحرب في سوريا والعراق. وعرف الاتحاد الأوروبي أزمة كبيرة حول سياسة استقبال اللاجئين بين دول رافضة وأخرى مؤيدة. وكانت فرنسا على لسان رئيس الحكومة مانويل فالس الذي أكد بداية العام الجاري أن بلاده لن تقبل مزيدا من المهاجرين واللاجئين. وفي شباط/فبراير الماضي وقعت الدول الـ 28 على اتفاقية تقضي بتقاسم أعباء اللاجئين بالتساوي بين مختلف الدول، وقبلت فرنسا بدورها باستقبال 30 ألف لاجئ. كما عملت الحكومة الفرنسية على تحسين الأوضاع المعيشية لآلاف اللاجئين الذين يتواجدون على أراضيها. وأقدمت على تفكيك مخيم كاليه شمال البلاد الذي كان يؤوي نحو 7 بينهم آلاف لاجئ بينهم 1500 قاصر كانوا يعيشون ظروفا إنسانية صعبة جدا. وتم توزيعهم على 450 مركز إيواء في كل المناطق الفرنسية، الأمر الذي أثار حفيظة اليمين المحافظ واليمين المتطرف اللذين استهجنا العملية. كما شهدت مختلف المدن مظاهرات رافضة لتوزيع اللاجئين. كما تم الاعتداء على عدد من اللاجئين إضافة إلى ارتكاب أعمال إجرامية عبر إضرام النار في عدد من مراكز الايواء، والتي تسببت في وفاة لاجئ واحد على الأقل. ومن المقرر أن يأخذ ملف الهجرة حيزا كبيرا في البرامج الانتخابية لمختلف المرشحين خلال الأيام المقبلة، خصوصا اليمين واليمن المتطرف الرافضين لسياسة إيواء واستقبال اللاجئين.
اندلعت هذا العام احتجاجات ومظاهرات غير مسبوقة للعمال والموظفين، الرافضين لإصلاح قانون العمل الذي اقترحته الحكومة. واستمرت المظاهرات نحو أربعة أشهر، حيث تخللتها صدامات عنيفة بين قوات الأمن والمحتجين إضافة إلى اعتقال عشرات المتظاهرين. كما عرفت البلاد شللا شبه تام في عدد من مرافقها الحيوية مثل قطاع النقل، ودخول البلاد في أزمة وقود بسب إضراب عمال مصافي تكرير النفط إضافة إلى إضراب المؤسسات الحكومية مثل المدارس والجامعات والمستشفيات.
ورغم الغضب الشعبي لم تتراجع الحكومة عن مشروع قانون العمل وقامت بتمريره في الخامس من يوليو /تموز الماضي، من دون التصويت عليه في مجلس النواب. ونجت الحكومة في حجب الثقة من طرف المعارضة وعدد من النواب الاشتراكيين الرافضين للقانون المثير للجدل.
وتنص تعديلات قانون العمل الجديد على زيادة عدد الحد الأقصى لساعات العمل في اليوم من 10 إلى 12 ساعة.
نظم اليمين الفرنسي الشهر الفائت انتخابات تمهيدية لأول مرة من أجل خوض سباق الانتخابات الرئاسية المقررة في نيسان/أبريل المقبل. وعرفت الحملة الانتخابية سباقا محموما وعودة نيكولا ساركوزي للحياة السياسية بعد فشلة في 2012 في الفوز بولاية ثانية. لكن المفاجأة كانت كبيرة وصادمة، بعد فوز فرانسوا فيون، بالرغم من عشرات استطلاعات الرأي االتي أعطت تقدما كبيرا لألان جوبيه ونيكولا ساركوزي على حساب باقي المرشحين. وفيون من أبرز المرشحين للفوز بالانتخابات الرئاسية في آخر استطلاعات الرأي متقدما على كل من زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن ورئيس الحكومة السابق الاشتراكي مانويل فالس. ويعتبر فيون ليبراليا مؤيدا للحلول الصادمة من أجل تقليص دور الدولة في الاقتصاد، ويتبنى برنامجا اجتماعيا محافظا، كما يدعو إلى تطبيع العلاقات مع النظام السوري وإلى التحالف مع روسيا وإيران لدحر تنظيم «الدولة». أما حزب اليسار فيستعد بدوره لإجراء الانتخابات التمهيدية بسبعة مرشحين أبرزهم مانوي فالس ما بين 22 و29 كانون الثاني/يناير المقبل. ولا يزال الحزب الاشتراكي يعرف انقساما حادا في صفوفه بسبب وجود تيارين متضادين، وهما التيار الإشتراكي التقليدي والتيار الإصلاحي. يذكر أن إعلان الرئيس الفرنسي في 1 كانون الأول الجاري عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية كانت مفاجأة كبرى وصفت بـ «الزلزال السياسي». وبرر أولاند عدم ترشحه للحفاظ على وحدة ولحمة اليسار وعدم إعطاء الفرصة لليمين واليمين المتطرف بالتأهل للجولة الثانية للانتخابات المقبلة.
وتشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن الحرب المستعرة بين مختلف مكونات اليسار، بدءا بالحزب الاشتراكي، ثم الانقسام في صفوف كل من الحزب الشيوعي، والراديكالي، والخضر، ستساهم في شرذمته وعدم تأهله للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وكان مانويل فالس رئيس الحكومة السابق والمرشح للانتخابات الرئاسية حذر من إمكانية فوز اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبن بالانتخابات الرئاسية، واصفا هذا السيناريو بأنه سيكون «كارثة» وسيكون له «تداعيات خطيرة» على مستقبل فرنسا.
يشار إلى اليمين المتطرف الفرنسي شهد خلال العام 2016 صعودا لافتا في استطلاعات الرأي، التي اعتبرت أن حظوظه باتت قوية جدا في تأهله للدور الثاني للانتخابات الرئاسية. ويعتمد حزب الجبهة الوطنية على خطاب مناهض للهجرة والمهاجرين، إضافة إلى رفضه للوجود الإسلامي في فرنسا. وكانت آخر خرجات مارين لوبان بداية الشهر الجاري، اقتراحها منع أبناء المهاجرين غير الشرعيين من التعليم مجانا.
عرفت فرنسا هذا العام أحداثا دامية، بعضها كان مروعا، رغم كل الإجراءات الأمنية المشددة التي تم اتخاذها ردا على العمليات الإرهابية السنة الماضية التي حصدت أرواح عشرات الأشخاص.
ومنذ بداية العام 2016 قامت فرنسا بإجهاض عدد من المخططات الإرهابية، لكن رغم ذلك نجح مسلح تابع لتنظيم»الدولة» في 13 حزيران/يونيو الماضي بتنفيذ عملية قتل ضابط فرنسي وزوجته طعنا بالسلاح الأبيض أمام منزليهما في مدينة مانيونفيل في الضاحية الباريسية.
وفي 14 تموز/يوليو الذي يتزامن مع الاحتفالات بالعيد الوطني لفرنسا، أقدم مسلح بايع تنظيم «الدولة» على قتل 84 شخصا وجرح أكثر من 150 شخصا في عملية دعس بشاحنة استهدفت حشدا من المحتفلين في مدينة نيس جنوبي البلاد. وبعد أيام من العملية المروعة قام مسلحان في 26 تموز/يوليو بعملية احتجاز رهائن في كنيسة في مدينة روان شمالي البلاد، أدت إلى ذبح قس مسن يبلغ من العمر 84 عاما.
وافق النواب الفرنسيون بداية الشهر الجاري على تمديد حالة الطوارئ، حتى الخامس عشر من تموز/يوليو/المقبل. وتعتبر هذه ثالث مرة في 2016 يتم فيها تمديد حالة الطوارئ في فرنسا بسبب التهديد الإرهابي «المرتفع جدا». وتم وضع نحو 20 ألف شخص في خانة «خطر» كما تم إغلاق 4 مساجد خلال الشهرين الماضيين، وتم حل عدة جمعيات إسلامية، بتهمة نشر الفكر المتطرف إضافة إلى ترحيل ما لا يقل عن 20 إماما وخطيبا لبلدانهم الأصلية منذ بداية العام الجاري بتهمة تبني خطاب أصولي معادي للقيم الفرنسية، بعضهم اتهم بتحريض الشباب على الذهاب للقتال في سوريا.
وتعرض أكثر من 3 آلاف منزل للتفتيش والمداهمة كما تم اعتقال نحو 1500 شخص بتهمة التطرف. كما عانى مئات المواطنين من تقييد حرياتهم الشخصية، وتم وضعهم قيد الإقامة الجبرية. وانتقدت عدة منظمات وجمعيات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان تمديد حالة الطوارئ، قائلة إنها غير مبررة وتنتهك حقوق الإنسان.

شخصيات

ليلى السليماني: فازت الكاتبة الفرنسية من أصول مغربية في 16 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بجائزة أدبية»الغونكور» في فرنسا، عن روايتها «أغنية هادئة».
إيمانويل ماكرون: بزغ نجم إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد السابق بشكل لافت على الساحة السياسية بعدما أسس حركته «ماضون» بداية العام الجاري، وانضم إليها عدد كبير من السياسيين الذين رأوا فيه أحد القيادات الشابة التي يمكن التعويل عليها مستقبلا. يذكر أن ماكرون قام بإجراءات وإصلاحات اقتصادية اعتمدتها حكومة موانويل فالس، واعتبرت من بين أهم إنجازات ولاية أولاند. وبسبب مواقفه وقوة شخصيته اضطر لتقديم استقالته في 30 اب/أغسطس الماضي رغم محاولات الرئيس الفرنسي إقناعه بالعدول عن قراره. وفي 16 تشرين الثاني/نوفمبر أعلن السياسي الشاب ترشحه للانتخابات الرئاسية.
توماس بيسكيه: انطلقت مركبة الفضاء المأهولة «سويوز إم إس 03» في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على متن صاروخ من طراز «سويوز إف جي» في رحلة إلى محطة الفضاء الدولية لمدة 6 أشهر. وكان على متن المركبة ثلاثة رواد فضاء بينهم الفرنسي توماس بيسكيه من أجل مهمة أطلق عليها اسم «بروكسيما» لإجراء تجارب علمية وأبحاث أكاديمية.
أنطوان غريزمان: بات الفرنسي أنطوان غريزمان أحد كبار اللاعبين على مستوى العالم، وحصل على المرتبة الثالثة قبل أسبوعين في مسابقة الكرة الذهبية التي فاز بها البرتغالي كرستيانو رونالدو. واختار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مهاجم منتخب فرنسا كأفضل لاعب لعام 2016 بعد تقيدمه عرضا ممتازا في بطولة كأس أمم أوروبا التي نظمت في تموز/يوليو الماضي في فرنسا.

فرنسا: بين أزمة اللاجئين والتهديدات الإرهابية والمعارك الانتخابية

هشام حصحاص

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية