فساد الأنظمة الحاكمة وأوهام اليسار العربي

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «الطلياني» هي الرواية الأولى لكاتبها الباحث التونسي والناقد الأدبي واللغوي شكري المبخوت، التي توجت بفوزها بجائزة البوكر العربية في دورتها الثامنة لهذا العام. والصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 2014. وتستعرض حياة أحد المناضلين من اليسار التونسي ــ كجزء من اليسار العربي ــ بين زمنين مفصليين في حياة تونس، من بورقيبة والانقلاب عليه، وحتى عصر زين العابدين بن علي. يتماس التاريخ السياسي العربي بالكامل مع حكاية (عبد الناصر/الطلياني) بطل الرواية، بصفته يمثل مناضلي تلك الحقبة، وما يبدو عليه من شخصية شعارية تنادي بعدة مبادئ، لكنها في حقيقتها تتوقف عند ذاتها، وتفشل في التواصل، وبالتالي تنهار ومشروعها التقدمي، الذي لم تؤمن به في قرارة نفسها، وتحيا حياة فصامية رغم تحملها العديد من المآسي الحياتية والاجتماعية.

«الطلياني»

تبدأ الرواية بمشهد دفن والد عبد الناصر، الذي بمجرد أن يلمح الشيخ (علاله) ليتمم مراسم الدفن، إلا أنه ينهال عليه بالضرب والسب، لينفض المعزون وهم يصبون لعناتهم على عبد الناصر، الملقب بالطلياني، لوسامته ولونه الأبيض وشعره الأشقر، حتى أنه يوصف بكونه ابن حرام!

الجامعة

يلتحق الطلياني بكلية الحقوق، وخلال تلك الفترة تبدو نضالات اليسار والأحزاب الاشتراكية داخل الجامعة، إضافة إلى التيارات المتأسلمة، هذه البوتقة التي تتجلى فيها الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية. الحراك السياسي الطلابي وقواه المتعارضة، خاصة الفريقين التقليديين اليسار والمتأسلمين، وقد بدأت عمليات إخصاء اليسار بإعطاء المساحة للحركات المتأسلمة برعاية الدولة، هكذا فعل حزب الدستور الاشتراكي التونسي لضرب اليسار والمنظمات النقابية في تونس. الموقف نفسه افتعله السادات في مصر. ويتوحد الضدان في محاربة المناهضين لهما، وهنا تدخل شخصية (زينة) الطالبة بكلية الآداب، المؤمنة بالحرية في حدودها القصوى، والتي تكيل الانتقاد للجميع، وترى أن كلا منهما يردد نغمة التطرف ذاتها، فلكل «جهله المقدس وأصوله الكاذبة». إلا أن زينة نفسها لديها الكثير من المشكلات، التي لن تستطيع التغلب عليها، هي القادمة من الريف والهاجرة له، كمحاولة من محاولات قطع صلتها بالماضي، حتى اسمها الحقيقي (أنروز) مُنعَت من استخدامه، وفق أوامر بورقيبة، الذي منع استخدام الأسماء غير العربية، وقد جاء ذلك على هواها، لأنه يمثل حداً فاصلاً بين حياتها التي تريد نسيانها ــ الفقر والبيئة الاجتماعية ــ وحياة أخرى ترجوها. يتعّرف الطلياني على زينة، وينجذب إليها، بتحريض من مسؤولي الحزب أولاً، ثم محاولة التخلص منها ومن إزعاجاتها المستمرة، إلا أنه يحبها، ويتزوجا سراً.

الصحافة

يتخرج الطلياني ويبدأ العمل في إحدى المؤسسات الصحافية، التي تعد صحيفة قومية من صحف الدولة، ليجد الوجه الآخر للحقيقة، وأن أوهامه النضالية تتجسد نتائجها أمامه الآن، فيتحوّل إلى كثيرين كان يطولهم بانتقاداته وطنطنته الفارغة، الطلياني ابن المدينة، والمدافع عن المقهورين وطالبي الحرية، يعيش من خلال نقود أخيه الأكبر الذي يعمل في دولة أجنبية ــ الشخصية الوحيدة المتزنة في الرواية ــ حتى أن زينة تتهمه بأنه يحيا حياة البورجوازيين. أصبح مستسلماً تماماً لما يفرضه الرقيب داخل الجورنال كممثل حكومي لما يجب أن يُنشر وما لا يجب، حتى أن البطل يُشارك في هذه الجرائم حتى يأمن على نفسه وسط هذا الفساد. وللمفارقة أن هذا الرقيب الآن، ما هو إلا سجين سياسي سابق، أصبح يمثل دور الحارس للنظام، تعويضاً لما فقده في غياهب السجن. ربما الشخصية هنا ثانوية، لكنها تلقي ظلا ثقيلا على البطل وعالمه الفصامي الذي يحياه. الفساد هنا متأصل منذ الحياة داخل المدن الجامعية من ممارسات قمعية وانتهاكات على المستوى النفسي والجسدي، هكذا يورط المبخوت القارئ في الاكتشافات المستمرة لما حدث أو سيحدث في النهاية.

نساء بورقيبة التائهات

هناك موقف مفارق يدعو للسخرية ويكشف عن حقيقة المرأة في العهد الذي بشّر به بورقيبة التونسيات، هذه الخطابات الحداثية، لم يكن لها حتى فضيلة الصدى، فالواقع أعنف وأشد قسوة، وهو ما تكشف عنه الرواية خلال أحداثها في صبر شديد. طموح الفتاة وواقعها هو ما خلق لها المأساة، حلمها الذي صدقته من خلال دعوات التحرر وما شابه اصطدم بتاريخ طويل نفسي بالأساس لم تستطع أن تتخطاه. فحينما تم استدعاء والدها لما تثيره من مشكلات، كان رده أنه لا يستطيع أن يفعل لها شيئاً، فهي «ابنة بورقيبة الذي جعل النساء مستقويات على الرجال والآباء والأخوة». هذا النموذج المُدَمّر من الداخل رغم قوته الظاهرة جعل حياة زينة تنهار مع الطلياني، وقد انشغلت عن حياتهما بالعمل والنضال وكل المرادفات الرنانة، إلا انه أوصلها في النهاية لتكون رفيقة أحد الأساتذة الفرنسيين، وأن تسافر معه إلى باريس وتعيش على هواها وتترك كل ما كانت تأمله في بلدها. الوجه الآخر لهذا النموذج هو صديقتها ــ التي نام معها الطلياني ــ وهي المُطلقة، ــ بدل أن تكون خادمة لأحد، فالجميع تحت أقدامها ــ تعمل في هذه المهنة من خلال صاحبة كوافور، فأصبحت الآن عاهرة رسمية.

الطلياني وحبيبته

لماذا ضرب عبد الناصر الطلياني الشيخ في مراسم دفن والده، الفعل الذي نال بسببه سُبّة أنه ابن حرام؟ تعود الرواية إلى كشف السبب في مشهدها الافتتاحي، فالشيخ حاول اغتصاب عبد الناصر وهو في السادسة من العُمر، حاول أكثر من مرّة، ولم ينس الطفل هذا الانتهاك حتى لحظة دفن أبيه، وهو ما يقابله في حالة زينة، التي تتحدث بدورها عن اغتصابها وهي طفلة، حيث تم ذلك في ظلام لا تدرك معه مَن الذي قام بهذا الفعل، حتى أن هذا الشك ينحصر بين اثنين … أبيها وأخيها.
هذه هي الصدمة الأولى، وربما التي حاول الطلياني وحبيبته الهرب منها طوال الرواية، أو حتى التحايل عليها، فبينما ترك الطلياني للنظام اغتصاب عقله ــ رد عبد الناصر على واقعة اغتصابه الجسدي أو محاولة هذا الاغتصاب بإقامة العديد من العلاقات الجنسية مع الكثيرات، لكنه لم ينج من اغتصاب أفكاره ومعتقداته، بينما زينة أصبحت الآن ــ بعد سقوط أحلامها وطموحها المزعوم ــ إلى مُغتصَبَة بإرادتها.

من بورقيبة إلى بن علي

لم تنفصم أحداث الرواية عن التاريخ وبعض الوقائع التي يُعاد نسجها من خلال الخيال الروائي، أو التي يُستمد منها السرد الروائي متنه الحكائي. قطعة من تاريخ النظام السياسي التونسي، قد تختلف في الفرعيات مع نظام عربي آخر، لكنها تتواصل بشدة مع أسس هذه الأنظمة، التي تدعى التقدم، وتبشر بحرية ما، لكنها تستنسخ نظاماً قمعياً وحيدا، يُعاد إنتاجه باستمرار. الذي يُشير إليه المبخوت ــ وهو مُحق ــ أن أفضل رعاة لهذه الأنظمة هم الأغلبية من مناهضيها، هناك تواطؤ مزمن بين مناضل كان وخادم نظام سيكون. الأمر أشبه بالرؤية عن قرب لكيفية تربية النظم السياسية العربية لعبيدها والمدافعين عنها في شراسة ــ هم أصحاب عاهات في الأساس ــ ولا أدل من ذلك على ثورات الربيع العربي وما آلت إليه في النهاية، من عودة أخرى لنظام أشد قسوة وعداء لكل حالم صغير يحاول الوقوف في مواجهته، وانتظاره في آخر الطريق حتى يصبح بوقاً آخر من الأبواق التي ثار لإسقاطها، إلا مَن رحم ربي.
شكري المبخوت… رئيس جامعة منوبة، وحاصل على دكتوراه الدولة في الآداب من الجامعة نفسها. من مؤلفاته: «سيرة الغائب.. سيرة الآتي» 1992/ «جمالية الألفة» 1993 «تخييل الأصول» 1995/ «الاستدلال البلاغي» 2006/ «المعنى المحال» 2007/ «نظرية الأعمال اللغوية» 2008/»المعجم الموسوعي للتداولية» 2010.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية