في الفضاء العربي، هناك محطات غير عربية ناطقة بها، تتبع مباشرة حكومات دول غير عربية، وأفكر ببعض تلك المحطات أنها تشبه «حصان طروادة» لكن الفضائي، فالله وحده يعلم كم الأجندات التي يمكن لبعضها أن يحمله لعالم عربي مشوش من المحيط إلى الخليج.
بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة لها محطاتها الموجهة باللغة العربية، وكذلك على الطرف المقابل لدى روسيا وإيران أحصنتها الطروادية كذلك، ومؤخرا انضم إلى نادي «خيول طروادة» تركيا بقناتها «تي آر تي» الرسمية، التي صارت تعبر عن الحزب الحاكم أكثر مما هي قناة دولة تركية، مما يجعلها متعددة المهام في الداخل التركي وخارجه.
بعد متابعة جيدة تم تتويجها قبل أيام بمشاهدة «برومو» انتخابي أردوغاني، حمل توقيع الدولة التركية.
عرض ترويجي بصيغة درامية ومشغول بإتقان فني محترف عنوانه: «نعم. تركيا فاقت رقعتها الجغرافيا»!!
من بين فقراته… لقطة مع صوت معلق تركي عن «فتح» اسطنبول على يد محمد الفاتح، الذي وصفه المعلق بالعظيم… وتبرير بصوت المعلق لتوقف الفاتح عن «فتح» بلغراد.
ثم فقرات مصورة في تركمانستان ودول وسط آسيا ومعلم قرية محلي من هناك يتحدث مع أطفال عن وحدة القومية التركية والأخوة!!
ثم القفلة كانت جيش تركي بأجواء الحرب العالمية الأولى… وطفل يستنهض الجيش والأتراك بكلام حماسي ومما يقوله نصا: «إن العالم يقف ضدنا… وتذكروا كيف جاء أجدادنا من ٱسيا وأخذوا الأناضول».
ثم ينتهي كل شيء بموسيقى نحاسيات حماسية… وعلم تركي وعبارة: «نعم..تركيا فاقت رقعتها الجغرافيا»!
هذا طموح طوراني مثله مثل طموح ترامب وبوتين و كوريا الشمالية ومرشحي قيادات اليمين المتصاعد في أوروبا كلها. للحظة… تذكرت صرخة اينشتاين الشهيرة: عالم واحد، أو لا عالم على الاطلاق. وعلى رأي المثل العربي الشعبي كل الجمِال تُعارك إلا جمَلنا بارك!
السيطرة على العالم… بالمعلومات
وبينما أقلب المحطات، استوقفتني «CNN» والتي كان تفسير حروفها بالعربي على سبيل السخرية الذكية «سنوافيكم نتفة نتفة»، وهي تبث تقريرا مهما وخطيرا يكشف أن وكالة الأمن القومي الأمريكية، كانت وبمهمة استخبارية حكومية تقوم بالتجسس على شركات مالية كبيرة، لاختراق حسابات وأسرار بنوك عالمية بالسر، ومن تلك المؤسسات ورد اسم مؤسسة مالية ذات منشأ عربي بالأساس، لتكبر وتصبح من أكبر المؤسسات المالية العالمية، بفروع منتشرة على الكوكب، تقرير المحطة كان صحيحا ومفاجئا، وحسب التقرير فإن الوكالة التي اشتهرت طوال تاريخها المهني غير المشرف، بأعمال الجاسوسية وزرع الجواسيس في العالم، فهي تعمل اليوم على إطلاق مسابيرها الافتراضية لاختراق أسرار البنوك والمؤسسات المالية وكشف خصوصيات كل ما يمكن كشفه لصالح الأخ الأكبر في واشنطن.
تذكرت ذات «واشنطن» وبعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 بأيام قليلة، حين جمعت الخارجية الأمريكية مجموعة صحافيين عرب، كنت من بينهم، في برنامج مكثف لتوضيح الحقائق، ومررنا في أحد الرحلات برا، بمنطقة شاسعة المساحة، مزروعة على امتداد البصر بأطباق اللاقط الفضائي، وأخبرنا يومها مرافقنا المتدرب من البنتاغون وبلغة عربية سليمة، ان كل متر مربع في العالم، يتم رصده هنا إلكترونيا!!
القصة مثيرة ومرعبة، وتكشف نوعية الحروب، التي يخوضها العالم اليوم، وتلك العقلية التي تحاول السيطرة بالمعلومات…على كل الكوكب، ونحن نشهد نتائجها الآن.
الحوار الإعلامي بين الأمس واليوم
هذا الضجيج الفضائي كله، يجعلني أحيانا أهرب إلى متعتي المفضلة في عالم النوستالجيا التلفزيونية، والوقوف على أطلال المحطات الفضائية بقديمها، الذي كان أمسا قريبا.
أحد الأصدقاء لفت انتباهي إلى مقابلة تلفزيونية تعود إلى عام 1997، مدتها تقارب الأربع ساعات، نعم حوار تلفزيوني مدته أربع ساعات، ادارته جيزيل خوري، السيدة التي تعرف كيف تغازل الكاميرا بذكاء، وكان اسمه «حوار العمر»، وضيفه الفنان الجدلي المثير للشغب دوما زياد الرحباني، وأمامه كان محاوروه الثلاثة، الصحافي بول أشقر، والسياسي اللبناني المخضرم فؤاد أبو ناضر، والوزير الأسبق والمدان بعد ذلك بسنوات بقضية أمن دولة بالتعاون مع سوريا، ميشال سماحة.
بصراحة، أجدني بعد تلك المقابلة شغوفا بالعودة إلى أرشيف الحوارات التلفزيونية القديمة لإنعاش الذاكرة والوقوف أمام محطات تجعلنا نقرأ تحولات التاريخ لفهم الواقع المعقد، الذي نعيشه، وفي الحالة اللبنانية، فإن التعقيدات تتجاوز حدود المنطق وفهم تلك الحالة عصي على من لا يحفظ التاريخ جيدا.
الحوار كان سياسيا، رغم أن الضيف فنان، لكنه فنان ذو نكهة سياسية شعبوية، وفي ذلك الوقت، كانت جماهيرية زياد جارفة، وكان ميشال سماحة – ويا للمفارقة- يدافع عن الكتائب اللبنانية كأحد منظريها، ويمرر أي انتقاد لسوريا عن طيب خاطر!!
تكشف مقابلات كتلك، كيف تكون التحولات في السياسة كبيرة ومدهشة، وان الثابت الوحيد هو التغير المستمر.
وحدهما، كما يبدو لي، لم تتغير ثوابتهم، من ضيوف هذه الحلقة القديمة، زياد الرحباني، وفؤاد أبو ناضر، والإثنان على طرفي نقيض في المواقف، ربما حد كسر العظم.
المقابلة من ناحية مهنية، كانت نموذجا للصحافة العربية اللبنانية الجميلة في عز ألقها، وجيزيل خوري كانت مديرة حوار يكشف حجم الجهد الصحافي في الإعداد مما يجعلنا نتأسف على زمن الجهد الحقيقي أمام الاستسهال الحالي، الصحافة التلفزيونية فيه قائمة على استغفال المتلقي بالمعلومة الطائرة المتاحة على النت.
وعلى حد وصف السيدة نفسها لهذا الحوار: «كانت أيام الحوارات الطويلة والتمرين الهائل للمقابلات، بما يشبه التمرين على قطعة موسيقية».
نعم… كانت الصحافة العربية كذلك يوما ما.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة