يتبنى الأشخاص الذي يعارضون «قانون التسوية» بسرور القول المنسوب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في احدى مداولات الكابينت: «قانون التسوية من شأنه ان يؤدي إلى تحقيق ضد مسؤولي إسرائيليين كبار في لاهاي». من المشوق أن نرى أن اولئك المعارضين ممن لا يصدقون أي كلمة لنتنياهو في شؤون اخرى، يتبنون قوله هذا كتوراة من سيناء.
هل يخشى نتنياهو حقا من أنه بسبب مصادرة حقوق الاستخدام في بضع مئات الدونمات في يهودا والسامرة (وهذه ليست حتى مصادرة الملكية على الارض) سيجرونه مع وزراء في حكومته وقادة الجيش الاسرائيلي إلى المحكمة في لاهاي؟ هراء وسوء طوية. لا يمكنني أن أفهم اولئك الذين يدعون بأن القانون «ليس أخلاقيا». فإذا كانت المصادرة أخلاقية غربي الخط الأخضر، فانها أخلاقية شرقيه أيضا. فالاخلاق كونية. وأكثر من ذلك اجد صعوبة في أن أفهم اولئك الذين يدعون بأن «القانون ليس دستوريا». فقد قرأت رجال قانون يدعون العكس تماما.
ولكن النقاش ليس في الاخلاق او في القضاء، بل في انه لا توجد امكانية على الاطلاق لفهم اولئك الذين يحاولون فرض الرعب علينا بواسطة المحكمة الدولية في لاهاي. ليس في محكمة العدل الدولية، التي تقع في لاهاي ولا تبحث إلا في النزاعات بين الدول وفقط بعد أن توافق هذه على الاحتكام في هذه المحكمة؛ بل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. فهذه المحكمة مخولة للبحث في جرائم ضد الإنسانية، في العدوان وجرائم الحرب. ومنذ تأسيسها في 2002 بحث فيها نحو 30 حالة. كلها ضد أعمال قتل شعب في أفريقيا. وبقدر علمي، لم تبحث حتى اليوم في هذه المحكمة شكوى عن مصادرة حق استخدام قسيمة مقابل تعويض. وإضافة إلى ذلك، ففي محكمة الجنايات الدولية في لاهاي لا يمكن إلا محاكمة الدول التي وقعت على «ميثاق روما» ولم تستثن نفسها من المحاكمة في لاهاي. اما اسرائيل، مثل الولايات المتحدة أيضا، فقد فعلت ذلك وبالتالي لا يمكن محاكمتها في هذه المحكمة.
في 2015، وفي أعقاب انضمام السلطة الفلسطينية إلى «ميثاق روما»، أعلنت رئيسة المحكمة بأنهم «يفتحون فحصا» بالنسبة لإمكانية ارتكاب جرائم حرب «في المناطق الفلسطينية». وهكذا، بالطبع، ليس بسبب «قانون التسوية» فتح «الفحص» هذا، بل على خلفية حملة الجرف الصامد، والادعاءات العربية بان إسرائيل ارتكبت هناك جرائم حرب. لعل هذا هو جذر هستيريا تسيبي ليفني التي تخاف من إلا تتمكن من التجول في العالم إذا ما صدر ضدها أمر اعتقال دولي. ليست القسائم في عمونه أو عوفرا هي التي تقلقها، بل «الفحص» مزدوج الأخلاق الذي فتح ضدنا قبل قانون التسوية بكثير. تدعي ليفني بحماسة، وأنا أصدقها، بانها فخورة في عضويتها في الحكومات التي قادت إسرائيل إلى حرب لبنان الثانية، إلى حملة الرصاص المصبوب (والتي في أعقابها صدر ضدها أمر اعتقال في بريطانيا) والى حملة الجرف الصامد. وحتى بوجود التأييد الواسع الذي يناله الفلسطينيون في العالم، من الصعب أن نرى كيف ستجري في لاهاي محاكمة بسبب مصادرة حق استخدام في أرض وليس بسبب ما يعرضه العرب كجرائم حرب، قتل مواطنين ابرياء، حصار، تجويع وباقي فريات الدم.
وفي هامش الأمور يجدر بالذكر أن أراضي بملكية خاصة للعرب قد صودرت لأغراض اقامة مستوطنات يهودية في اسرائيل منذ قيامها. هكذا اقيمت نتسيرت عيليت وكرميئيل على أيدي حكومات اليسار. وليس فقط «في نطاق الخط الأخضر»: تماما هكذا صودرت أراض في شرقي القدس لإقامة الأحياء اليهودية بعد حرب الأيام الستة، وهذا ايضا على أيدي حكومات اليسار. هكذا اقيمت عوفرا على ايدي بيرس ورابين، اللذين استوليا على أراضٍ بملكية عربية خاصة. وفقط قسيمة صغيرة لم يتم الاستيلاء عليها، تلك التي تقوم عليها تسعة منازل قررت محكمة العدل العليا هدمها. بن غوريون واشكول، بيرس ورابين، كلهم كانوا واعين لوجود العالم وللعداء الذي يكنه لنا. قبل ان يقرروا خطوات صهيونية مناسبة ـ راعوا ايضا هذه القوى. القوى الشديدة. وليس الفزاعات. وهم، بخلاف نتنياهو، لم يكونوا جبناء.
معاريف 7/2/2017