القاهرة- «القدس العربي»: وزارة الثقافة المصرية ، كما هو معلوم للخاصة والعامة، تحوي العديد من القطاعات كلها تهتم بالفكر والثقافة والإبداع في مجالات مختلفة لا يدخل ضمنها بالقطع صناعة الفسيخ، قبل الإصابة بأي دهشة تلزم الإشارة إلى قيام الوزارة بإعداد كميات من الفسيخ احتفالاً بأعياد شم النسيم، لإثبات قدرتها على الإنتاج خارج المدار الثقافي وتحويلها الفسيخ شربات، ولم تر الوزارة على ما يبدو فارقاً كبيراً بين المنتج الثقافي والمنتج الغذائي المملح، فآثرت مشاركة المصريين احتفالاتهم بتوفير المزيد من كميات الفسيخ لسد العجز في المحال التجارية والسوق الحرة، وهي رسالة كما يراها المسؤولون ضرورية وواجبة!
السابقة الأولى من نوعها في تاريخ وزارة الفكر والرأي كشف عنها برنامج «العاشرة مساء» الذي يقدمه الإعلامي وائل الإبراشي، فقد تسللت كاميرا العاشرة إلى معمل التخليل ورصدت بالصور تفاصيل الواقعة الفريدة والمثيرة، لنرى لوناً جديداً من ابتكارات الفن والإبداع يتجاور مع القصة القصيرة والرواية والفن التشكيلي والترجمة والمسرح والسينما، علماً بأن بعض ما ورد ذكره لم يحظ بنصيب الفسيخ من العناية والاهتمام، فهناك على سيبل المثال العشرات من دور العرض السينمائية مغلقة للتحسينات منذ أعوام في القاهرة والمحافظات، ولعل سينما ريفولي التي شهدت أهم حفلات أم كلثوم خير دليل على فرط الإهمال والتقصير، فالسينما الرائدة تحولت الآن إلى أكشاك لتجار «الشنطة» الذين تسابقوا على تقسيم مدخلها في ما بينهم كأنها ملكية خاصة وضربوا أبشع مثال على القبح والعبث والتشويه.
ولو مددنا خط الفوضى على استقامته سنرى من آياته الكثير في قصور الثقافة فهي ليست أفضل حالاً من دور العرض، بل تقلص نشاطها الثقافي الفعلي وبات عملاً روتينياً لزوم حصول الموظفين على مرتباتهم وحوافزهم وعلاواتهم الدورية التي لم تنقطع، غير أن عدداً منها توقفت أنشطته لعدم وجود وسائل الحماية المدنية، منذ حادث محرقة بني سويف وإلى الآن، وأبرزها قصر ثقافة غاردن سيتي الذي يفتقد لأبسط قواعد التأمين، مع أنه الواجهة الأهم لثقافة العاصمة والملتقى الرئيسي لغالبية الرواد من المثقفين والمبدعين، وللأمانة فهو الأحرص على الاستمرار والتنوع، رغم كل العقبات والعراقيل. أما عن مؤسسات الطباعة والنشر فحدث ولا حرج، فطوابير انتظار الدور لا تزال ممتدة أمام مكاتب رؤساء تحرير السلاسل الأدبية لقاء نظرة عطف ورضا لقبول الإبداعات الجديدة من غير أهل الحظوة والمحسوبية، ناهيك عن بطء إيقاع النشر وتأخر الإصدارات بالسنوات في مخازن وأدراج المعنيين بحركة التثقيف، بدون أدنى مبالاة لما يُكتب في هذا الصدد، سواء من باب النقد أو لفت النظر لأوجه الخلل.
هناك أيضاً قطاعات أخرى تعاني من أزمات حقيقية مثل قطاع الترجمة وقطاع الفنون التشكيلية وقطاع المسرح، وكلها تم إغفال ملفاتها لعدم وجود وقت لدى السادة المسؤولين، الذين انشغلوا بصناعة الفسيخ، باعتبار أنه شكل من أشكال التراث والفلكلور الشعبي والعناية به مهمة في إطار تطوير الصناعة التي يندرج تحتها تخليل السردين والملوحة البلدي، ومن الممكن أن تُضاف إليها صناعة الرنجة لو نجحت التجربة وأثبتت جدواها، حينئذ سيتم تخصيص ميزانية تسمح بتعدد الصناعات الصغيرة المملحة وغير المملحة ويصبح السردين عنصراً رئيسياً في الوجبة الثقافية لإعطاء مذاق حار لها فتتحول من الثقافة إلى «الثقافة سبايسي» فتكون فاتحة للشهية ومحفزة على التجديد والتطوير في المنظومة المختلفة.
تلك آليات الأخذ بالأسباب في عمليات التطوير القائمة لتنمية الثقافة العصرية الراهنة والمنشودة في المستقبل القريب والبعيد!
كمال القاضي