صدرت نهاية سنة 2014 في فرنسا رواية «الاستسلام» للروائي المثير للجدل ميشيل هويلبيك، التي تروي أحداث وصول رئيس من أصول جزائرية «عباس» إلى رئاسة فرنسا سنة 2022، ويهدف من وراء هذه الرواية التنبيه إلى التغلغل العربي والإسلامي في هذا البلد الأوروبي وحديثه عن فرنسا عربية.
وتشاء الصدف الماكرة والأحداث السياسية التي تعيشها فرنسا أن تجعل من فرنسا «دولة عربية» قبل هذا التاريخ بست سنوات. ومنذ تعرضها للاعتداءات الإرهابية الأولى في يناير 2015 من تنفيذ «داعش»، ثم الثانية يوم 13 نوفمبر الماضي، التي خلفت مقتل 130 شخصا، تقدم الدولة الفرنسية على إجراءات أمنية وسياسية استثنائية، لم تعتد عليها أوروبا خلال العقود الأخيرة، أو بعبارة أخرى لم تعتد عليها الدول الديمقراطية.
فقد أقدمت الدولة الفرنسية الممثلة في رئاسة البلاد فرانسوا أولاند ورئيس الحكومة مانويل فالس، على اتخاذ إجراءات استثنائية أبرزها: إعلان حالة الاستثناء في البلاد تحت ذريعة محاربة الإرهاب. ويجري التمديد لحالة الاستثناء هذه وكأن أولاند يرغبها دائمة. في الوقت ذاته، أقدمت الدولة على «إجراءات إدارية إكسبرس» أي في حيز زمني سريع، مانحة الكثير من الاختصاصات والصلاحيات للمخابرات والأجهزة الأمنية، سواء تعلق الأمر بالاعتقال أو التجسس على الهواتف والبريد الإلكتروني. وحاليا، تقوم بمحاولة إقناع البرلمان بتبني مشروع إصلاح الدستور، للتنصيص على إسقاط الجنسية عن المتهمين والمتورطين في الإرهاب، حيث كانت البداية مع التركيز على الفرنسيين من أصول عربية، خاصة المغاربية بحكم ازدواج الجنسية، وبعد الجدل السياسي، أدخلت الدولة تعديلات على المشروع لتشمل مجمل الفرنسيين. وترتب عن هذه الإجراءات قرار كريستيان توبيرا الاستقالة من منصب وزيرة العدل، خلال الشهر الماضي، وصرحت في التلفزيون الفرنسي نهاية الأسبوع «ما يتم الإعداد له هو أمر غير مقبول»، في إشارة منها الى المقبل الأسوأ. ومن ضمن ردود الفعل القاسية تجاه الحكومة، تصريحات زعيمة الخضر والنائبة في البرلمان سيسيل دلفوت في البرلمان، بأن مشروع قانون سحب الجنسية يحيل إلى فصل أسود من تاريخ فرنسا وهي حقبة فيشي الذي استعمل سحب الجنسية بشكل جماعي.
وشهدت فرنسا نظام فيشي ما بين يوليو 1940 الى أغسطس 1944، حيث أقامت ألمانيا النازية نظاما مواليا لها بزعامة الماريشال الفرنسي فيليب بيتان، الذي كان ينزع عن المناهضين للاحتلال الألماني الجنسية الفرنسية، وكذلك عن اليهود الفرنسيين. في غضون ذلك، تسقط الدولة الفرنسية تدريجيا في يد التكنوقراط والأمنيين الى مستوى جعل الأسبوعية الشهيرة «لوبوان» تنشر الأسبوع الماضي ملفا خاصا بعنوان مثير في صفحتها الأولى «الانقلاب الصامت ضد الدولة: البيروقراط الذين يسيرون فرنسا». الأسبوعية استعرضت كيف تفقد فرنسا الكثير من هويتها الديمقراطية خلال الفترة الأخيرة. وفي العدد الأخير، خصصت ملفا آخر تصف فيه الحزب الاشتراكي الحاكم بأنه يستوحي سياسته من مفكرين يمينيين متطرفين، وكان عنوان الغلاف هو «يسار فينكييلكروت». وآلان فينكييلكروت هو فيلسوف فرنسي يعتبر من أكبر القوميين الذين يدافعون بشوفينية عن هوية فرنسا، وتثير كتاباته احتجاجات اليسار والجاليات المهاجرة ومنها العربية.
وإذا كانت رواية «استسلام» قد تكهنت برئاسة عربي لفرنسا سنة 2022 واسمه عباس، فسياسة فرانسوا أولاند الحالية جعلت من فرنسا دولة عربية، ابتداء من سنة 2016. وتسعف في هذا الصدد تصريحات الكثير من ناشطي المجتمع المدني الفرنسي واليسار الراديكالي الفرنسي، الذي يصف الإجراءات التي أقدم عليها فرانسوا أولاند بأنها تجعل من فرنسا نظاما يحمل مؤشرات «الديكتاتورية». ويضاف إليها تقارير «أمنستي أنترناشنال» التي حذرت من حالة الاستثناء وتراجع حرية التعبير، بل وتراجع فرنسا في الشفافية، وفق تقارير أخرى. وفي تقرير وحجة التفكير الاستراتيجي لمجلة «ذي إيكونوميست»، جاء تصنيف فرنسا عالميا في صنف «الديمقراطيات الناقصة». وشهدت دول أوروبية عمليات إرهابية مثل إسبانيا وبريطانيا والنرويج، في البلدين الأولين من تنفيذ حركات مرتبطة بـ»القاعدة»، وفي الحالة الثالثة مرتبطة بالإرهاب الداخلي والمحلي. وكانت اعتداءات 11 مارس 2014 في العاصمة مدريد أكثر وحشية من فرنسا، فقد خلفت مقتل 191 شخصا وجرح أكثر من ألف. لكن إسبانيا وهي الحديثة بالديمقراطية، مقارنة مع فرنسا، لم تقدم على إجراءات أمنية استثنائية جدا مثل إعلان حالة الاستثناء أو سحب الجنسية.
وإذا تأملنا في الإجراءات الفرنسية بعد 13 نوفمبر لمواجهة الإرهاب، سنجد السلطة والصلاحيات التي أعطيت للمخابرات والأجهزة الأمنية بالتجسس على المواطنين واعتقال المشتبه فيهم، ولو بدون أدلة كافية، هي قرارات أو إجراءات شبيهة بما تطبقه دول مثل مصر والجزائر والمغرب والعراق وغيرها.
في الوقت ذاته، إذا تأملنا في قرار نزع الجنسية الفرنسية الذي طرحه الرئيس فرانسوا أولاند عن المتورطين في الإرهاب، سنجد أنه إجراء تطبقه دول مثل الكويت والإمارات العربية ومصر. وإذا تأملنا قليلا في وضعية فرنسا في التقارير الدولية حول حقوق الإنسان والشفافية وحرية التعبير، سنجد أنها تبتعد تدريجيا عن دول أوروبا الشمالية وألمانيا وبريطانيا تجاه المراكز التي توجد فيها الدول الغربية. وبهذا حول الثنائي أولاند- فالس بإجراءاتهما الاستثنائية فرنسا الى دولة أشبه بالدول العربية.
لا ندري هل سيطلب فرانسوا أولاند الانضمام الى الجامعة العربية، ولكن الأكيد أنه جعل من رواية «الاستسلام» واقعا سياسيا حقيقيا، وبهذا قد يستحق اسم «عباس أولاند» بدل «فرانسوا أولاند».
٭ كاتب مغربي
د.حسين مجدوبي