عند إعلان كيري ولافروف عن موعد الهدنة في سوريا، صدرت تصريحات للمعارضة السورية، بأنها قد ترفض الهدنة، وكأن هناك من يكترث أو يصدق أن مواقفها كانت جدية، ثم تعود هيئة المفاوضات لتعلن أنها قد توافق على هدنة لمدة أسبوعين، وأن الجيش الحر وافق على الهدنة..
وكأن فترة الأسبوعين هي لحفظ ماء الوجه لا أكثر.. إذ أنها المرة الأولى التي يتم فيه تجاهل أعراف دبلوماسية من قبل جهة يفترض أنها تمثل معارضة للشعب السوري، فتوقيع هيئة المفاوضات على بنود اتفاق الهدنة، الذي لا يشتمل على فترة الأسبوعين، ثم تعلن لجمهورها وتقدم له اتفاقا آخر للاستهلاك المحلي يتضمن فترة أسبوعين ـ حقيقة كل هذه التصريحات من قبل هيئة المفاوضات والمعارضة هي للاستهلاك الشعبوي المحلي ـ تصريحات لا قيمة لها وموجهة لجمهورها فقط، وهي تكرار لتصريحات ومواقف وهمية اتخذتها المعارضة من قبل، عندما أعلنت وعلى لسان قادتها أنها لن تشارك في مفاوضات جنيف إلا بشروط، منها وقف القصف وإطلاق المعتقلين وقبلها تنحي الأسد، وعادت لتصدر بيانا تعلن فيه مشاركتها بعد جلسة مع وزير الخارجية السعودي الجبير، وقبلها أعلنت قيادات من المعارضة ومن الفصائل العسكرية وبالذات «جيش الإسلام» و»أحرار الشام»، انهم لن يوقعوا على مقررات موتمر الرياض الذي أنتج هيئة المفاوضات، وأطلقوا بيانات شجب واستنكار وتصريحات خطابية انتشرت كالنار في الهشيم لدى أنصارهم، قبل أن يفاجأوا بتوقيع كل الفصائل، ومن ضمنهم ممثل «أحرار الشام» النحاس على بيان مؤتمر الرياض، في الوقت الذي كان قادة فصيله يعلنون أنهم رفضوا التوقيع على مؤتمر الرياض الذي شكل هيئة لمفاوضة النظام، على أساس القبول به كدولة ومؤسسات عسكرية، وبدون الحصول على أي تعهدات كانوا قد طلبوها بإزاحة الاسد، الذي سيبقى على رأس السلطة وبدعم إقليمي ودولي، كما يشير تطور الأحداث حتى اليوم. إذن كل المواقف السابقة التي اعلنتها المعارضة هلامية ووهمية، فقرار المعارضة السورية هو بالكامل بيد الدول الداعمة العربية، والدول الداعمة العربية منحت صكا مفتوحا على بياض للامريكيين منذ سنوات بالشأن السوري، والمؤسف أنه في المقابل تتصلب الدول الداعمة للنظام السوري، وعلى رأسها ايران، في مواقفها ولا تقدم للولايات المتحدة أي تنازلات، بينما حلفاء الدول الغربية من الدول العربية قدموا كل التنازلات، رغم أنهم يصنفون كأقرب حلفاء القوى العظمى الولايات المتحدة وليسوا في محور الشر كإيران، واللافت أن معظم قيادات المعارضة السورية لا وجود لهم لا شخصيا ولا تمثيلا سياسيا في مناطق المعارضة، على عكس كل قادة الثورات في العالم، ثم أن الجيش الحر وفصائله المئة التي أعلنت الموافقة، لا وجود له على الأرض، كما يتصور قارئ البيان. معظم الفصائل صغيرة واعداد مقاتليها عالورق فقط، وهي سياسه اتبعتها معظم فصائل الحر لاستلام الدعم والرواتب منذ سنوات، والأهم أن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر لا تتعدى ثلث مناطق المعارضة جغرافيا، بينما تسيطر «الدولة الإسلامية» و«النصرة» وفصائل أصولية مرتبطة بها و«أحرار الشام» و»جيش الإسلام» على باقي المساحات المهمة، من بينها مراكز المحافظتين الوحيدتين الخارجتين على سلطة الأسد، الرقة وادلب.
صحيح أن حلب المدينة وريفها الشمالي، وريف دمشق تحت نفوذ الجيش الحر والفصائل الاسلامية المرتبطة بالانظمة كـ»أحرار الشام» و»جيش الإسلام»، لكنها أصلا مناطق محاصرة بشكل شبه كلي من النظام وساقطة عسكريا منذ نحو عامين، ولم تحدث بداخلهما أي مواجهات عسكرية حقيقية منذ اشهر.
لذلك يركز النظام والدول الداعمة على إظهار آثار الهدنة على هاتين المنطقتين بالذات، لانهما خاضعتان لفصائل ستلتزم فعلا بالهدنة، على عكس مناطق أخرى تنتشر فيها «النصرة» والدولة والجهاديون ستظل مسرحا لعمليات قتالية كبرى. أما المناطق الاخرى التي يوجد فيها الجيش الحر فقد شهدت اصلا تقدما كبيرا لقوات النظام في الفترة الاخيرة بعد التدخل الروسي، فاستعاد معظم ريف اللاذقية، ومعظم ريف حلب الجنوبي، واجزاء مهمة من درعا، ومعظم ريف حلب الشمالي بمعونة الأكراد، وباتت أهم فصائل الجيش الحر المدعومة عربيا ودوليا تسيطر فقط على بلدة اعزاز الحدودية مع تركيا، وباقي مواقع تلك الفصائل المعارضة، إما محاصرة أو بلا قيمة استراتيجية وازنة، فهي بالتالي لا تملك واقعا ميدانيا يؤهلها للتأثير او الضغط كورقة تفاوض مع النظام.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام