القاهرة ـ «القدس العربي» : عامان مرا بمصر وبرلمانها مغلق حتى إشعار آخر، وخلال هذه الفترة صدرت تشريعات تقترب من خمسمئة تشريع، مما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا نعيش في دولة الحكم المطلق، التي يصبح خلالها الحاكم هو المعلم والشعب تلميذ في المرحلة الابتدائية..
ولأن الانتخابات التشريعية لازالت في رحم الغيب، فمن الطبيعي أن يلازم الخوف صناع ثورة يناير/كانون الثاني الذين احتضنهم الجميع في السابق، ثم ما لبثوا أن تبرأوا منهم على النحو الذي مازال يجري، حيث تشهد العديد من الصحف حملات على وجوه ثورة يناير، الذين أصاب أغلبهم اليأس، فتقلص بهم الحلم لحد الحصول على مقهى يجلسون عليه وسط المدينة، بعد أن أغلقت السلطات جميع المقاهي هناك لتجفيف منابع الثورة، التي بدأت من على المقاهي وانتهت لحزن جاثم على الصدور. فيما تبدو سيناء منسية لا يتذكرها سوى الجيش الذي يخوض حرباً لاهوادة فيها ضد الإرهاب وعناصره، بينما يدفع أهلها الثمن من مستقبل ابنائهم المحفوف بالغموض والمجهول. أما القاهرة فبدت مشغولة بقضايا أخرى أبرزها هذا الحضور الاستثنائي لوزير العدل المستقيل، محفوظ صابر في عموم صحف أمس، فقد طغت أخبار الرجل الذي أجبر على الاستقالة، وفق ما تردد، بعد أن أعلنت مصر أمس غضبها من أجل عمال الزبالة، الذين أهانهم الوزير بتأكيده أن ابناءهم ليس من حقهم أن يلتحقوا بسلك القضاء، وهي التصريحات التي من أجلها أعلن الرئيس السيسي غضبه الشديد، داعياً المسؤولين إلى عدم استفزاز المواطنين، وقد علَّق صابرعلى خبر استقالته، قائلا: «أنا قبلت الوزارة من أجل مصر وبنسحب من الوزارة من أجل مصر أيضًا». وأضاف، أنه عندما ترشَّح للوزارة أول مرة وجد أن هناك خلافًا بين رجال القضاء على تعيينه وزيرًا للعدل، فرفض الأمر وعندما تم ترشيحه للمرة الثانية قَبل به.. ودخل المستشار رفعت السيد، رئيس محكمة جنايات القاهرة الأسبق، في المواجهة حيث أكد أن محفوظ صابر، وزير العدل المستقيل، ينتمى لأسرة قضائية، لكن والده لم يكن يعمل في سلك القضاء، وأكد أنه التحق بالقضاء عبر والده، الذي كان يمتلك أراضي زراعية بمساحات شاسعة في كفر الزيات في محافظة الغربية، وسانده عمه، المستشار محيي الدين عبدالعزيز، أحد شيوخ القضاة في مصر، وكان لافتاً أيضاً إعلان رئيس نادي القضاة أحمد الزند استمرار تعيين ابناء القضاة في ذلك المرفق، وهو ما يعترض عليه الكثير من الداعين إلى ضرورة إلغاء كافة أشكال التمييز. أما ثاني الشخصيات التي حظيت باهتمام الصحف أمس فكان حبيب الملايين اللاعب محمد أبوتريكة الذي يحظى بتعاطف واسع من قبل الكثيرين، بعد أن أصدرت السلطات القضائية قراراً بالتحفظ على أمواله، وإن كان اللاعب قد تعرض لهجوم من قبل خصوم الإخوان على إثر مطالب أنصاره بإلغاء القرار الخاص بالتحفظ على أموال شركته.
وزير من رائحة مبارك
البداية مع الهجوم الطاغي على وزير العدل بسبب زلة لسانه التي كلفته منصبه، بعد أن تعامل باحتقار مع الفقراء وها هو محمد عصمت في «الشروق» يقلب على الرجل المزيد من المواجع: «قال الوزير بوضوح تام إنه يرفض تولي ابن عامل النظافة منصب القاضي، لاعتبارات تتعلق بالوسط القضائي بتركيبته الاجتماعية، ولاعتبارات نفسية تتعلق بابن هذا العامل البسيط، الذي سيصاب بالاكتئاب إذا أصبح قاضيا، بالإضافة إلى أن القاضي ينبغي أن يكون له شموخ. ويرى الكاتب أن آراء الوزير الصادمة لها أكثر من دلالة، أولها أن أفراد السلطة القضائية في مصر مطالبون بإعادة النظر في مواقف كبار رجالها، في ما يتعلق بامتيازاتهم ومرتباتهم الغامضة، وامتلاكهم حصانات غير محددة المعالم، ثم يريدون في النهاية إعطاء أولادهم الحق الحصري في العمل في سلك القضاء، بدون وضع أي اعتبار لصحيح الدستور والقانون، بل وقيم العدالة نفسها المفترض أنهم حراسها الأوفياء، وبحسب محمد، كشفت آراء الوزير عن مدى الرياء الاجتماعي الذي يضرب حياتنا من جذورها، فما قاله الوزيرــ بلا دبلوماسية ــ يعبر بصدق عن الأفكار الحقيقية لملايين المصريين الذين يرددون بشيزوفرينيا واضحة أفكارا مثالية عن العدل والمساواة وحقوق الإنسان، ويستنكفون تطبيقها على حياتهم الخاصة، وهو ما يكشف بجلاء مدى الانحطاط الثقافي والتخلف السياسي والسقوط الأخلاقي لأسلوب حياتنا، الذي عجزت ثورة 25 يناير/كانون الثاني بشعاراتها الكبيرة حول العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية عن تغييره.
أما الأهم وفقاً للكاتب فإن آراء الوزير أكدت بوضوح الحضور الطاغي لدولة مبارك، وكشفت عجزنا عن مواجهة قيمها الطبقية الفاسدة وظلمها الاجتماعي، الذي يكرس الثروة والسلطة في يد أقلية تملك وتحكم، في حين تعيش الغالبية في بؤس وشقاء تاريخي، ويؤكد عصمت أن ما قاله الوزير ليست أفكارا تعبر عن قناعاته الخاصة، بل إنها تعبر عن فلسفة الحكومة التي عينها الرئيس السيسى شخصيا».
يا ظالم..!
ونبقى مع المعركة المشتعلة بسبب الوزير نفسه وهذه المرة يطلق عليه النار حمدي رزق في «المصري اليوم»: «الوزير الظالم يضن بالمستشارية على الزبال الشغال، الشريف الذي لم يسرق ولم ينصب، وعايش بشرفه، ويأكل لقمة عيشة مغمسة بتراب السكك. يتابع رزق هجومه: وزير الظلم يستكثر على ابن الزبال المتفوق، المؤدب، النابه، أن يرفع رأسه ويطاول ولاد الأكابر، أن يشمخ عالياً، كارثة مجتمعية يقول بها وزير العدل ولا يجفل، يلقي بالدستور في وجوه ولاد الزبالين. ويأسف الكاتب على بلاد البهوات حيث ابن الزبال يشتغل كنّاسا، يشتغل شغلة أبوه، يكنس تحت أقدام ابن الباشا الوزير، أولاد السواد الأعظم من المصريين الفقراء العظماء، وهم فلاحون وعمال وصنايعية وحرفية، ليس لهم في وظائف الدم الأزرق نصيب، هناك وظائف فوق لولاد الناس اللي فوق، ووظائف تحت للناس اللي في بير السلم، من يرتقي السلم يلزمه بيئة مناسبة، أبوه مستشار وعنده مكتبة قانونية، مش مقشة من سعف النخيل. ويعاود حمدي هجومه: بقى ابن الكناس والبواب والفلاح والأسطى الصنايعي، هم من سينقضون وضوء القضاء، شموخ القضاء في أحكامه، وهيبته في عدله. وتساءل حمدي: متى اقترن الشموخ بولاد الأكابر، من قال إن الهيبة رهينة بولاد البهوات؟ بلاش نفتّح لبعض، خلي الطابق مستور، وإن كنتم نسيتوا اللي جرى هاتوا الدفاتر تنقرى.. نص اللي في السجون ولاد النرش والباقى إخوان. يا وزير العدل، أنت ظالم، أشكوك إلى الله، الناس سواسية، حرام ولاد الغلابة النابهين يروحوا في الوباء، وباء التمييز على الأصل الاجتماعي، بحسب كلامك، وبعظمة لسانك، كده ومن زمان، وظائف القضاء محجوزة لأبناء البهوات، «ما أنتم إلا عبيد إحساناتنا».
لماذا لا نقيم عيداً للزبالين في هذه المناسبة
الكاتب جمال الجمال في»الوطن» اعتبر استقالة وزير العدل بسبب تصريحاته العدوانية مناسبه لتدشين عيد للنظافة: «أقترح على رئيس الجمهورية إصدار قرار سريع بتخصيص يوم 11 مايو/أيار عيدا للنظافة، ولا يشترط أن يكون إجازة كمعظم أعيادنا الرسمية، وأقترح أن ننزل جميعا في هذا اليوم من أماكن العمل إلى الشوارع حاملين «المقشات» وأدوات النظافة، وفي المقدمة كل المسؤولين التنفيذيين القادرين في الدولة، من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء إلى أصغر موظف، لنشارك عمال النظافة عملهم، نكنس الشوارع وندهن الأرصفة، ونجمع القمامة. ويتابع الجمل إحساسه بالسعادة في «المصري اليوم»: «هذه فرصة عظيمة يجب ألا نهدر تخليدها، ففي هذا اليوم تقدم وزير باستقالته معترفا بخطئه في حق عامل النظافة، انتفض شعب يتمسك بدستوره، ويدافع عن الفئات المهمشة المطحونة في مواجهة ظلم (مقصود أو غير مقصود لا يعنيني الآن)، لكن المهم ألا نترك هذا اليوم العظيم ينزلق من ذاكرة الوطن إلى بالوعة النسيان والإهمال. ويرى الكاتب أن النظرة الإيجابية لردة الفعل على تصريحات المستشار محفوظ صابر، تؤكد بقوة أن مصر تتغير بإرادة شعبها، وأن أي سلطة لن تستطيع أن تمنع هذا التغيير، مصر لن تعود إلى الوراء، فقد عرف الشعب طريقه، وسوف يضغط بكل الوسائل للانتقال من حالة «عزبة الكبار» إلى حالة «الدولة الناعمة» التي تتخلص (بمزاجها أو رغما عنها) من أساليب البطش والقهر والوصاية على الشعب».
وداعاً.. يا عراق
ونبتعد مؤقتاً عن الأوضاع الداخلية ونولي بوجوهنا شطر العراق الشقيق الذي يتعرض لمؤامرة يحدثنا عنها محمد سيف الدولة في «الشعب»: «تحت أبصارنا جميعا، ورغما عن أنوفنا، بل وبمشاركة أنظمتنا، يشرع الأمريكان اليوم في وضع اللمسات الأخيرة في مشروع تقسيم العراق، الذي لم يخفوا نواياهم فيه أبدا، بل أعلنوها جهارا نهارا، هم والصهاينة منذ سنوات طويلة، إدراكا منهم أن العرب لم يعد لهم حول ولا قوة، فبذريعة تزايد النفوذ الإيراني في العراق، والسياسات الطائفية للحكومة العراقية، مررت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي في الأيام الماضية، مشروع قانون يدعو صراحة لاعتبار الاكراد والسنة بلدانا مستقلة، حتى يجوز تسليحهما مباشرة بعيدا عن السلطة المركزية العراقية. قد تبدو الذرائع حقيقية، لكن النوايا والتوصيات والمخططات، كما يشير الكاتب، شديدة الخبث. محذراً من أن الهدف الحقيقي حماية واستكمال مشروع بناء دولة كردية في شمال العراق، تقف هي وجنوب السودان جنبا إلى جنب مع الدولة اليهودية الصهيونية في فلسطين، كنماذج للدويلات الطائفية والعرقية التي يريدون تخليقها على انقاض الوضع العربي، أما عن دور مشروع القانون المذكور، الذي طرحه النائب ماك ثورنبير، وبحسب الكاتب، فقد نص صراحة على أن هذه الخطوة تقتضي اعتبار كل من السنة والأكراد «بلادا مستقلة»، حتى يتسنى تسليحهما بشكل مباشر، بعيدا عن السلطة المركزية، وفقا للقانون الأمريكي. ويرى محمد أن المأساة الحقيقية ليست في القانون ولا في المخططات والنوايا الأمريكية والصهيونية، وإنما في المجتمع العربي الذي يقف عاجزا مستسلما لعملية ذبحه وتقسيمه».
مؤامرة على الرئيس وهذه هي الأدلة
ولازال الحديث عن مؤامرة يتعرض لها الرئيس مستمراً، ويبدو أن دندرواي الهواري لديه أدلة يطرحها لنا في «اليوم السابع»: «حادث انقطاع الكهرباء عن مبنى الإذاعة والتلفزيون، الذي يعد رمز إرادة الأمة، ومن قبله انقطاع التيار عن مدينة الإنتاج الإعلامي، وما يحدث داخل دواوين وإدارات وزارات الكهرباء، والتربية والتعليم والداخلية والتموين، يندرج تحت عنوان المؤامرة على الرئيس، يقودها تحالف الإخوان والمتعاطفون معهم من جهة، وإمبراطورية الفساد والإهمال من جهة ثانية. السيد الرئيس، تعلم أن ملايين المصريين الذين خرجوا لاختيارك رئيسا للبلاد في شبه إجماع شعبي، كان بهدف جوهري، إعادة هيبة الدولة، والضبط والحسم، وإعلاء شأن دولة القانون، ولكن وبمرور الوقت، بدأت خيوط الحكومة المركزية التي تربطها بالإدارات والوحدات المحلية في المحافظات المختلفة، في الضعف والترهل، وفي طريقها إلى التقطع والانهيار. ويخاطب دندراوي الرئيس قائلاً، فقدت الحكومة المركزية شبه السيطرة على الإدارات والمؤسسات في الأقاليم المصرية، وحالة من العصيان العمدي مبعثه أمران، الاختلاف السياسي والأيديولوجي، ويقوده أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية والمتعاطفون معها، والثاني بحسب الهواري الفساد والإهمال الذي عشش في كل ركن من أركان المؤسسات. خذ على سبيل المثال لا الحصر، ما يحدث في 3 وزارات فقط، الداخلية والكهرباء والتموين، ونبدأ بالكهرباء، حيث تحولت الإدارات والهيئات إلى مستعمرة إخوانية، يسكنونها مثل «الوطاويط»، ويعبثون فيها فنيا وإداريا، ويمتلكون خرائط أماكن ومفاتيح التحكم في الكهرباء، تحت سمع وبصر كبار المسؤولين، ليحولوا البلاد إلى ظلام دامس، ويقطعون التيار عن المؤسسات الاستراتيجية، مثلما حدث في مبنى ماسبيرو، وهنا مكمن الخطر، فالذي استطاع أن يقطع الكهرباء، يستطيع أن يلقى بيانا كارثيا، يحول البلاد إلى فوضى عارمة».
الشعب في واد والرئاسة في واد آخر
هل تم ترسيم الحدود البحرية لمصر؟ لا نعرف. الترسيم يمكن أن ينقل حقولا من الغاز من مصر إلى إسرائيل أو قبرص، من يتحمل تلك المسؤولية؟ كيف لمصر أن تقوم بتصدير الغاز إلى إسرائيل ثم فجأة تعود اليوم لاستيراد الغاز منها؟ لا نعرف. من الواضح والكلام لنجاد البرعي في «الشروق» أن مصر يتم حكمها بقرارات انفرادية يتخذها الرئيس وعدد من مستشاريه غير المعروفين. ويؤكد الكاتب على أنه للمرة الثالثة تصدر الموازنة العامة من دون رقابة شعبية. لا يعرف المصريون شيئا عن الإيرادات والمصروفات؛ وأولويات الإنفاق، لا نعرف قيمة المعونات التي تلقيناها والمبالغ التي استدانتها الدولة وسنسددها، ولا شروط الدائنين والمانحين. متى ستجرى الانتخابات البرلمانيه تحديدا؟ لا نعرف. يتابع نجاد بلهجة المستنكر لما يجري: لا يعرف أحد على وجه الدقة ما هي نتيجة التحقيقات في قضايا الفساد التي أحالها رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات إلى النيابة. يقال إن قيمة الأموال المنهوبة تجاوزت خمسين مليار جنيه، هل الرقم صحيح؟ لا نعرف.
ويكشف الكاتب مزيدا من الأمثلة التي تؤكد غياب الشفافية: لا نعرف بالضبط أي جهة كانت تحتجز الإثيوبيين؟ وكيف حررتهم مصر؟ خروج الرئيس لاستقبالهم في المطار لا يتناسب مع ما تردد من أنباء بأنهم مهاجرون غير شرعيين تم احتجازهم وترحيلهم! يتسمم المئات من مياه الشرب في الشرقية، وينشر أن المياه ملوثة بالصرف الصحي في قنا وأماكن أخرى، هل هذا صحيح؟ لا نعرف. هل الفوسفات الذي غرق في النيل مضر بالصحة.. أم أنه يساعد على نمو أجساد المصريين؟ لا نعرف. ماذا حدث لجهاز علاج الإيدز وأين اللواء عبدالعاطي، لا نعرف.
الرئيس وحكومته محتاجون إلى أن يثقوا قليلا بالنخب السياسية والثقافية لمصر، وأن يحترموا الأحزاب السياسية مؤكداً على أن فكرة الزعيم الملهم لم تعد صالحه في القرن الجديد. الزعماء الملهمون قادوا بلادهم إلى أوضاع كارثية رغم حسن نواياهم».
بأي ذنب يغتالون أبو تريكة؟
قد لا يكون أبو تريكة عضوًا في جماعة الإخوان وقد يكون، وفي الحالتين لم نسمع منه كلمة واحدة ضد الدولة المصرية أو 30 يونيو/حزيران، كما يشير نبيل عمر في «التحرير» مضيفاً: «لم يحدث أن رفع شعار رابعة في أي وقت، وثبت أن ما قيل عن إمداده اعتصام رابعة بدعم مالي ومعنوي لم يكن صحيحًا، ولا يمكن أن ننكر أنه كان متحفظًا خلال العامين الأخيرين، وليس له تصريح واحد يعلن رأيه فيه عما يدور على أرض مصر بعد إزاحة الإخوان عن السلطة. وقد قرأ نبيل مستندات التحفظ على أموال شركة أبو تريكة لانتماء ملاكها إلى جماعة الإخوان المحظورة قانونا، ولم يجد سطرًا واحدًا يفيد بانتمائه إلى الجماعة، وهذا ليس معناه أنه ليس عضوا فيها. يتابع يقال إن محضر تحريات هو الذي نسب إلى أبو تريكة انضمامه إلى الجماعة.. لم يُبد أبو تريكة رأيا واحدًا يفهم منه أنه عضو في الجماعة المهم الذي يراه الكاتب أن نجمًا بحجم محمد لا يجوز أن يكون محل اتهام من دون دليل وبرهان، فالرجل ذو شعبية كبيرة، وجماهيرية واسعة، وهذه الجماهير في حاجة إلى أدلة تقتنع بها، وهي ترى واحدًا من ألمع نجومها متهما».
قراء مع أبوتريكة وآخرون ضده
ونبقى مع القضية التي جرّت على النظام الكثير من الهجوم، والذي عرف طريقه أيضاً لجمال سلطان في «المصريون»، لأنه كان محايداً في تناول القضية، فهاجمه أنصار أبو تريكة، كما تعرض لهجوم من أتباع السيسي ومن ضمن الرسائل التي تلقاها رسالتان الأولى من القارئ عبد المنعم شوقي يقول له فيها، ألا ترى أنك بعنوان مقالتك -السيسي في مواجهة أبو تريكة- قد سعّرت حربًا بلا هوادة ممن لا يرحم في مواجهة مَن لا سند له؟ ولا تؤاخذني هل أو قل إلى أي مدى ستقف أنت بجانبه؛ ما هكذا تورد الإبل أستاذنا الفاضل رحماكم بأبي تريكة تكلم عن الظلم بأي ذنب يظلم هذا المحبوب، لو كان عنوان المقالة بأي ذنب يؤاخذ أبو تريكة؛ أو حتى أبو تريكة في مواجهة الداخلية؛ لكن حضرتك استدعيت أمرًا لن يجد من يدبرون ويحيكون أفضل منه لتأجيج حرب، بل وسحق إنسان خلوق كأبي تريكة. والتعقيب الثاني من القارئ علي طه.. يقول فيه: أرجو أن تقلع عن هذا الأسلوب الاستفزازي، لأن كلماتك لا تعبر إلا عن كراهية وحقد على هذا الوطن وتقف ضد إرادته، وعندما تريد أن توصل رسالة في صورة نصيحة بأن ما حدث قد يضر بالاستثمار فإن قلبك وعقلك يتمنيان حدوث ذلك الضرر، فما تعودنا منكم أنكم تعلنون غير ما تبطنون، ثم ما هذا الهراء في الكتابة عندما تصور أن أبو تريكة سيوسع جبهة المعارضة ضد النظام ويضع السيسي أمام أكبر حزب معارض، هل هذا منطق وعقل يا من تطلق على نفسك كاتبا؟ أن تجعل أبو تريكة وجماهير الأهلي قوة فوق الدولة ونظامها، وتريد أن تكبل يد مؤسسات الدولة احترامًا وإجلالاً للقائد والثائر والمناضل أبو تريكة. أقول لك مصر من صنعت هذا اللاعب، وعليه أن يحترم إرادة الشعب».
ليعلم السيسي أنه لم يأت من تلقاء نفسه
الشعب يكشفني ويكشفك، يفهمني ويفهمك، يقفشني ويقفشك، يقرؤني ويقرؤك، لا يخفى عليه شيءٌ عندي ولا يخفى عليه شيءٌ عندك. بهذه الكلمات يخاطب أنور الهواري في «المصري اليوم» الرئيس متابعاً: باسمي وباسم الكهنة، من أستاذنا الكاهن الأكبر إلى أصغر محرر، أقولُ لك: للأسف انتهى زمانُ الكهنة، فقدنا هذا الدور، لم تعد لدينا تلك القدرة الخارقة على تضليل الناس، اللعب بعقول الناس، أن نسحر أبصار الناس، أن نُزين للناس عبادة الحاكم، الناس أسقطوا هالة السلطان المفسد، أسقطوا حواجز الخوف، خرجوا عن مدارات التبعية، أكدوا وجودهم المستقل عن الحاكم وعن كهنة الحاكم، هذا تاريخٌ جديدٌ، نحن – الآن – في مستهله وفاتحته، أولى بنا نحن الكهنة أن نتبصر هذا الواقع الجديد، وأولى بنا أن نعرف حدود قدرتنا، فنحن – في النهاية – نعيش وسط هؤلاء الناس، وليس لنا – في نهاية المطاف – إلا أن نحظى بقبولهم ورضاهم، وليس علينا إلا أن نتجنب سخطهم وغضبهم، فهم – دون سواهم – أصحاب السيادة، هم المشروعية العليا، وهم السلطان الأعلى من كل سلطان، وهم كلمة القضاء الأقدس من كل قضاء. ويؤكد الهواري انه لا مصلحة لنا، ولا مصلحة لك، في هذا التوتر البازغ بين الصحافة والسلطان، لسبب بسيط: نحن لا نستطيعُ النيل منك أو المساس بك أو الإضرار بمقامك أو التأثير على مركزك أو إعاقة أدائك لمهامك، طالما أنت تعمل في إطار الدستور، طالما أنت محكوم بمرجعية الدستور، وطالما أنت تضبط إيقاعك مع إيقاع الشارع، وطالما أنت تحتفظ بالقدر من الشعبية الذي يمنحك الاستقرار في مهمتك، وطالما أنت تفي بوعودك، وتحترم عهودك، وتتوالى إنجازاتك، وبذلك كله تضمن السلامة والأمان حين تدخل أي امتحان أو اختبار شعبي، فالشعب- وحده وليس كهنة الإعلام- هو من يملك حسابك، لأن الشعب وحده هو من جاء بك».
كراهية النظام لأردوغان لا تعني أن نهين شعبه
عندما شهدت العلاقات بين مصر وتركيا تراجعا ثم تباعدا وتنافرا، لم يحدث تغير يذكر في طريقة استقبال القادمين من المحروسة، لدرجة تجعل المراقب الذي يعيش في وريثة الامبراطورية العثمانية، كما يقول سيد عبد المجيد في «الأهرام» يتصور أنه لا يوجد توتر أصلا بين البلدين، بيد أن الشخصيات المرموقة أو التي تحمل وثائق سفر خاصة كالدبلوماسيين لم يتعرضوا لأي موقف فيه نوع من الجفاء أو النفور لا من قريب ولا من بعيد. لكن يبدو وفق الكاتب أن الأمر جد مختلف على الضفة المقابلة من المتوسط، واقصد بلادنا، في البداية ترددت كثيرا بأن أكتب اعتقادا أن الموقف الذي رأيته بعيني في مطار القاهرة لا يعدو كونه مصادفة تحدث في كل منافذ الوصول في أي مكان في العالم، غير أن ظني مع الأسف ثبت عكسه. فمع تكرار سفرياتي، بدت المشاهد المتعنتة تجاه الأتراك في مطار القاهرة وكأنها ممنهجة ومقصودة، فها هو التنمر والترقب والتحفز لكل من يحمل جواز سفر تركيا، الجفاء والبرود وأحيانا سخافات، بدءا من أسئلة ما أنزل الله بها من سلطان مرورا بعمليات تفتيش طويلة ومملة، انتهاء بسحب جواز السفر بحجة فحصه وتمحيصه لساعات، فيها يتم ترك صاحبه على نار خشية أن يتأخر على طائرته التي ربما ستقلع من دونه ليأتيه موظف بكلمة اعتذار واهية. ويؤكد عبد المجيد على أن ذلك السلوك لا يليق أبدا بدولة كبيرة ومحترمة، وكراهيتنا لأردوغان لا تعني إهانة الأتراك الذين حتى الآن لا يعاملوننا بالمثل».
مصر تنتظر على نار
مصر تعيش فصلا جديدا من فصول انتظار مستقبل لم يولد وماض لا يريد أن يرحل، بعد مرور أربع سنوات وفق رأي أحمد بان في «التحرير»على موجات ثورتها، سواء الأولى في 25 يناير/كانون الثاني، التي كانت تعبيرًا عن لحظة أمل انتصرت فيه إرادة قوى حية في هذا المجتمع على كل محاولات التيئيس من التغيير، من تحالف الفساد والاستبداد الذي تغول في العقد الأخير من حكم مبارك، وتصور أنه قادر على تمرير مشروع التوريث، الذي تصدت له القوى الحية في هذا المجتمع وفي طليعتها الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»، التي حرّكت المياه الراكدة في حياتنا السياسية، وأنعشت الآمال في التخلص من نظام حكم، وصل بالحياة في مصر إلى الحضيض، كما يقول الباحث في الحركات الإسلامية، وإن تبجح دعاته ومنظروه بمشروعات البنية الأساسية ومعدلات النمو العالية، التي ظلت تتمدد في مدن خاصة بالأغنياء ومنتجعات في الساحل الشمالي، لتكرس ما قامت ثورة يوليو/تموز للقضاء عليه من الظلم الاجتماعي الذي لخصته مقولة مجتمع الخمسة بالمئة، الذي يملك كل شيء في مواجهة أغلبية لا تملك أي شيء، أو موجة 30 يونيو/حزيران التي كانت تهدف لتصحيح مسار الثورة.
وشدد الكاتب على أنه لا يزال الظلم الاجتماعي في مصر فادحًا وفاضحًا، بين من يملكون كل شيء وهم قلة فاسدة في معظمها، كونت ثرواتها في الغالب من حرام، لا يزال الفساد الذي ضرب كل المؤسسات بلا استثناء متغولا، إلا من مؤسسة عسكرية راهن الكثيرون على أنها، بما اشتهر عنها من حزم وانضباط قادرة على لجمه، نخشى الآن أن يلتهم في ما التُهم أو يفسد في ما أُفسد حتى تلك المؤسسة العريقة، تأملوا هذا الحجم الضخم من التشريعات التي صدرت في غياب البرلمان، التي وصلت وفق بعض التقديرات إلى 500 تشريع، أصدرتها السلطة التنفيذية في أطول فترة عاشتها مصر بلا برلمان».
السيسي فتح بابا من أبواب جهنم
الاستثناء باب من أبواب كثيرة تؤدي إلى الفساد. يؤكد ذلك محمود خليل في «الوطن» بمناسبة القرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس «السيسي» باعتبار كل من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء من الجهات ذات الطبيعة الخاصة. وبناء عليه تم استثناء هاتين الجهتين من تطبيق المادة (19) من قانون الخدمة المدنية، التي تنص على اختيار شاغلي وظائف الإدارة العليا والإدارة التنفيذية فيهما من خلال مسابقة يتقدم لها من تنطبق عليهم الشروط المعلن عنها، بالإضافة إلى المادة (20) التي تحدد مدة شغل الوظيفة. معنى ذلك والكلام لخليل أن السلطة قررت أن تتم تسمية من يشغلون المواقع القيادية داخل مؤسستي الرئاسة ومجلس الوزراء «ع الكيف» من دون تقيد بأي شروط، بالإضافة إلى عدم تحديد سقف زمني معين لشغل الموقع، إذ يمكن أن تؤبد القيادة فيه. نحن هنا أمام واقع يريد أن يحتكم إلى معيارين، أولهما معيار الثقة، وثانيهما معيار افتراض الرشد فيمن يقوم بالاختيار.
أما معيار الثقة فيعني أن ثمة شروطاً تعلو على الكفاءة عند اختيار القيادات الرئاسية والوزارية، وهو يشكل عودة لواقع يفترض أن ثورتين متتابعتين قامتا بدهسه، يتمثل في اللجوء إلى أهل الثقة وليس أهل الكفاءة عند اختيار من يشغلون المناصب. المعيار الثاني يرتبط بما يفترضه القائمون على أمر هاتين المؤسستين من رشد في الأداء، وقدرة على اختيار الرجل المناسب وهو افتراض يتناقض مع ما يصدر من حين إلى آخر عن المسؤولين الكبيرين عن الرئاسة (السيسي) والوزارة (محلب)، فالرئيس يعرب باستمرار عن ضجره من مستوى أداء الحكومة التي اختارها بنفسه، ويتوقف كثيراً أمام مستوى أداء بعض الوزراء والوزارات، فإذا كان ذلك كذلك بالنسبة للوزراء وكبار الرجال المحيطين بالرئيس، فكيف يمكن أن يتحقق الرشد – في غيبة المعايير التي نص عليها القانون».
حسام عبد البصير