جرت العادة في نهاية كل عام، أن تعمد المراكز الإخبارية الفرنسية على صياغة استطلاع يهدف إلى معرفة رأي الفرنسيين في أهم الأحداث التي تمس حياتهم ومستقبل بلدهم.
لم يكن 2017 مشابها للأعوام التي سبقته بالنسبة للفرنسيين، من حيث طبيعة الوضع الأمني الداخلي، الذي طغت عليه عمليات الإرهاب، التي ضربت المدن الفرنسية، ومن حيث التطورات والأحداث التي قلبت معادلة المشهد السياسي الفرنسي رأساً على عقب، لُتغير بالتالي طبيعة التشكيلة السياسية للمؤسسة الرسمية الحاكمة، ولتُعلن نهاية هيمنة الأحزاب اليمنية واليسارية الرئيسية على الواجهة الرسمية التي تداولت وتقاسمت السلطة منذ بداية ولادة الجمهورية الخامسة التي يعود تأسيسها إلى الجنرال شارل ديغول في 1958.
وفي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة تلفزيون «بي إف إم» عن أهم الأحداث التي وقعت في العام، اختارت الأغلبية، ظاهرة الإرهاب الذي ضرب وما زال يضرب المدن الفرنسية. كما تم اختيار موضوع الانتخابات الرئاسية وتربع الرئيس إيمانويل ماكرون على عرش الرئاسة في المركز الثاني، تليه مناسبة وفاة أيقونة الغناء الفرنسي جوني هاليداي في المركز الثالث والأخير.
عام الخوف
لا شك ان ظاهرة الإرهاب التي ضربت فرنسا منذ عام 2015 كالهجمات التي وقعت على صحيفة «تشارلي ايبدو» ومسرح «الباتيكلان» ومن ثم جريمة دعس المحتفلين بالعيد الوطني الفرنسي في مدينة نيس والتداعيات الخطيرة التي خلقتها هذه الأعمال، جعلت من ظاهرة الإرهاب، المصدر الأول لقلق الفرنسيين في عام 2017. فللمرة الأولى ومنذ أكثر من 10 سنوات، لم تعد مشكلة البطالة المزمنة، الشاغل الرئيسي للفرنسيين في استطلاعات الرأي، وفقا لدراسة نشرها أخيرا المرصد الوطني للمعلومات الاجتماعية.
وعلى الرغم من استمرار الأعمال الإرهابية في 2017 إلا انها كانت بحصيلة أقل من الضحايا من تلك التي تعرضت لها المدن الفرنسية في عامي 2015 و2016. وقد عزز هذا التغير في درجة التهديد، إلغاء نظام الطوارئ بعد أن تم تمديده 6 مرات منذ لحظة إعلانه في عام 2015. كما ان هذه الأعمال الخطيرة التي أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته وضلوعه في تنفيذها، أذكت في فرنسا نقاشا حول سبل تعاطي المؤسسات الأمنية والقضائية مع الضالعين في الإرهاب من الفرنسيين والعزم على نزع الجنسية الفرنسية من المتورطين من الأصول العربية. ومن ثم التحرك بشكل دؤوب على الصعيد الدولي لتكثيف الحرب على التنظيم المتطرف في العراق وسوريا.
وهنا لابد من الإشارة إلى ان صدى الهجمات الإرهابية أدى إلى انتشار ظاهرة مناهضة للإسلام والمسلمين. حيث أصدر مرصد مناهضة «الإسلاموفوبيا» في فرنسا تقريرا أكد ان العداء تجاه المسلمين زاد بوتيرة ملحوظة، في ظل وجود خلط بين الدين الإسلامي والإيديولوجيات الإرهابية، وتنامي الدور العدائي لبعض قنوات الإعلام الفرنسي المرتبطة بالأحزاب المتطرفة، الهادفة إلى نشر الخوف من التواجد الإسلامي، على الرغم من ردود الفعل الرسمية والشعبية المعاكسة، التي تحذر وتطالب بضرورة عدم ربط الإرهاب بمسلمي فرنسا والدين الإسلامي الحنيف بصورة عامة.
الرئيس الشاب
2017 كان عاما سعيدا لمرشح الرئاسة الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولم تقف حدود تأثيره على انهيار المرشح الأول للفوز في الرئاسة فرانسوا فيون بل استمر ليشمل ويجرف الحزب الاشتراكي اليساري وحزب الجمهوريين اليميني وهما القوتان المسيطرتان على المشهد السياسي في فرنسا منذ 1958.
ونتيجة لإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وفوز ماكرون بعد عام واحد من تاريخ تأسيس تياره السياسي المسمى «لنتحرك» تم إنزال الستار على حقبة زمنية طويلة امتدت لأكثر من خمسين عاما، في تقاسم الأحزاب اليمينية واليسارية المهمة للسلطة في فرنسا.
وفي أيار/مايو الماضي تم انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسا للجمهورية بعد مواجهة مارين لوبين زعيمة الجبهة الوطنية، ليكون الشخصية الفرنسية الفائزة في واحدة من أكثر الحملات الانتخابية جدلاً في الجمهورية الخامسة. وبالرغم من ان فوز ماكرون في الانتخابات لم يكن في حسبان الشارع الفرنسي ولا حتى الأحزاب السياسية، بيد ان حيوية واندفاع هذا الرئيس الشاب، ألقت بظلالها سريعاً على المشهد السياسي الفرنسي بل وتعدته إلى المشهد الدولي المرتبط بسياسة فرنسا الأوروبية والشرق أوسطية.
انتهازية أم استراتيجية بُعد نظر؟
على الصعيد الدولي، تكمن الاستراتيجية الذكية لإيمانويل ماكرون على مبدأ اغتنام الفرص، لإعادة فرنسا إلى قلب الساحة الدولية، نتيجة للصعوبات التي واجهت الحلفاء الثلاثة لإنعدام مصداقيتهم في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية. فبعد تقلص قدرة الولايات المتحدة التدخل في شؤون القارة العجوز والعالم، والمشاكل الداخلية التي تواجه ألمانيا التي يعتبرها الفرنسيون المنافس الأوروبي الأول بعد عجز المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التوفيق في صياغة تحالف سياسي للحكم، والتعقيدات التي صدمت بريطانيا جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي.
على الصعيد الشرق الأوسط، يطمح الرئيس الفرنسي لاستعادة الدور المحوري لفرنسا في المنطقة، من خلال إثبات قدرته على معالجة أزماتها، نتيجة للتداعيات الخطيرة التي خلفها قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، عبر التلويح بقابلية اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية من خلال لقائه نظيره الفلسطيني محمود عباس في باريس، وتعهده الوساطة بين العراقيين العرب والكرد ببراغماتية وواقعية، والوساطة بين واشنطن وطهران في الملف النووي.
راحلون:
●غيب الموت سيمون فاي، إحدى أبرز الشخصيات السياسية والاجتماعية الفرنسية بعد أن تمكنت من دخول قلوب الفرنسيين بفضل دفاعها بشجاعة عن حقوق المرأة في العام 1975 أمام نواب البرلمان الفرنسي.
كما غيب الموت الكاتب والفيلسوف الفرنسي، جان دورميسون عميد «الأكاديمية الفرنسية» الذي يعتبر أحد أبرز الكتّاب الفرنسيين المعاصرين، وأغزرهم إنتاجا.
وبكت فرنسا نجم «الروك أند رول» جوني هاليداي وهو الفنان الفرانكفوني الأكثر شعبية بين أبناء جيله، وأول من تقلد وسام «فيلق الشرف» في فرنسا، على يد الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، وهي المرة الأولى التي يمنح فيها فنان مثل ذلك التقدير الرفيع في فرنسا.
أمير المفرجي