فعل السرد في مجموعة «حب فايس بوكي» للمغربي محمد بنلحسن

حجم الخط
1

صدرت للقاص المغربي محمد بنلحسن مجموعة قصصية بعنوان «حب فايس بوكي»، وتتكون المجموعة من تسعة وثلاثين نصا قصصيا قصيرا. موزعة على مساحات سردية تختلف من حيث الطول والقصر ومرتبة ترتيبا موضوعاتيا (النزاهة، العربة والنار، الحساب البنكي، هاجس النقطة، الإعراب، تحرش مغاير، فقدان البوصلة، نبأ الزيادة، القفطان الأحمر، مدارس لخرايف، بشرى من خيال، الأمازيغي، القراءة، الوجه بوك، حالة مزاجية، الضرة أو الخيانة، حيص بيص، القطب الثالث، إعفني من العربية، البطاقة، كسوف فريد، العنوان، مكر القرعة، تبا للتبان، المدار، الكاميرا، الإضراب عن الإضراب في يوم الإضراب، إعجاب، دراهم من ورقة، الجذاذة الإلكترونية، جيران، ساحرة، رجل استثنائي، جبان لا يجتمعان، المؤامرة).
هذه العناوين/الثيمات؛ تَمُتُّ بصلة وثيقة الى الأزمنة الحديثة والمعاصرة يحاور بها السارد فئات عريضة من المجتمع؛ يعبر بها عن روح العصر؛ ثيمات تفتح شهية القارئ للتعاون مع منتج النص في بناء المعنى؛ وتشديد القوانين الداخلية المتحكمة في البنية العميقة للسرد.
تقرأ هذه المجموعة باعتبارها نصا قصصيا واحدا؛ لأن كل مساحة نصية؛ تضمر حكاية قائمة الذات تأسر العقل والوجدان لكونها تعبر عن تجربة ذاتية في الكتابة تتفاعل مع أحداث واقعية وصراعات مجتمعية في زمن التواصل ولا تواصل وقصة «حب فايس بوكي» أصدق تعبير عما نعته السارد بأيام القحط الأخلاقي والجذب القيمي؛ وانطلاقا من هذه القصة الإطار ستتناسل المحكيات الصغرى المشحونة بطاقات ابداعية وتعبيرية وتخييلية؛ نهلها السارد من إمكانات سردية جديدة انزاحت عن الثقافة النمطية الضيقة؛ محتفية باللغة التراثية المنتشية بالخيال المعقلن أحيانا؛ وبرؤيا سردية موغلة في الخيال الجموح أحيانا أخرى؛ وهذا يعني أن المؤلف/السارد يجرب إمكانات سردية تحاور روح العصر وتزيل اللثام عن التابوهات من قبيل مسألة الحرمان العاطفي والجنسي؛ وكيف تتمظهر هذه التابوهات في سياق اكتساح وسائل الإعلام والتعابير الإلكترونية للساحة الثقافية؛ بل إن هذه الأضمومة تشكك القارئ المفترض في محدودية هذه الوسائط وعجزها عن التأثير في أجيال واسعة من الشباب على امتداد المجتمعات العربية؛ ثم إن السرد؛ ينفذ عميقا ليسائل هذه الوسائط في علاقتها بالوجود الإنساني؛ الذي تحول إلى بضاعة مزجاة؛ وعبثية الحياة التي تشعر بها شخوص هذه الأضمومة خير دليل على ذلك؛ يقول السارد:
«اختصرت له المسافة وأحلته إلى ملفها الشخصي الموضوع على الجدار… وأكدت له أنها عازبة؛ لم يصدق أنه أحبها قبل الشات… دام الشات أياما قليلة تقوت خلالها عاطفتها المشبوهة وأزهر الغرام في قلبيهما…عبر العوالم الافتراضية ..»..
إنها نصوص لملمت جراح الذات المبدعة التي انخرطت بعفوية وتلقائية في شؤون المجتمع وشجونه تحفزها رغبة جامحة في نقل أحداث ووقائع تجد سندها في واقعنا الجريح؛ فكل مقطع سردي يضمر حوارا عميقا ورصينا مع أخيلة مفترضة تتفاعل بدورها مع عوالم نصية تنهل من البيئة المغربية وتحديدا مدينة فاس العريقة، التي ارتوى المؤلف/السارد بمائها؛ واكتوى بنارها واستنشق رحيقها سنين عددا. وقد انخرط السارد في قضايا المجتمع (الحب -النزاهة – الحساب البنكي – الكفاءة – التحرش- نبأ الزيادة- القفطان الأحمر- مدارس لخرايف – الأمازيغي- القراءة – الضرة – الخيانة – اللغة العربية القرعة…) توجهه مقصدية خاصة تتجلى في إدانة هذا الواقع الجريح عبر فعل السرد الذي لملم جراح الذات المبدعة وزودها بتراكمات سردية موغلة في الأزمنة المعاصرة الفاقدة للبوصلة والدالة على حالة مزاجية تجاه القراءة في زمن الشات. وشح القراءة. والعواطف الجياشة.
وإن كانت الذات المبدعة قد تخلت عن سلطة الحكي لتمنحها لموت العوالم الافتراضية والجداريات الزرقاء على لسان شخصيات مهلهلة فاقدة للحس الاجتماعي والإنساني تنسج علاقات افتراضية يشتد فيها الصراع بين ما هو اجتماعي وسياسي وثقافي وتربوي، هو صراع يخلخل مظاهر الزيف ويجادل ضد الخطابات البراقة المغلفة بالمكر والخداع والنفاق وانتشار النار في الهشيم، على حد تعبير السارد.
تكشف النصوص عن تجربة ذاتية في الكتابة تتفاعل مع مجتمع المعرفة والمعلومات وتختلف كل الاختلاف عن التجارب القصصية، إن على مستوى اختيار الثيمات/موضوع الحكي، أو على مستوى اللغة التي تمزج بين المعجم التراثي والمعجم الافتراضي. أما الرؤية السردية فهي وثيقة الصلة بالواقع الممكن الذي يستعين بهلامية العوالم الافتراضية، وهذا ما يمنح هذه التجربة الإبداعية خصوصيتها الفنية والجمالية، وهذه الخصوصية تكمن أساسا في إعادة تشكيل العوالم الافتراضية وتأثيث الفضاءات وتبئير ملامح الشخوص، وخلق علاقات خفية بين الواقع والممكن بلغة ساخرة جدا… يقول السارد في قصة «بشرى من خيال» (نص الخبر: مصادر في حكم الموثوقة أكدت اقتناع الجهة الوصية على التعليم بضرورة تمتيع رجال التعليم ونسائه بحقوقهم كلها بعد النجاح غير المتوقع للإضراب الأخير فاجأ المتتبعين كما المسؤولين لكن الرواية المؤكدة لحدود تداول هذه القصاصة تفيد بإمكانية تلبية المطالب الملحة والمتمثلة في تخفيض ساعات عمل الأساتذة في الابتدائي إلى 24 ساعة وفي الاعدادي إلى 21… أما التأهيلي فستقلص إلى 18…وبالنسبة للمبرزين 14 ساعة.. أما التقاعد فستكون الزيادة فيه اختيارية، كما ان حوافز مادية جديدة ستعمم على أطر التدريس ابتداء من فاتح يناير/كانون الثاني 2016… لكن الجهة المسربة للبشرى السارة ذكرت أن الوزارة ستشترط للوفاء بهذه الحزمة المطلوب أسفله انطلاقا من نص الخبر اعلاه أكتب نصا تخييليا مستفيدا مما حصلته في حصة اكتساب مهارة نص تخييلي…. ملحوظة يراعي خلال التقويم خلو المواضيع من الواقعية والقدرة على التحليق باستعمال تقنيات الخيال المجنح). والجميل في هذه الأضمومة القصصية هو أنها تشرك المتلقي المفترض في فك شيفرات النص الإلكتروني وتترك له المبادرة التأويلية لخلخلة أنساق النص المترابط واتخاذ مواقف وانطباعات وتأملات من المفارقات التي يشي بها العالم الأزرق، والقارئ سيكون ملزما بملء البياضات والفراغات والفجوات إن على مستوى البنية الحكائية أو على مستوى بنية اللغة التراثية الرصينة التي تلخص لحظات زمنية دالة تدل على روح العصر.

(٭) «حب فايس بوكي»: مجموعة قصصية .
المؤلف محمد بنلحسن، الناشر مطبعة وراقة بلال فاس الطبعة الأولى 2015
٭ ناقد وقاص مغربي

فعل السرد في مجموعة «حب فايس بوكي» للمغربي محمد بنلحسن

امحمد امحور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية