فرنسا ونفط العراق ـ مصالح دولة أم تأثير لوبيات

من يراقب المشهد العراقي عن كثب لن يجد صعوبة في الاحساس في ان لفرنسا الاوروبية وجود سياسي واقتصادي متميز في العراق الجديد والقديم على حد سواء. ففرنسا تدعم الحكومة العراقية في حربها عسكريا ضد تنظيم «داعش» بالاشتراك مع طائرات تابعة للتحالف الدولي عن طريق سلاح الجو بطائرات «الرافال والميراج». حيث ان لفرنسا المصنفة كخامس قوة عالمية، العديد من الطائرات الحربية المقاتلة وطائرات أخرى للاستطلاع وتزويد الوقود، بالإضافة إلى سفينة حربية في منطقة الخليج العربي.
ومن يتابع نفس هذا المشهد العراقي وعلاقته بالدور الفرنسي في شكله الدبلوماسي السلمي، يرى بوضوح هذا الحضور الفرنسي وانفتاحه الدبلوماسي المعلن على الساحة العراقية عن طريق عقد مؤتمر باريس الأول والثاني، والذي تعهد المشاركون من خلاله دعم أمن واستقرار العراق في حربه ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» المتطرف، وبكل الوسائل الضرورية وضمنها العسكرية، وضرورة القضاء على تنظيم «داعش» في المناطق التي يسيطر عليها بالعراق. ومن المنتظر أيضا أن تُنظم العاصمة باريس مؤتمراً ثالثا في ايلول المقبل لتقديم دعم أكبر للعراق في حربه ضد الإرهاب.
لكن لا يخفى على من يراقب ويتابع هذا الاهتمام السياسي والاقتصادي الفرنسي لبلاد الرافدين، في ان الأنظمة السياسية التي حكمت العراق والمجتمع العراقي لم يرتبطوا تاريخيا بفرنسا، ولم تمت حضارة العراق اللغوية والثقافية بصلة تاريخية مع ثقافة فرنسا الفرانكوفونية، كما كان الحال في لبنان ودول المغرب العربي. وما علينا الا العودة إلى التاريخ والرجوع إلى اتفاقية «سايكس ـ بيكو» بين فرنسا والمملكة المتحدة في عام 1916 التي جزأت المنطقة العربية، وحددت من خلال بنودها السرية مناطق النفوذ بتقسيم الهلال الخصيب، بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. حيث لم يكن نصيب فرنسا من هذه الاتفاقية سوى منطقة «الشام» بينما كانت حصة «بريطانيا العظمى» البقية الباقية من العراق بعربه وكرده وأقلياته بالإضافة إلى شبة الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي. ولكن هذا لا يقلل من حقيقة الاهتمام الفرنسي ببلاد الرافدين في الفترات السابقة. ففي كتاب العلاقات العراقية الفرنسية « لمؤلفه «محمد العزاوي» يرصد الباحث العراقي اتجاهات العلاقات بين العراق وفرنسا ضمن حقبة زمنية طويلة تعود إلى عام 1623 ثبتتها وثائق الخارجية الفرنسية ثم تزايد الاهتمام الفرنسي بالعراق في الربع الأخير من القرن السابع عشر حين عينت باريس، قنصلاً لها عام 1674 في مدينة البصرة. حينها أدرك الفرنسيون أهمية العراق الاقتصادية والاستراتيجية.
وعلى الرغم من هذا البعد الثقافي والسياسي للوجود الفرنسي مع العراق وحدوده الجغرافية والفكرية المختلفة، وعلى الرغم من سيطرة القوى الغربية الانكلوسكسونية على مقدرات العراق ونظامه السياسي بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 ومن ثم احتلال العراق في عام 2003، وإعادة رسم اسسه الوطنية، وتحويلها إلى اسس طائفية بدائية، نجحت باريس من التقرب من الدولة العراقية حيث تميزت العلاقات الفرنسية مع «النظام القومي البعثي» في بداية السبعينات بمتانتها انطلاقا من حرص المسؤولين الفرنسيين على تطوير العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع البلدان العربية، وانسجاما مع مفهوم «سياسة فرنسا العربية» الذي أوصى به «الجنرال ديغول» والتي تقوم على مبدأ إقامة التوازن في علاقات فرنسا العسكرية والسياسية والاقتصادية مع دول الشرق الأوسط والعالم العربي وعدم الانحياز لإسرائيل غداة حرب 5 حزيران 1967.
وقد كانت فترة علاقة فرنسا بالعراق أبان حكم رئيس الوزراء «جاك شيراك»، تتويجا لسياسة فرنسا الديغولية. حيث رأى الشارع العراقي الدور الفرنسي في ذلك الوقت، على انه الاسلوب الموضوعي والمستقل الذي أصبحت فرنسا من خلاله احدى أهم الدول المهمة في المعادلة الاقتصادية والثقافية في بلاد الرافدين. حيث تمتع الرئيس العراقي السابق «صدام حسين» بعلاقات جيدة مع باريس، و أصبح العراق من أهم الدول المصدرة للنفط إلى فرنسا، وتم الاتفاق في حينها على قيام فرنسا ببناء مفاعل نووي للعراق ومساعدته عسكريا وسياسيا. إلى ان بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في دق طبول الحرب ورفض فرنسا في المشاركة فيها الذي ترجمته استقالة وزير الدفاع «شوفينمان» وخطاب رئيس الوزراء «دوفيلبان» الشهير الرافض لاحتلال العراق الذي ألقاه في مجلس الأمن.
وقد رأت المعارضة العراقية لنظام «صدام حسين» في الولايات المتحدة وبدعم من اللوبي النفطي الأمريكي هذا التعنت الفرنسي على انه إشارة واضحة لدعم «اللوبيات» النفطية الفرنسية للنظام العراقي بعد التسهيلات المهمة التي حظيت بها في حقول العراق النفطية وقضايا اخرى تتعلق بالفساد التي رافقت قضية «النفط مقابل الغذاء»، مضيفة ان الحكومة الجديدة ستعيد النظر في صفقات حقول النفط القائمة مع الشركات الفرنسية والتعامل مع الشركات الأمريكية.
وهكذا وبمنطق الوسيلة الناجحة في الوصول إلى السلطة، اصبحت ثروات العراق أداة سياسية لبقاء الأنظمة وحمايتها وورقة رابحة في صراع القوى العالمية منذ وصول «صدام حسين» إلى السلطة، ومن ثم انتقالها إلى الأحزاب الدينية التي تُمثل مصالحها اليوم في باريس الدائرة الضيقة لوزير النفط «عادل عبد المهدي» حيث أصبحت «لوبيات» النفط الفرنسية هي الواجهة الفاعلة في رسم الخارطة السياسة في العراق الجديد. وهذا ما قد يدفع بنا بالتفكير في تشابه الأدوار الغربية أمريكية كانت أم اوروبية فيما يتعلق بمستقبل العراق السياسي واحتمالات تعنت الأحزاب المذهبية في نهجها الطائفي في حالة استمرار حمايتها وإسنادها سياسيا وعسكريا من قبل هذه الجهات.
يبدو ان هناك نية في تغيير مسار اسلوب التعامل والخروج من منطق دور سياسة المصالح بين الدول إلى دور أقل شفافية، يسمح ويشجع التعامل الشخصي بين الشركات النفطية والأنظمة الحاكمة ووزرائها، عن طريق دعم الشخصيات العراقية المتنفذة في النظام السياسي والاقتصادي النفطي العراقي والتأثير على النخبة العراقية الوطنية المعارضة لشكل الدولة الطائفية ومحاربتها وعزلها من المشهد السياسي العراقي.
وبمعنى آخر ماهي الفائدة من عقد مؤتمرات دعم العراق في الوقت تعمل شركات النفط على إدامة الوضع الطائفي وتثبيته حيث ان إدامة الوضع الطائفي الشاذ يعني الذهاب في الاتجاه المعاكس للإرادة الفرنسية الرسمية لوزير الخارجية الفرنسي المتمثلة في إعادة اللحمة الوطنية العراقية ورغبة الحكومة الفرنسية في رؤية حكومة عراقية جديدة تمثل جميع اطياف العراق للخروج من أزمة إرهاب مليشيات إيران وتنظيم داعش.
نأسف في أن يصبح القرار الفرنسي رهينة بيد الشركات النفطية وتجار حمايات الانظمة الدكتاتورية الطائفية، التي تعبث في العراق بالفوضى والرعب. فرنسا مطالبة اليوم أكثر من الأمس بتفعيل دورها الحضاري التنويري مع النخبة الوطنية المدنية العابرة للطوائف، وعدم السماح للوبي النفطي الفرنسي في تقرير مصير ومستقبل العراق، وتثبيت وحماية تجار الدين والطائفية والولاء لإيران.
أن أمل الوطنيين في العراق في أن يكون لفرنسا دور خاص في إعادة مؤسسات المجتمع المدني والمساعدة في بناء دولة مدنية تجمع كل العراقيين عربا وكردا وأقليات. المشكلة ليست في عودة البعث، أو في إقصاء الشيعة، وعودة السنة للحكم.
المشكلة هي في كيفية العمل لإعادة اللحمة العراقية وعدم السماح في أن تكون ثروات العراق وسيلة لإدامة واسناد نظام طائفي لا يمثل إرادة وتطلعات الشعب.

٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية