باريس – «القدس العربي»: وصفت فرنسا على لسان وزير خارجيتها تصويت التونسيين في الانتخابات التشريعية الأخيرة والنتائج المتمخضة عنها بالدليل على أن الديمقراطية في العالم العربي ممكنة، مشيدة بطريقة غير مباشرة باكتساح العلمانيين عبر حزب «نداء تونس» لمقاعد مجلس النواب التونسي (البرلمان) وحلول حزب «حركة النهضة» الإسلامي في المرتبة الثانية.
وسارع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بعد الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية كاملة إلى تهنئة حزب «نداء تونس» العلماني بالخصوص في الفوز عبر بيان رسمي صادر عن قصر الإليزيه، مؤكدا «دعمه القوي لتونس الديمقراطية والتزام فرنسا بالتعاون معها في جميع المجالات».
وتميزت علاقة فرنسا بمستعمرتها العربية السابقة بالفتور منذ وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم على إثر تصدر حزب حركة «النهضة» الإسلامي نتائج أول انتخابات تشريعية شهدتها البلاد منذ الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في انتفاضة شعبية عام 2011.
وبلغ التوتر الفرنسي التونسي في عهد حكم حزب حركة «النهضة» الإسلامية مداه حين ندد وزير الداخلية الفرنسي أنذاك مانويل فالس بانتشار ما وصفها بـ»فاشية إسلامية» في ما سمي بدول الربيع العربي، متحدثا بشكل خاص عن تونس في معرض تعليقه على اغتيال المعارض التونسي اليساري شكري بلعيد، ملمحا إلى مسؤولية «النهضة» عن الحادث الدموي الذي أدخل التونسيين آنذاك في موجة حزن عميقة. ولم يتأخر رد حركة «النهضة» طويلا على الوزير الفرنسي حين صف رئيس الحزب راشد الغنوشي فرنسا بأنها «أقل البلدان فهما للإسلام وللتونسيين» مشيرا إلى أن مواطنيه يشعرون بـ«الإهانة» بسبب تصريحات فالس عن انتشار «فاشية إسلامية» في المنطقة.
وتحدث عن «علاقة معقدة» بين فرنسا وبلاده متهما فالس بوضع حزبه وتنظيم «القاعدة» وحركة الإخوان المسلمين في سلة واحدة، وهو في نظره عدم فهم فرنسا شيئا في الإسلام عكس الألمان والبريطانيين والأمريكيين الذين يعلمون أن الدين الإسلامي ليس موحدا ويضم متشددين، ومعتدلين.
وأخذت تونس على الوزير فالس إشارته إلى الفاشية الإسلامية المتصاعدة في تونس، وتعبيره عن أمل بلاده في إنتصار القوى الديمقراطية والعلمانية في الانتخابات المقبلة التي يتعين على فرنسا دعمها لأنها تحمل قيم ثورة الياسمين، ولأن هذا لا يعني التونسيين فقط، بل كل الحوض المتوسطي، ومنه فرنسا، وكذلك تأكيده على أن باريس لا يمكنها أبدا أن تتعاون مع نظام قمعي، ما فهم في تونس بأنه تنديد بالنظام القائم. ومجددا، ردت تونس باستدعاء السفير الفرنسي لإبلاغه بأن تصريحات فالس تسيء إلى العلاقات الثنائية، ما ترجم في اليوم التالي إلى شعارات في الشارع التونسي تدعو فرنسا إلى الرحيل عن تونس خلال مظاهرات داعمة للحكومة قام بها انصار حزب «النهضة» الحاكم.
علاقات تونس تجاه شريكها الأوروبي الأول لبدَّت سماءها سحب توتر كثيفة طيلة قيادة حزب «النهضة» للإئتلاف الحاكم خلال السنوات الماضية، تكاثرت معها المؤشرات التي تدل على الحساسية البالغة التي هيمنت على الأجواء بين تونس وباريس، ما يذكر بما حصل قبل، وأثناء ومباشرة بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، ووصول حكومة «النهضة» إلى السلطة في تونس.
ولم تخف أروقة القرار الفرنسية عدم إرتياحها لوصول حركة «النهضة» إلى الحكم في تونس طيلة وجود هذه الأخيرة في مراكز القرار التونسية، حيث ظلت على الدوام تقر بأن الأزمة التي تسببت بها تصريحات فالس عن الفاشية الإسلامية المتصاعدة، ليست سوى المظهر الأخير للقلق العميق الذي طالما ألقى بظلاله على المسؤولين الفرنسيين في تعاطيهم مع الملف التونسي، حيث حذروا في أكثر من مناسبة من أخذ الأمور في تونس منحى خطيرا قد يصعب معه الرجوع إلى المربع الأول بعد إنتشار مظاهر العنف في البلاد وإغتيال رموز سياسية معارضة. غير أن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند حاول طيلة فترات الإنتقال السياسي في تونس تجنب كل ما من شأنه أن يقود نحو تكرار الأخطاء ذاتها التي ارتكبت في عهد سلفه اليميني نيكولا ساركوزي، مع قرار الرئيس الأشتراكي بصعوبة الموازنة بين الحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتونس وتحاشي قيام أزمة مفتوحة من جهة، وواجب التعبير عن موقف يعكس القيم التي تدافع عنها فرنسا من جهة أخرى، إلى درجة بدا معه الإمساك بخيوط «الطريق الوسطي» صعبا للغاية، خصوصا بعد تطورات إغتيال الناشط المحامي اليساري شكري بلعيد، والمعارض السياسي والنائب محمد البراهمي، وكلاهما من رموز المجتمع المدني ومناهضة التيار الإسلامي والمعارض لحركة «النهضة» في الخصوص.
وبدأت أولى بوادر التوتر الفرنسي التونسي مع انطلاق الشرارة الأولى للانتفاضة الشعبية ضد نظام الرئيس بن علي، حين تأخرت باريس في الوقوف إلى جانبها حتى بعد فرار الرئيس المخلوع وسقوط نظامه. وزادت وزيرة الداخلية آنذاك ميشيل آليوماري صب الزيت على النار حين عرضت الخبرة الفرنسية على الحكومة التونسية في الحفاظ على الأمن من خلال مدها بأسلحة وذخائر مكافحة للشغب وإرسال قوات فرنسية، ما حظي باستهجان واسع النظاق في فرنسا وتونس معا، قبل أن يقر المسؤولون الفرنسيون لاحقا بأنهم لم يفهموا ما يجري في تونس، وأنهم فضلوا الاستقرار على مطلب الحرية الذي كان المتظاهرون ينادون به في شوارع المدن التونسية. تصريحات الوزيرة الفرنسية تسببت في موجة إستياء عارمة في تونس وفرنسا أجبرت معها على الاستقالة من منصبها، خاصة بعد نشر صحف فرنسية صورا لها رفقة زوجها وهما يقضيان عطلة مجانية باذخة في أحد الفنادق التونسية مع الحديث عن علاقة لها مع أحد أقرباء بن علي، ما اضطر معه الرئيس السابق نيكولا ساركوزي إلى تعيين السياسي المخضرم آلان جوبيه في منصب وزير الخارجية خلفا لميشيل أليو ماري المغضوب عليها، وهو ما اعتبره البعض مؤشرا على نية فرنسا تغيير استراتيجيتها الدبلوماسية مع ما يتماشى ومتطلبات مرحلة الربيع العربي الدقيقة وهو ما اتضح من خلال إسناد دبلوماسيتها إلى شخصية رزينة تمتلك من الخبرة ما يؤهلها لإمتصاص غضب التونسيين.
ولم تكتف فرنسا حينها بمجرد إستبدال رئيس دبلوماسيتها، بل عمدت إلى محاولة استدراك ما فات من زمن ضائع، حين أقدم الرئيس ساركوزي على استدعاء السفير الفرنسي لدى تونس، واستبداله بالسفير الشاب بوريس بوالون الذي سحبه من العراق وفي جعبته خريطة طريق لمهمة واحدة ووحيدة هي طي صفحة الرئيس التونسي المخلوع وفتح صفحة جديدة مع حكام تونس الجدد، فضلا عن ذلك، أقرت حكومة فرونسوا فيون آنذاك خطة عمل من أجل تونس في خطوة تهدف في الدرجة الأولى إلى دعم الثورة التونسية ومساندة المرحلة الانتقالية. وأقرت الوكالة الفرنسية للتنمية خطة دعم عاجلة لتونس قيمتها 425 مليون يورو للعامين 2011 – 2012، صرف منها 185 مليون يورو، في وقت تعتبر فيه الشركات الفرنسية العاملة في تونس الأكبر في البلاد، إذ يبلغ عددها 1500 شركة تشغل نحو 110 آلاف تونسي، ما يحتم على الطرفين مراعاة مصلحتيهما والتحلي بالثقة والندية والإبتعاد عن المزايدات والمهاترات وفق ما يؤكده رجال المال والأعمال من البلدين.
وتحتضن فرنسا التي تبعد مسافة ساعتين بالطائرة عن تونس أكثر من 600 ألف مهاجر تونسي، وتعد أول مستثمر أجنبي في البلاد خاصة في المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وهي أيضا أول ممول أوروبي وأول شريك اقتصادي لتونس التي يعاني اقتصادها ركودا ملحوظا بعد الثورة.
وفي قمة مجموعة الثماني في منتجع دوفيل (شمال غربي فرنسا) التي كانت تتولى فرنسا رئاستها الدورية دفع ساركوزي ضيوفه إلى تبني ما سمي بـ»شراكة دوفيل» أي التزام الثماني بمساعدة بلدان الربيع العربي، في إشارة إلى تونس ومصر ماليا واقتصاديا وسياسيا، بل إن ساركوزي دعا القائد باجي السبسي، رئيس الحكومة المؤقتة، إلى حضور القمة لتحديد حاجات بلاده أمام زعماء المجموعة الدولية وضيوفها، وهو ما اعتبرته الصحافة الفرنسية حينها بمثابة تكفير عن الذنب السابق ودفعة قوية للنظام الآخذ بالتكون في البلاد بعد سقوط زين العابدين بن علي.
وإستفادت فرنسا من وجود أحد ألد اعداء بن علي على أراضيها وهو الطبيب والمعارض الشهير منصف المرزوقي، فسارعت إلى تقديم كل الدعم له ولتحركاته خاصة وأن هذا الأخير أمضى ثلث حياته في فرنسا لاجئا إليها من بطش بن علي، ولم يعد إلى تونس إلا بعد سقوط بن علي مع اكتسابه شعبية كبيرة وسط التونسيين على خلفية قيادته لجزء من الإنتفاضة الشعبية ضد الرئيس السابق من بيته الباريسي. وظلت فرنسا تؤكد باستمرار وقوفها إلى جانب الشعب التونسي ودعمها للتحولات الجارية في البلاد، مع حرصها على التزام الحيطة والحذر لتجنيب إنزلاق البلاد نحو المجهول جراء الصراع الجاري فيها بين الإسلاميين والعلمانيين وتمسكها بضرورة قبول جميع الأطراف بلعبة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمرأة وحرية الرأي.
وجاءت زيارة رئيس الوزراء التونسي حمادي الجبالي إلى باريس ثم زيارة رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي الرسمية والتاريخية لتزيد من تفشي أجزاء من الثقة بين البلدين، خاصة أن المرزوقي الذي غادر فرنسا لاجئا وعاد إليها رئيسا حظي باستقبال حار، بل أعطي شرف إلقاء خطاب أمام الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، وهو بذلك يكون الرئيس الأجنبي الـ17 الذي يحظى بهذا التكريم في تاريخ الجمهورية الخامسة.
غير أن السفن الفرنسية جرت بما ما لم تكن تشتهيه الرياح التونسية، فظهرت بين الفينة والأخرى حوادث عكست بشكل واضح مظاهر التوتر بين البلدين في مقدمتها تسبب السفير الفرنسي لدى تونس بوالون في إثارة حفيظة التونسيين بعد أسابيع قليلة على تسلمه لمنصبه، على خلفية تعامله بطريقة استعلائية مع صحافية تونسية أضطرت معها باريس إلى سحبه، ليحل محله السفير فرنسوا غوييت الذي عينته حكومة الرئيس الإشتراكي فرنسوا أولاند، فأثار هو كذلك موجة غضب رسمية عارمة لقيامه شخصيا بزيارة لنقابة الصحافيين المضربين وإعلانه تضامنه معهم في مواجهة الحكومة.
وحاولت باريس تبرير ما قام به سفيرها بالقول أن ذلك يدخل في خانة التعبير عن تمسك فرنسا بالحق في التعبير وحرية الصحافة التي تعد من القيم الأساسية التي تقوم عليها سياسة فرنسا في تونس.
وأمام تصاعد التوتر أقرت الحكومة الفرنسية بأن زيارة سفيرها للمضربين هي نوع من الدعم لهم، فرد وزير الخارجية التونسي آنذاك والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام بالقول إن هناك خطا أحمر في تونس لن تقبل الحكومة تجاوزه وهو التدخل في شؤون البلاد الداخلية.
ويتوقع المختصون في البلدين أن تجنح العلاقات التونسية الفرنسية إلى السلم والهدوء في حال قاد حزب «نداء تونس» العلماني الحكومة لما يتمتع به هذا الأخير من دعم قوي من قبل باريس. خاصة وأن رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس كان قد استبق الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد بالقول على إحدى القنوات الفرنسية أن بلاده تدعم القوى الديمقراطية والعلمانية في تونس التي تحمل قيم ثورة الياسمين، مؤكدا في الوقت نفسه أمل فرنسا في فوزها في الانتخابات التشريعية والرئاسية.
محمد واموسي