يبدو أن ضبابية شديدة تسيطر على مقدرات الأمور على مستوى التوجهات الإستراتيجية لفرنسا على المدى البعيد.
أصبح سؤال جوهري يفرض نفسه منذ أمد ليس بقصير: إلى أين تتجه أول قوة أوروبية؟ وهي قوة يخجل المرء في تصنيفها عالميا حاليا، على الأقل إن اعتمدنا على معايير الإشعاع الدبلوماسي.
كيف تعد فرنسا العدة لتعود إلى فرض نفسها في صفوف المجتمع الدولي؟
وقبل السؤال ذاته ثمة سؤال أولي سابق على كل سؤال وتساؤل: هل تسعى فرنسا فعلا إلى حضور عالمي في عالم جديد؟
يعلم طلاب العلوم السياسة أن إشعاع قوة عظمى ما (وهل لا تزال فرنسا قوة عظمى؟) يعتمد على قوامين لا يستقيم دونهما: الوسيلة والإرادة. وعندما نتحدث عن الوسيلة لا نتحدث فقط عن الوسائل المادية – وأساسا أسباب توفير تنافسية اقتصادية ناجحة – وإنما نتحدث أيضا عن «الترسانة المطبقة» التي بها نسمي مدى قدرة الدولة المعنية على تحقيق المبادئ المستوحاة من فلسفة القانون للوصول إلى توظيف ناجح للآلية الديمقراطية. وبالوسيلة نعني أيضا امتلاك نظرة لمستقبل الإشعاع الدولي الدبلوماسي، تجعل القوة المعنية آهلة لتخرج من رحمها «جعبة توليدية» من المبادرات، ما يتمثل دبلوماسيا في ترؤس القمم، الإشراف على اجتماعات طارئة، استصدار قرارات أممية، استخدام حق النقد، ولكن.. فوق ذلك، المتابعة. والإشكال أن فرنسا تملك الوسيلة، ولكن دونها الإرادة ودونها المتابعة.
ذلك أن فرنسا عاجزة عن أن تلقي على نفسها سؤال «ماذا تريد؟» أو بصورة أدق، تظهر أنها تريد «فعل شيء» ولكنها تقف بعدئذ عند منتصف الطريق.
ماذا عن اجتماعات «أصدقاء سوريا» التي تواصل انعقادها في باريس منذ بدء النزاع في سوريا؟ ماذا عن مسودة القرار الأممي الأخير بشأن قصف حلب وإغاثة المدنيين؟ ماذا عن اجتماع وزراء دفاع دول التحالف الدولي المزمع عقده في باريس ساعات بعد بدء معركة استعادة الموصل؟
سواء أكانت هذه الاجتماعات مكتوبا عليها النجاح أم لا – وعلى أهمية الأمر – يظل السؤال الأساسي غائبا، والسؤال الأساسي هو ، أي متابعة لهذه المبادرات؟ أي محاور مستخلصة منها؟ أي توصيات للمقبل والآتي؟ أي خريطة طريق؟ المتابعة بدون الإرادة إذن وبدون الوسيلة. افتقدت فرنسا قدرتها على أن تكون السباقة، الطريق الثالثة التي تقف على مسافة من ثنائية الخيارات. افتقدت فرنسا قدرتها على رفع صوتها عاليا، وكلنا نذكر كيف رفعه فعلا جاك شيراك عند زيارة إلى فلسطين المحتلة. فرنسا التي طمحت يوما لان تخلق لنفسها منزلة الشريك غير المطيع لأمريكا تبوأت في تاريخها موقع المبادر الأسمى للتباحث في شأن السلام. فرنسا تلك الايام كان تصنيفها قوة عظمى محل إجماع لا يختلف فيه اثنان.
فرنسا التي لا زالت تملك الوسيلة أصبح عليها ان تطرح على نفسها، وهي على وشك دخول فترة الانتخابات، السؤال المصيري : أين هي من غايتها؟
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون