لم يكن من السهل الاقتراب من جان ماري لوبين. الزعران الذي أحاطوا به استخدموا القوة دائما، وهو كان يُظهر الرضى عن ذلك بشكل علني. مرة واحدة في المظاهرة القومية السنوية في الاول من أيار والتي تمت أمام تمثال جان دارك في باريس، رأيت كيف أن الغوريلات خاصته يسقطون رجل عجوز بعد أن حاول الاقتراب منه وفي يده باقة زهور ـ لوبين نظر إلى هذا المشهد وهو يبتسم ابتسامة عريضة.
مرة اخرى رأيته في مؤتمر حزبه، الجبهة القومية. كان حظي سيئا حيث وجدت نفسي محاطا بمجموعة من مؤيديه من فترة «الجزائر الفرنسية». وقد اعتقد هؤلاء أنه لكوني اسرائيليا فانني سأبارك مساهمتهم في قتل المسلمين في اطار «أوه.آه.اس» وهو التنظيم السري الذي كان مسؤولا عن العمليات الإرهابية والمحاولات الكثيرة لقتل ديغول.
رأيت حولي اليمين المتطرف في فرنسا. مؤيدو نظام فيشي والمارشال فتان، مجموعات لاسامية وضيوف نازيين جدد جاءوا من الدول المجاورة. المؤتمرات الحالية للجبهة القومية برئاسة الابنة مارين لوبين تبدو بشكل مختلف، لكن المحتوى لم يتغير. نفس اليمين المتطرف والظلامي يهدد الجمهورية ويرفع رأسه في لحظات الازمة الوطنية.
الهجوم الإرهابي في باريس خلق لحظة كهذه مع فرصة نادرة سياسية وهي الانتخابات المحلية. وحقيقة أن لوبين نفسها قد رشحت نفسها لرئاسة المنطقة الشمالية، وأختها ماريون مارشال لوبين رشحت نفسها للمنطقة الجنوبية، قد أبرزت أكثر التحدي وحولت هذه الانتخابات إلى استفتاء شعبي بكل معنى الكلمة: لوبين ـ نعم أم لا.
اذا حاكمنا بناء على العناوين في اسرائيل، كان يفترض أن تفوز لوبين بانتصار كبير. لأن الإرهاب كان يفترض أن يفتح عيون فرنسا ويجعلها تفهم أخيرا المخاطر الكامنة في المهاجرين، وحقوق الانسان والديمقراطية وباقي أمراض اوروبا الساذجة. إلا أن فرنسا قالت لا كبيرة. وهذه الصرخة تدوي الآن في كل اوروبا.
من الصعب المبالغة في أهمية التصويت في فرنسا أول أمس. الجبهة القومية لم تنتصر في أي منطقة في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية. وقد اعتبر المحللون ذلك «تصويتا استراتيجيا»: الشخص لا يصوت بشكل ملائم لمواقفه اطلاقا وانما يقوم بالتفكير «البارد» في الامر ويعطي صوته للجهة التي ستضمن الانتصار أمام عدو مشترك. ملايين مؤيدي الاشتراكية اغلقوا انوفهم وصوتوا لمرشحي اليمين المعتدل من اجل كبح «الجبهة» الفاشية.
لكن دراسة معمقة أكثر تقود إلى الاستنتاج أن الحديث لا يدور عن تصويت استراتيجي بل تصويت اخلاقي بكل معنى الكلمة: اختيار بين قيم الجمهورية وبين من يريدون تدميرها، على طريقة أن المنتصر يأخذ كل شيء أو حينما يكون الانتخاب شخصيا فلا يوجد تصويت استراتيجي بل تصويت ايديولوجي. كل سلوك سياسي آخر كان سيصاب بالصبيانية والعمى المدمر.
لا شك أن لليمين المتطرف مؤيدين كثيرين في فرنسا. وكان له دائما. من يتجاهل ذلك ويرى فقط فرنسا المتنورة يخدع نفسه. لكن المعسكر الديمقراطي أكبر كثيرا وقد أثبت ذلك. زيادة نسبة التصويت خصوصا في اوساط الشباب اللامبالين تبين أنها تقوي المعتدلين.
وهناك درس آخر مهم: اليمين ليس ملزما بالضرورة أن يتطرف ويقلد اليمين المتطرف. فمن مصلحته أن ينفصل عنه. هناك يمين ديمقراطي ويمين ليبرالي وهو الذي ساعد أول أمس على الانتصار في فرنسا. في يوم من الايام كان هنا ايضا يمين كهذا. إلا أنه تنازل عن الليبرالية وحقوق الانسان لصالح اليسار ووضع نفسه بين اظافر اليمين المتطرف. هذه هي تراجيديا السياسة الاسرائيلية. وفرنسا نجحت في الوقت الحالي في منع هذا الأمر.
هآرتس 15/12/2015
نيتسان هوروفيتس