فصل المقال فيما بين «التوبة» و«الاعتزال» من اتصال

حجم الخط
0

إن ظاهرة اعتزال الفنانين وتوقف بعضهم فجأة عن الاستمرار في عطائهم الإبداعي تعد ظاهرة عالمية لا تختص بدولة أو مجتمع دون آخر.. هي ظاهرة أيضا قديمة قدم الثقافة والإبداع الإنساني في مختلف تجلياته.
وقد عرفت هذه الظاهرة شكلين من الاعتزال: الأول اعتزال طارئ يقترن بصمت طويل، ثم فك ارتباط سلس عن كل أواصر العملية الإبداعية الفنية والتحلل من لبوسها وطقوسها. أما الإعتزال الثاني فهو اعتزال علني يفاجئنا بالصوت والصورة والتصريح الإعلامي الواعي بأهمية القرار، عبر حوار خاص أو من خلال احتفاء رسمي أو مناسبة عابرة. الأمر إلى حدود هذا السطور»الجنائزية» يعتبر عاديا ويتكرر في الساحة الفنية من حين لآخر، خصوصا في الدول الغربية التي تدور فيها العجلة الفنية ضمن منظومة عقلانية ومؤسسات إنتاج ومديري أعمال وأجندات فنية سنوية بعيدة عن الارتجال وفن الصدفة.. لكن إذا ما قاربنا هذه الظاهرة في عالمنا العربي فإن الاعتزال الفني يقترن بغرائبية انقلابه، إن لم نقل بصورته الكاريكاتورية المنمطة، التي لا بد أن تدفع بكل مهتم بالمجال الفني الغنائي والسينمائي والاستعراضي، على الخصوص، إلى التساؤل العميق حول هذه الظاهرة (الموضة) التي أضحت في السنوات الأخيرة تضرب مختلف الأجيال من الفنانين والفنانات، وليس الرواد المسنين منهم فحسب، أولئك الذين قد يشفع لهم تقدمهم في العمر والإرهاق المعنوي إلى اتخاد هذا القرار الصعب.
قد نلتمس الأعذار لبعض الفنانين الذين آثروا في لحظة انقلابهم الفجائية أو بعد سنوات عديدة من التفكير الرصين والاستشارة مع مديري أعمالهم وحتى مع أقاربهم وأصدقائهم أن يخلعوا عنهم (كوستيم) السهرات الأسود المرصع بنثارات البلور المتلألئة أو الفستان الطاووسي الأحمر المجرور فوق المرمر الوردي الصقيل، فيلقون بغتة بكل هذا البذخ المظهري في صوان التذكارات إلى جانب الأوسمة والتوشيحات وشهادات التقدير وألبومات المئات من الصور النادرة مع النجوم والمشاهير في بعض دول المعمورة.. أقول قد نلتمس لهؤلاء الأعذار ونشفق لحال سقوطهم فجأة في زوبعة طقسهم الجديد المتلبد بغمام التشكيك في ما أبدعوا وأدوا من أغاني وأدوار سينمائية، وحسرتهم في آخر لحظة على ما زعموا أنهم (اقترفوه) في محراب الإبداع الفني من انزلاقات أخلاقية جريئة، باتت بعد توبتهم تتلفع بقناعة طارئة مشوبة بشعور بالذنب وكأنهم وجدوا أنفسهم فجأة على شفير الدرك الأسفل من جهنم خالدين فيها أبدا.
هذه المواقف الارتدادية لبعض هؤلاء الفنانين تجعلنا نرتاب من جانبنا وفق عديد من المبررات حول عمق ثقافتهم العامة، بل نحفر في هشاشة مظاهرهم الحداثية المصطنعة وزيف خرجاتهم الفنية التي بصموا بها مساراتهم، ما يجعلنا بكل تأكيد نشكك في صدقية هويتهم المهزوزة، القائمة في جل الأحوال على جذور فكر غيبي ماورائي كامن في لاوعيهم، يلاحقه ما يلاحقه من تأنيب للضمير ورهاب قائم على لائحة طويلة من المحرمات وأهوال جمة من صورعذاب القبر والحساب والعقاب في الدار الآخرة، على كل ما اقترفوه من أعمال فنية (فواحش) في الدار الفانية مثلما يزعمون. فليس في نظرنا من الغرابة في شيء أن يخلد الفنان مطربا كان أم ممثلا أو غير هذا إلى راحة التقاعد الكلي وينصرف إلى حياته الخاصة ليستمتع بدفء أسرته ــ إن كانت لديه أسرة ــ إلى أصدقائه وبساطة يومياته ليعيشها كما يعيشها عامة الناس، لا كما تفرضها عليه بروتوكولات الشهرة، التي تدفع الكثير من الفنانين المشهورين للتنكر خلف نظارات سوداء عريضة وباروكات طويلة أو الهجرة إلى بلدان في الشرق العربي أو أمريكا وكندا درءا لمضايقات المعجبين بهم ومشاكساتهم، وهروبا من نيران صديقة كإشاعات زملائهم أعداء النجاح الحقودين، لكن الغرابة كل الغرابة في هذه التوبة (الموضة) الجديدة التي تنامت ظاهرتها في الآونة الأخيرة تجعلنا كنقاد فن ومتتبعين نتساءل إن كان الحقل الفني هو أيضا مستهدف من طرف هذا المد السلفي المتصاعد يوما بعد يوم، خصوصا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الأسود، الذي يجعل من أولويات معاركه نسف قيم الخلق والإبداع الإنساني الحداثي، أكان غناء أو رقصا أو سينما أو نحتا.
ومما لاشك فيه أن جل هؤلاء الفنانين المعتزلين (التوابين والمتطهرين من ذنوب الفن!) راكموا ثروة مادية مغرية وأنشأوا بفضل إنتاجاتهم الفنية مؤسسات تجارية وصاروا رجال أعمال يرتعون في حسابات بنكية مذهلة، لم يجرؤ أحدا منهم لا في الشرق ولا في الغرب العربي على التبرؤ منها باعتبارها ثروة تراكمت من أعمال يبغضها الدين الإسلامي، بل مازالت ماكينة ثروتهم تدور في الحركية المالية البورصوية وتستثمرها المؤسسات المصرفية في مشاريعها المختلفة التي ينعتها جميع السلفيين بكونها اقتصادا ربويا فاسدا يحرمه الإسلام. وفي جميع الأحوال فإن جل الأسماء الفنية التائبة تلتقي في تجاربها هاته في بعض التقاطعات الحياتية نذكر من بينها:
ـــ تواضعها الثقافي والمعرفي والعلمي واقتصار ثقافتها السطحية العامة فقط على مطالعة المجلات والصفحات الفنية ومواكبة حركية الفضاء الفني وما يمور به من أحداث وتقلبات وتواطؤات بين الفنانين، وما يعيشه الحراك الفني العربي من ميوعة وابتذال، وما يندس من تحت خشباته من ألغام وكمائن بين الفنانين، في ما بينهم ..إلخ
ـــ تشبع لاوعي هذه الأسماء بما يمكن أن نسميه بالثقافة السلفية (النائمة) على غرار ما يسمى بـ(الخلايا النائمة ). تلك الثقافة الدينية الرابضة في كمون نفسي يتربص بهم من حين لآخر في انتظار اللحظة المواتية (للتفجير) الرمزي باعتبار هذه الثقافة (النائمة) هي الهوية الحقيقية المتسترة خلف الهوية الفنية (المصطنعة) .
ـــ ارتقاء بعضهم إلى قمة الشهرة بسرعة، وفي وقت قصير، مما يعجل أيضا بسقوطهم من هذه القمة إلى حضيض (اختفائهم القسري) بسرعة وفي وقت قصير ينتهي بالخروج العلني بقناع التوبة بهدف تزييف الفشل الفني الذي وقعوا فيه.
ـــ إحساسها العارم بالمعاناة اليومية من أجل الحفاظ على التوهج والنجومية الدائمة مهما كانت التكلفة النفسية والصحية والمجتمعية.
ـــ جميع هؤلاء الفنانين أدوا فريضة الحج، سواء قبل الاعتزال أو بعده باعتبار الحج ركنا أساسيا من أركان الإسلام، ما يجعلهم يتأثرون بالأجواء الروحانية والشعائر الدينية هناك في مكة المكرمة، التي توقظ في لاشعورهم موروثا عقائديا يدفعهم إلى وقفة تأمل وتدبر في جدوى الحياة بشكل عام والحياة الفنية بشكل خاص والتفكير في الحياة الأبدية الخالدة ما بعد الموت.
ـــ عديد من هؤلاء الفنانين يزعمون أنهم أقدموا على التوبة بعد تعرضهم لواقعة أو تجربة في حياتهم الشخصية، قد تكون رؤية في المنام أو تأتي عقب نجاتهم من موت محقق في حادث طارئ أو مرور بعضهم من تجربة مرض مزمن وعضال أوشكوا أن يفارقوا بسببه الحياة..إلخ.
ـــ جل هؤلاء الفنانين يستفتون أحد الشيوخ السلفيين المشهورين في بلدهم أو في الشرق العربي حول شروط التوبة النصوحة، وحول الشروط الدينية الكفيلة بتطهرهم من ذنوب ومعاصي الماضي على ما اقترفوه في نظرهم من آثام (فنية) لم تشجع المجتمع سوى على قيم الرذيلة والفاحشة والانحلال الأخلاقي.. إلخ.
ـــ عديد من هؤلاء الفنانين وخصوصا المطربات منهم من يعتزلن الغناء بسبب إرغامهن من طرف شركات الإنتاج على إنجاز كليبات استعراضية جريئة.. حميمية موجهة بالخصوص إلى شريحة الشباب بهدف دغدغة وكهربة أحاسيسهم وجوارحهم من أجل تحفيزهم على اقتنائها أو تحميلها أو اختيارها كرنات هاتفية أو تقاسمها مع مجموعات صداقاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» و»يوتيوب» …
ـــ جل المطربين المعتزلين يتعاقدون بعد توبتهم مع شركات إنتاج أغاني وأناشيد دينية تلقى رواجا منقطع النظير في الأوساط الشعبية المحافظة مثلها في ذلك، مثل الكتب السلفية وكتب طب الأعشاب التي تعرض في معارض الكتاب السنوية في مختلف الدول العربية.
ـــ تمييع المجال الفني الغنائي وإغراقه في مستنقع العري المجاني والكلمات البذيئة والسوقية، وتحرش كاميرات المخرجين بمفاتن الجسد الأنثوي وتقديمه كبضاعة إعلامية للاستهلاك الشبقي، من خلال لقطات ساخنة يعد هذا أيضا من بين الأسباب التي تدفع بالفنانات إلى التوبة أو الاعتزال بشكل نهائي.
ويبقى السؤال المحوري في مقاربة هذه الظاهرة الموضة الجديدة في المجال الفني العربي هو: لماذا يقترن الاعتزال عند الفنانين العرب، كما قلنا آنفا، بهذا الشعور بالذنب وبتأنيب الضمير والحسرة على ما (اقترفوه) في الحياة من أعمال فنية لا تختلف الإنسانية عامة في كونها أسهمت من دون شك في إسعاد المجتمعات ودونت لتحولاتها الثقافية والأنثربولوجية والاجتماعية… كما مكنت العديد من مشافى الصحة النفسية من علاج بعض المرضى السيكوباثيين بعد سماعهم لحصص من الموسيقى الهادفة النبيلة. ولنتساءل أيضا بكل موضوعية وعقلانية، لماذا لا يقترن اعتزال الفنانين في باقي دول العالم بحسرتهم وندمهم هم أيضا على ما أنتجوه من فن رفيع وينقطعون إلى فضاءات التعبد الخاصة بهم، كالأديرة والكنائس وغيرهما طلبا للصفح والغفران؟
فلولا الموسيقار محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي والسيد مكاوي وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، ولولا أفلام الرعيل الأول من الممثلين الرواد كفاتن حمامة وعمر الشريف وليلى مراد ورشدي أباظة، لما صارت مصر أم الدنيا، ولولا الأغاني الخالدات للموسيقار المغربي عبد السلام عامر وروائع الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، ولولا روائع طرب الملحون التراثي المغربي وقصائده الغزلية والاجتماعية الساحرة (فاطمة ودبليج زهيرو والحراز .. إلخ ) ولولا الموشحات الأندلسية والأهجوزات الأمازيغية المتميزة، التي تغنت بجمال المرأة الأطلسية، ولولا الطقطوقة الجبلية وأدوار العيطة المرساوية وغيرها من الأعمال الفنية التراثية، لما عرفنا كنه العلاقات الحميمية للمجتمع المغربي، تلك الأعمال التي مازلنا وستبقى الأجيال القادمة ترددها باعتبارها جزءا من هويتنا وذاكرتنا ورأسمالنا الرمزي الذي نفخر به بين الأمم والشعوب.

ناقد مغربي

عبده حقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية