باريس ـ «القدس العربي»: صهيب أيوب تستعيد مارلين أول زيارة لها إلى مراكش، وهي تحاول تذكر الأيام التي قضتها في المدينة المغاربية «الساحرة» كما تصفها، في جلوسها خلف مكتبها المزيّن بتذكارات صغيرة جاءت بها من أحد أسواقها القديمة. تقول أنها تقضي في كل زيارة أفضل أيامها، متنقلة بين أسواقها وحاراتها الضيقة، ومحاولة استغلال الوقت لشراء أنسجة وسلال ومواد منزلية مصنوعة في مدن المغرب.
ولكثرة تعلقها بالمغرب، حولت منزلها وسط حي مونمارتر، إلى متحف حي، تتوزع فيه الأغراض اليدوية التي تشتريها من هناك. فهي تعدّ المغرب بلدها الثاني، الذي يمكن التقاعد فيه، «سأحقق حلمي في النهاية وسأشتري بيتاً في مراكش وأعيش فيه. لا يمكنني تخيل أني سأعيش طوال حياتي في باريس» تقول بثقة، وتضيف: «الحياة هنا متشابهة، أما في المغرب فيمكنني عيش حيوات متنوعة. انه سحر الشرق الذي لا تضاهيه أي دهشة».
تعمل الفتاة الثلاثينية مسؤولة للعلاقات العامة في أحد معارض باريس المتخصصة في الفن الحديث، «أهتم بالفن، ليس فقط كونه جزءا من مهنتي اليومية، بل هو يلامسني شخصيا، لذا أجد ان اهتمامي بالمغرب غير مبالغ فيه كما تقول رفيقاتي» تضحك بصوت عال ثم تقول ان عملها حتم عليها أحياناً السفر كثيرا في المرات الأخيرة إلى بعض بلدان المغرب العربي، وخصصت بعض زياراتها العملية إلى مدن مغربية، مثل فاس وأغادير وطنجة ومكناس، حيث تلتقي برسامين ونحاتين محليين، وتطلب منهم عرض مجموعاتهم في باريس. تقول ان الناس في باريس لا يعرفون شيئاً عن الفن المغربي ولا تكاد معلوماتهم تتعدى ما يسمعونه عن المغاربة في ضواحي باريس. فبالنسبة للباريسيين هم مهاجرون لا يريدون الاندماج في الثقافة الفرنسية أو اصوليون. وتضيف: «أعتقد ان البعض تتغير نظرته.لا سيما ان الكثير من البيوت صارت تحبذ اقتناء فنون مشغولة مغاربياً».
تؤكد مارلين وهي ترشف رشفات بطيئة من فنجان شاي بالنعناع أن «المغرب بلد مليء بالفنون. الحياة فيه فن في حد ذاتها. لا يمكن إلا ان تجد جموحاً وشغفاً يتمثل في كل ما ينتجه الناس هناك. هذا ما اكتشفناه متأخرين كفرنسيين. كان المغرب بالنسبة لنا مستعمرة بعيدة، لا نملك في أفكارنا عنه إلا ما نقله هؤلاء الجنود والعوائل اللاتي عاشت فيه في زمن الاستعمار، وبعدها جاءت الهجرات غير الشرعية لتضع أفكارا معلبة تجاه المغاربة. اعتقد ان الفن وحده خلق مساحة مغايرة، وأسس لعلاقة صحية بين الثقافتين».
حين عادت مارلين من زيارتها الأخيرة، اشترت العديد من قطع السجاد والبسط المشغولة على أيدي نسوة من الريف المغاربي. واشترت قطعاً مشغولة وفق تصاميم الفن الإسلامي من الرباط، «تعجبني النقوش والخطوط الموجودة فيها. تعطي انطباعاً شرقياً وفيه الكثير من الاشتغال الفني. وهذا أمر أحبذه في شقتي. حيث كل قطعة تتناسق في تشكيلها مع السقوف العالية والجدران المطلية بالأبيض الخافت» وتوضح أن «التطريزات مع الخطوط المألوفة في الخط العربي جاذبة أكثر من السجاد الإيراني، الذي أجده متكلفاً ويعتمد على وزنه أكثر مما يحتويه من اشتغال فني».
صديقة مارلين، وهي فنانة تشيكلية هي واحدة من تلك الباريسيات اللواتي تأثرن بالثقافة المغاربية والذوق الشعبي، الذي يتناقلنه في بيوتهن. تعدّ أولالي أطباق «الكوسكوس» المغربي مرة في الأسبوع لصديقاتها. تقول ان «الطبق مغر للغاية». وحين زارت المغرب وتذوقته في محل شعبي في أحد أسواق الدار البيضاء أعجبت به وتقول: «تعلمت إعداده على يد امرأة مغربية، وصرت أصنعه لاحقاً في البيت وأصبحت محترفة اليوم». لدى أولالي كل العدّة اللازمة للطبق، من الأواني الفخارية إلى الصحون المزخرفة وفق التصاميم المغربية التراثية، عدا عن مجموعة واسعة من البهارات التي تحرص على شرائها في كل زيارة تقوم بها «صرت أزور المغرب 3 مرات سنوياً. وأقيم لمدة شهر كامل في فاس، حيث استأجر بيتاً وأرسم فيه».
تملك أولالي تشكيلة من العباءات المغربية، التي ترتدي بعضها في الشارع، وتذهب بها إلى لقاء بعض الفنانين أو الزبائن «كانوا يتعجبون مني، لكنهم مع الوقت اعتادوا الأمر، بعد تفسيري لهم عن سبب ولعي بالمغرب». وتضيف: «الأقمشة في المغرب جميلة وألوانها مليئة بالحياة، وأحس حين أرتديها بمشاعر مختلطة وفيها شيء من الحميمية والدفء».