من مساوىء عصر الفضائيات أنها غرفت من القاع في برامجها الحوارية المزدحمة بالآراء، لتعطينا نخب الحماقات مقذوفين على الشاشات فنضطر للإستماع إليهم على الشاشات على أنهم من المحللين الإستراتجيين ونتفاجأ حينها بآراء غاية في الغرابة تجعلنا نتساءل إن كنا كمشاهدين قد أصبحنا أغرارا إلى هـذا الحـد أم أن هناك استخفافا بعقولنا ليخرج هؤلاء فيتحفوننا بآرائهـم.
من ذلك مثلا، الجدل الدائر في الأردن حول اتفاقية الغاز مع إسرائيل، وهي اتفاقية مبهمة التفاصيل في ضوء غياب الشفافية الرسمية الأردنية بتوضيح ملابساتها وتفاصيلها، اللهم إلا توضيح من باب المناكفة أورده نائب رئيس الوزراء الأردني جواد العناني لم يزد الغموض إلا غموضا.
تحاول قناة عريقة وجادة مثل «بي بي سي» إلقاء مزيد من الضوء على القضية، فتحاور ضيفين، هما الإسلامي ذو الفلتات العصبية النائب صالح العرموطي، وصحافي أردني سابق ويعمل الآن مدرسا للإعلام في جامعة أردنية اسمه خلف الطاهات.
الأستاذ الطاهات، وفي محاولة تمثيلية لتصنع الهدوء وضبط النفس بدأ يتحدث بلغة المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية ومنح «مشكورا على تسامحه» في حديثه الغفران لمن يعارض الاتفاقية، ثم أسهب دكتور الإعلام والتواصل المذكور حديثه بتبرير اتفاقية مع دولة احتلال من خلال عرضه لأشكال دول احتلال أخرى، حسب رأيه، من بينها إيران وروسيا!! وزيادة في عبقرية التبرير، تطرق لـ «الفيسبوك» وصاحبه «اليهودي- الإسرائيلي» حسب ما تفضل وأتحفنا به على الشاشة.
العرموطي، كان موفقا في سرد وجهة نظره كمعارض لأي تعامل أو تطبيع اقتصادي مع الكيان الإسرائيلي، لكن الطاهات خلط الزيت بالماء إلى درجة تمييع وجهة النظر التي لم نفهم منها شيئا.
وفي حالات كتلك لا نقول إلا «سقا الله» على أيام الإعداد الجيد والمحترف لضيوف الشاشة، إعداد محترف يحترم ما يمكن تقديمه على الشاشة، ولا يلتقط الغث فقط لتعبئة دقائق البث على القمر الصناعي، اللهم إلا إذا كانت غاية البرنامج ليلتها الترفيه عن المشاهدين بهذه الوصلة الكوميدية من الطاهات، والتي لا أعتقد أن المقام كان ملائما لما قاله.
عقدة النائب المصري من «الفيسبوك»
وعلى سيرة الحماقات، تبقى مصر ولادة، في عهد الجنرال المتطلع إلى السقف دوما، والمكشوف عنه الحجاب. وفي برنامج «خط أحمر» على فضائية «الحدث اليوم»، يتحفنا نائب برلماني مصري مستحدث تم انتاجه في خط الإنتاج العسكري المدهش، الذي ينتج الكثير من طحلبيات العمل العام، وهو النائب «محمد إسماعيل» فيعلن على الهواء بثقة أحسده عليها أنه سيتقدم بطلب إلى البرلمان للعمل على تقنين استخدام مواقع التواصل الإجتماعي، «الفيسبوك»، بان يتم تسجيل الحساب بالرقم القومي، وفي حالة وجود أي حسابات وهمية يتم غلقها على الفور!
هذا التردي في السياسة ومن يعملون عليها حالة مستمرة في مصر، وهذا النائب الجهبذ يمثل حالة القاع المزدحم، الذي تحول إلى نخبة في مصر، وقد تم تكميم رجال الفكر والقانون والسياسة والثقافة في مصر.
وما زال الجدل في مصر مثلا، يدور حول آخر تصريحات علامة زمانه البرلماني المصري «إلهامي عجينة» وقد عجن خلاصات خلايا مخه فعصر لنا فكرته بضرورة إخضاع طالبات الجامعات في مصر لاختبارات كشف العذرية!! وهو طلب يجعلك تتساءل إن كانت مصر قد توصلت إلى آلة الزمن المشهورة ودخلتها وعادت إلى عصور الوأد والقبيلة الذكرية.
أشاهد وأتابع وأقرأ كل هذا وأتوجع على بلد فيه أساتذة حقوقيون ومحترمون، يعانون القمع والملاحقات القضائية والقانونية بهدف تكميم أفواههم، ومن ذلك الأستاذ المحامي نجاد البرعي، أول من تعلمت على يديه في ورشات تعليمية مكثفة قبل سنوات طويلة معنى حقوق الإعلاميين والصحافيين وحرية التعبير من وجهة نظر القانون، وبينما يطالب نائب صدفة سياسية مثل إسماعيل بحجر «الفيسبوك» وتحديده برقم الهوية، أقرأ على «الفيسبوك» نفسه معاناة أستاذ كبير مثل نجاد البرعي في دخول مطار القاهرة وتأخيره بقرار أمني عالي المزاج!
لكن عندي يقين، أن النيل في مصر، لا تخونه عاداته.. في النهاية.
فضائية سودانية خاصة تهزم التلفزيون الرسمي
كنت قد كتبت أكثر من مرة عن فضائية تلفزيون السودان الرسمية، والتي كانت تشكل بالنسبة لي مع فضائية أخرى مادة دسمة للسخرية والتهكم، بل أنني فعلا قمت بوضع قائمة مفضلة للقنوات التي تبعث على النعاس الشديد والغيبوبة أحيانا.
لكن للإنصاف، أجد أن هناك قناة فضائية سودانية «خاصة» تعكس السودان بكل جماله وتنوعه وإدهاشاته، وهي «الشروق» لأكتشف من خلال تلك القناة المتطورة أن هناك إبداعا في علوم الغرافيك في البلاد، وأنه ليس من الضروري أن يتعثر «الكاميرا مان» بأسلاك وكوابل كاميرته في الأستوديو، مثلما يحدث في الفضائية الرسمية، وأن هناك برامج حوار محترمة ومذيعين غاية في الذكاء.
القصة لا تكمن إلا في إطلاق المواهب.. والإبداعات.. وفضاء حرية غير مقيد بالرقيب ولا بالبيروقراطية.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة