فرنسا والخليج

«شهر عسل» تعيشه فرنسا هذه الأيام في دول الخليج العربية مع زيارة الرئيس أولاند إلى قطر وتوقيعه صفقة طائرات «رافال» المقاتلة وزيارته السعودية لحضور القمة الخليجية. تعبير «شهر العسل» هو لمراسل بإحدى القنوات الفرنسية ولم يكن مخطئا، ففرنسا التقطت تماما اللحظة المناسبة لتتقدم في هذه المنطقة بصفة الحليف الذي يمكن التعويل عليه، وليس ذاك الحليف المتردد أو الذي لم يعد مأمونا بالكامل، في إشارات عتاب ومرارة تجاه الولايات المتحدة عبرت عنها مرارا أوساط خليجية مختلفة ولا سيما في السعودية.
حضور أولاند لقاء القمة الخليجي في الرياض رسالة بالغة الدلالة ذلك أنه لم يسبق لأي مسؤول غربي أن حظي بذلك خاصة وأن أول من شارك في قمة خليجية كهذه كان الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد عام 2007 في قطر، وهو ما اعتبره أولاند نفسه «شرفا ودليل ثقة متبادلة» مشيرا إلى أن بلاده «تسعى إلى التوصل إلى حل انتقالي في سوريا يستثني بشار الأسد، وينبغي لهذا الحل أن يضم كل مكونات المعارضة وبعض مكونات النظام»، وأنها تساهم «في التحالف في العراق لضرب أوكار الإرهابيين كما أن الدبلوماسية الفرنسية حثيثة ولا توفر جهدا لإيجاد حل للملف النووي الإيراني». وقد سبق لأولاند أن غمز من أكثر من قناة عندما قال قبل ذلك في الدوحة بأن مواقف فرنسا الثابتة هي أنها لا تتخلى عن حلفائها، في وقت تزداد في هذه المنطقة التساؤلات الحائرة عن حقيقة الموقف الأمريكي من ملفات مختلفة لا سيما مع اقتراب توقيع اتفاق نووي مع طهران، سيتضمن نصا أو واقعا، تغييرا دراميا في طبيعة العلاقات القائمة في المنطقة. ورغم كل محاولات الطمأنة الأمريكية، والتي سيدفع بها أكثر الرئيس أوباما في لقائه القريب مع القادة الخليجيين في كامب ديفيد، فإن الريبة ما زالت هي السائدة. ولهذا فقد عرفت فرنسا تماما متى تنزل بثقلها وكيف تعيد تقديم نفسها لحلفاء قدم تاريخيا لكنهم كانوا دائما أكثر ركونا إلى صديق آخر أكبر.
التلفزيون الإيراني كان من بين الأوائل الذي التقط الرسالة التي أرادتها فرنسا وأرادتها دول الخليج وذلك حين ذكر، ولو مستندا إلى الإعلام الغربي نفسه بأن «العقود العسكرية الضخمة لفرنسا مع دول مجلس التعاون الخليجي ودعوة أولاند لأول مرة للحضور كأول زعيم غربي في قمة دول المجلس في الرياض تعد بمثابة مكافأة ضخمة للدور الذي لعبته فرنسا في المفاوضات النووية مع إيران، وبداية استراتيجية جديدة في العلاقة بين باريس وعواصم مجلس التعاون الخليجي».
من هنا تأتي أهمية استعراض تفاعل بعض المعلقين السعوديين مع هذه التطورات، لفهم المزاج السائد في الرياض تجاه ما يجري حاليا، فأحدهم وهو جمال الذيباني قال إن «دول الخليج تتمتع بثقة ولديها شركاء آخرون لهم ثقل وحيوية يمكن أن تعول عليهم بفضل الصداقات والتحالفات المستقبلية التي صاغتها بعد عاصفة الحزم» معتبرا أن وزير الخارجية الأمريكي عندما يصل اليوم الأربعاء إلى الرياض سيدرك أن القادة الخليجيين ذاهبون إلى «كامب ديفيد» للحصول على إجابات حقيقية وشافية بالنسبة لموضوع الاتفاق الإطاري مع إيران «في وقت تبدو فيه إدارة أوباما متناقضة ومواقفها متضاربة وتعمل على تطبيع علاقاتها مع طهران» مشيدا بــ «وضوح» سياسة فرنسا تجاه منطقة الخليج وبما اتسمت به مواقفها من «صلابة وتفاهم مع الأطراف الخليجية في الملف النووي الإيراني» وفي ملفات أخرى. من بين هذه الملفات سوريا بالتأكيد، وهنا يرى الباحث السعودي في العلاقات الدولية ماجد التركي أن هناك ميلانا أمريكيا إلى الجانب الإيراني في الموضوع السوري مما يجعل حضور أولاند القمة الخليجية إنما يأتي من «قبيل الاستقواء بالجانب الفرنسي لأن المصلحة الإيرانية تبدأ من سوريا وليس من الملف النووي الإيراني الذي هو ملف محسوم، ولكن مع الوقت يصبح الملف السوري هو الأقوى لإيران فيما يتصل بالشرق الأوسط بعد العراق «معتبرا أن «فرنسا صدمت بالموقف الأمريكي البريطاني المتحول في موضوع الداخل السوري».
أما مطلق العنزي، مدير تحرير صحيفة «اليوم» فاعتبر أن «فرنسا لديها رؤية في المنطقة تختلف عن رؤية الولايات المتحدة «ويمكن التعويل عليها» بحيث إن واشنطن «إذا لم تقم بإعادة حساباتها من جديد وواصلت الركض وراء السراب الإيراني فإنها ستتلقى ضربات من إيران نفسها كما حدث من قبل في العراق عندما أعطت الولايات المتحدة كل الأوراق لإيران لتتحول إلى مصدر للمشاكل أكثر من صانعة للحلول». ويضيف أن الولايات المتحدة «قوة عظمى وتعتقد أنها تستطيع تدبر أمورها إلا أنها إذا خسرت الخليج فإنها قد تقامر في علاقتها بالإيرانيين الذين لن يكونوا أبدا أصدقاء للأمريكيين».
لقد حققت فرنسا مكاسب كبيرة في منطقة الخليج هذه الأيام خاصة مع ازدياد منسوب الشك والحيرة تجاه الأمريكيين مما سيجعل مهمة كيري الحالية، ومن بعدها قمة أوباما مع القادة الخليجيين، أكثر صعوبة… لكن لا شيء نهائيا في منطقة تعيش مخاضا حقيقيا ومقبلة على تغييرات لا أحد يمكنه الجزم من الآن بطبيعة ملامحها النهائية.

٭ كاتب وإعلامي من تونس

محمد كريشان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية