فرنسا تحاصر المظاهرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة وتغض الطرف عن أعمال تخريبية لمنظمات يهودية

حجم الخط
4

باريس-«القدس العربي»: لم تشفع المواقف الفرنسية اللاحقة في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة في محو آثار صدمة الجالية المسلمة وكثير من الفرنسيين في الرئيس فرانسوا اولاند حين أصدر بيانا في اليوم الأول من العدوان يبارك فيه الجرائم الإسرائيلية من خلال اطلاق يد نتنياهو في ارتكاب المزيد منها.
وجاء في بيان غير مسبوق لقصر الإليزيه أشعل موجة غضب عارمة ضد الرئيس الاشتراكي أن اولاند أدان «بشدة» إطلاق حركة حماس للصواريخ من قطاع غزة على اسرائيل وعبّر عن «تضامن» فرنسا معها خلال مكالمة هاتفية اجراها مع رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أعرب له الرئيس الفرنسي عن «تضامن فرنسا مع اسرائيل في مواجهة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة».
وزاد من الغضب الشعبي ضد الموقف الرسمي الفرنسي مسارعة الحكومة الفرنسية إلى منع الكثير من المظاهرات والمسيرات السلمية المنددة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ووصف رئيس حكومتها مانويل فالس المتظاهرين المتضامنين مع غزة بالمعادين للسامية.
وتواصلت أعمال القمع الفرنسي للمظاهرات المؤيدة لغزة بعدما منح القضاء ضوءا أخضرا للرئيس فرانسوا اولاند وحكومته لمنع كل المظاهرات والمسيرات المنددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة، حين رفض بشكل رسمي دعوى مستعجلة تقدمت بها منظمات مدافعة عن حقوق الفلسطينيين للطعن في قرار الحكومة منع مظاهرة مساندة للفلسطينيين السبت الماضي في باريس بشكل رسمي.
وعللت المحكمة الإدارية في باريس قرارها بالقول إن «من حق الحكومة عدم منح تراخيص لمظاهرات ومنعها في حال وجود توتر في البلاد قد يلحق اضرارا بالممتلكات والأمن العام».
وواصلت الشرطة الفرنسية عملية ملاحقة المتظاهرين الذين يتجدون قرارات المنع ويخرجون إلى الشوارع رافعين العلم الفلسطيني، حيث جرت عمليات مطاردات استخدمت من خلالها القوة والغاز المسيل للدموع لتفريق المظاهرات الغاضبة رافقتها حملة اعتقالات موسعة.
وأصدرت محكمة فرنسية أحكاما بالسجن بتهمة ارتكاب أعمال شغب بحق ثلاثة من المشاركين في مظاهرات مؤيدة لفلسطينيي غزة انطلقت في عدة مدن فرنسية، تراوحت بين ستة وعشرة أشهر لاتهامهم بالمسؤولية عن أعمال شغب اندلعت في ضاحية «سارسيل» الباريسية والمعروفة بكثافة سكانية من اليهود والمسلمين.
كما أصدرت المحكمة ذاتها حكما بالسجن مع وقف التنفيذ بحق متظاهر رابع، وادانت قاصرا بدفع غرامة مالية.
وكانت مصالح يهودية وكنيسا قد استهدفت في ضاحية «سارسيل» الباريسية أثناء مظاهرة منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة كانت السلطات الفرنسية قد منعتها أصلا.
وغضت السلطات الفرنسية الطرف عن أعمال تخريب قادها تنظيم «رابطة الدفاع اليهودية» المتطرف حين هاجم في مواقع مختلفة مظاهرات منددة بالعدوان على غزة ما تسبب في مواجهات واشتباكات بين أفرادها ومتظاهرين.
وارتفعت أصوات فرنسية تستغرب صمت الحكومة الفرنسية تجاه الأعمال التخريبية التي ترتكبها «رابطة الدفاع اليهودية» التي تحظى بدعم مجلس يهود فرنسا، بلغ حد مطالبة مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف الحكومة بتحمل مسؤوليتها وحل التنظيم اليهودي المتطرف وهو محظور أصلا في الولايات المتحدة واسرائيل نفسها بسبب تطرفه.
ووجدت الحكومة الفرنسية نفسها مضطرة إلى التحرك تجاه تمادي «التنظيم اليهودي المتطرف» فعهدت إلى وزارة الداخلية دراسة مقترح بحظر «رابطة الدفاع عن اليهود» المتشددة بعد وقوع اشتباكات دامية بين أفرادها ومؤيدين للشعب الفلسطيني في عدد من المظاهرات المناهضة للعدوان على غزة.
وكشفت التحقيقات الأولية التي أجرتها الشرطة الفرنسية عن مسؤولية «رابطة الدفاع اليهودية» المتشددة في إشعال المواجهات الدامية في مظاهرة أخرى مؤيدة للفلسطينيين في ضاحية «سارسيل» الباريسية تحولت إلى اشتباكات وأعمال عنف وتخريب ما جعل الإعلام الفرنسي يضع التنظيم تحت الأضواء ويثير العديد من الأسئلة حول نشاطاتها ومن يقف وراء تمويلها ويوفر الحماية لها ولقادتها من الملاحقات القضائية.
وسارع مجلس المنظمات اليهودية الجهة الرسمية الممثلة ليهود فرنسا إلى الدفاع عن التنظيم المتطرف حين أعلن على لسان رئيسه «روجيه كوكيرمان» أن «صدور أي قرار بحظر الرابطة سيكون بلا شك صادما خاصة وأننا لم نسمع عن حظر أي منظمة مؤيدة للفلسطينيين بعد ما جرى من حرق لثمانية معابد».
وحاول المسؤول اليهودي التنصل من دعمه لاعمال الرابطة التخريبية حين أعلن في الوقت ذاته أن مجلسه «لا تربطه أية علاقة بهذه الرابطة الصغيرة كما أن أعضاءه لا يشاركونها التوجهات والأفكار السياسية».
وتستمد الرابطة الفرنسية المتطرفة أفكارها من «رابطة الدفاع اليهودية» الأمريكية المصنفة كمنظمة إرهابية من قبل «مكتب التحقيقات الفيدرالي» منذ العام 2001، كما تتبنى نشيد حزب «كاش» القومي الديني المتطرف والمحظور في إسرائيل ويتلقى أفرادها تدريبات قتالية في «الكراف ماغا» الرياضة الإسرائيلية الشهيرة للدفاع عن النفس.
وقالت أوليفيا زمور ناشطة فرنسية ورئيسة منظمة «أوروفلسطين» في تصريح لـ«القدس العربي» إن الرئيس الفرنسي أطلق يد اسرائيل لإرتكاب مزيد من المجازر بإعلانه تضامن فرنسا معها منذ بدء العدوان وهو ما يعتبر فضيحة بطل المقاييس وفق تعبيرها.
وأستغربت عدم ذكر بيان الرئاسة الفرنسية الصادر أول أيام العدوان أي كلمة عن الضحايا المدنيين الذين سقطوا في غزة ولا عن ما ترتكبه الآلة العسكرية في القطاع من جرائم وحشية، مؤكدة ان فرنسا اختارت أن تساوي بين الجلاد والضحية بإصدارها «بيان العار» على حد قولها.
واعتبرت أن «ما تقوم به إسرائيل اليوم في غزة جزء من استراتيجية مخطط لها تهدف إلى القضاء على الفلسطينيين وتجريدهم من أرضهم وإنهاء المقاومة الفلسطينية وتدمير القرى واقتلاع الأشجار وهدم المباني والجدران وفرض الحصار والرمي بآلاف الفلسطينيين في السجون وإتنهاء الحياة بشكل عام في القطاع».
وبحسب الناشطة الفرنسية فإن «الجرائم التي ترتكبها اسرائيل كدولة أو تلك التي يرتكبها المستوطنون تظل دون عقاب بسبب صمت المجتمع الدولي و تواطئه في بعض الأحيان مستغربة غياب إدانة الجرائم الاسرائيلية والوقوف فقط عند المقاومة الفلسطينية المشروعة لمواجهة جرائم الاحتلال واصفة تواطؤ بعض الدول كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها بـ»المروع».
وعبرت رئيسة منظمة «أوروفلسطين» عن دعم منظمتها الكامل للمقاومة الفلسطينية بكل أنواعها مؤكدة أن بعض المنظمات بصدد التنسيق في الظرف الراهن لتسجيل دعاوي قضائية جديدة ضد مرتكبي الجرائم الاسرائيلية في غزة وتوسيع برنامج «مقاطعة البضائع الإسرائيلية» في المحلات والأسواق التجارية في عموم المدن الفرنسية بعد ان لاقت في السابق نجاحا منقطع النظير بالرغم من بعض الملاحقات القضائية التي حركها «اللوبي اليهودي» في فرنسا.
ودعت الناشطة الفرنسية جميع الداعمين لفلسطين إلى المشاركة بكثافة في مظاهرة اليوم التي ستنطلق من قرب محطة مترو «باربييس ريشيشوار» في الدائرة 18 في باريس.
من ناحية أخرى راسلت عشرات المنظمات الحقوقية الفرنسية الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند لإبلاغه امتعاضها من البيان الصادر عن قصر الإليزيه الداعم للعمليات العسكرية في قطاع غزة.
وجاء في الرسالة التي حملت توقيع 10 منظمات حقوقية حصلت «القدس العربي» على نسخة منها : «عار عليك..أنت فعلا رئيس بدون كرامة وتستحق أن تحمل لقب أسوأ رئيس لأنك تجاوزت حدود المتواطئ مع المجرمين الإسرائيليين، أنت تعرف أن من يتواطأ في جريمة يصبح شريكا فيها بحكم القانون، وتعرف أيضا أنك تدعم جرائم دولة مارقة تضرب عرض الحائط بكل القوانين الدولية، وإن كنت تحترم فعلا الإتفاقيات والقرارات الدولية التي وقعتها فرنسا فكان عليك أن تعلم بأنه ممنوع عليك دعم الإحتلال الاسرائيلي ومباركة ما يقوم به من مجازر وأعمال سرقة وإضطهاد شعب أعزل بأكمله..نحن لم نعد نعتبرك ممثلا لنا وما جاء في بيانك لا يمثلنا ولا يعنينا كفرنسيين».
من ناحية أخرى أعتقلت الشرطة الفرنسية اكثر من 70 متظاهرا في مسيرة واحدة شهدتها ساحة «لاريبيبليك» وسط باريس تضامنا مع قطاع غزة، بسبب تحديهم المنع الرسمي وخروجهم في المظاهرة ضد رغبة السلطات.
كما اعتقلت فريقا مسرحيا بأكمله غير بعيد عن مقر بلدية العاصمة باريس حين كان يقدم عرضا مسرحيا في الهواء الطلق للتنديد بالجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.
وكان 12 مسرحيا فرنسيا بينهم 8 ممثلات التقوا أمام ساحة «مونبارناس» وسط باريس وشرعوا في تقديم عرض مسرحي يفضح الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين تضامنا مع سكان غزة في الهواء الطلق قبل ان تحيط بهم قوة من الشرطة وتعتقلهم جميعا وتجبر الجمهور على ترك المكان بالقوة.
وأحضرت الشرطة الفرنسية حافلة خاصة لنقل الفرقة المسرحية بأكملها إلى مخفر الأمن في الدائرة 18 الباريسية قبل نقلهم مرة أخرى في حالة اعتقال إلى الدائرة 15، رافقتها 4 دراجات نارية للأمن، بعد مصادرة أغراضهم الخاصة من نظارات وهواتف ونصوص مسرحية مطبوعة.
وقد وضعت الشرطة الفرنسية الفنانين المسرحيين وهم 12 فنانا وفنانة في زنزانة واحدة ضيقة لا تتجاوز مساحتها 9 امتار مربعة بسبب عدم وجود زنازين فارغة حينها.
وسمع أحد أفراد الشرطة وهو يخبر رئيس الفرقة المسرحية المعتقل أفرادها ان الأمر يتعلق بأوامر عليها جاءوا لتنفيذها فورا، حيث بقي الفنانون رهن الإعتقال في مركز الشرطة إلى حدود ساعة متأخرة من الليل قبل أن يجري إطلاق سراحهم بأمر من النائب العام.

محمد واموسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية