فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا

حجم الخط
2

اصطلحت النصوص الدينية علی الفرق التي تخرج علی جماعة المسلمين خروجاً عقائدياً وتنظيميّاً مصطلحَ الخوارج وكتب الحديث تزخر بالأحاديث الصحيحة والمتواترة عنهم وعن صفاتهم وأضرارهم وسبل التعاملِ معهم وهذه الفرق ما باتت تُعرّفُ حديثاً من قبل المسلمين بالفرق الجهاديّة المتطرفة والتي كثرت وتشعّبت اتجاهاتها منذ بداية القرن العشرين أي بعد سقوط رمزيّة الخلافة في العالم الإسلامي طاويةً مسيرةَ ثلاثةَ عشر قرناً، فما هو أصل الخروج وماهي قواعده؟
تذكر الأحاديث أن النبي صلی الله عليه وسلم بعد أن قسّم الغنائم في إحدى الغزوات جاءه رجلٌ يدعی ذو الخويصرة وقال له: اعدل يا محمّد فإنّكَ لم تعدل، فغضب النبي وقال له :ويحكَ فمن يعدلُ إذا لم أعدلُ،ثم ذكر النبي ما سيحصل من خروج فئة تغالي في التعبّد وتسيء في طريقة التعبّد والمعاملات وفهم النصوص .
النقطة الجوهرية هنا أنّ الحادثة تبيّنُ أن أصل الخروج هي عدم تحكيم العقل وتحكّم العاطفة التي جعلتْ من هذا الرجل يسيء الظن بنبيٍّ مرسل وبحضرة صحابة عُرف عنهم العدل والورع كأبي بكر وعمر،وما يعزّزُ هذا أكثر نشوء الخوارج كفرقة واضحة في عهد علي رضي الله عنه معترضين علی سياسة حكمه في التعامل مع الاختلاف الحاصل بين المسلمين أثناء أحداث صفّين، إذْ أنهم بنظرتهم القاصرة وسذاجة فهمهم لما يقتضيه الواقع من معاملات ، اعترضوا علی علي قبوله بالتخلي عن الحرب ولجوءه إلی التحكيم آخذاً بضرورات الواقع وقياس المصالح ومستنداً إلی فهمِه للتأويل والتفسير، إلا أنهم لم يبالوا بكل ذلكَ واندفعوا بعواطفهم للاعتراض علی عليٍّ وتكفيره وتكفير الفريقين المسلمين كلّهم .
في الحقيقة الموضوع ليس لسرد تاريخهم والتفصيل في الحديث عنهم فهو مشهور ومتعارف عليه بل لربط أسباب ظهور هذه الفرقة ومطابقتها مع أسباب ظهور الفرق التي تحمل صفاتها في العصر الحديث وعلی رأسها تنظيم الدولة،والمتابع للخط الزمني لتاريخ تلك الفرق منذ نشأتها حتی الوقت الحديث يُلاحظُ أنها لم تؤسسْ ولا لمرة واحدة دولة لها كيان وولاية علی الناس وإن أطلقت لنفسها اسم دولة ووضعت لنفسها خليفة فنعتُ الخوارج يظل ملازما لها عند جمهور المؤرخين والفقهاء ومن ذلك عمران بن جطان علی الرغم من ادعائه الخلافة إلا أنه ظل بنظر الجمهور خارجيّاً وكذلك دولة الأزارقة والصفرية وغيرهم، وسبب عدم ديمومة دولهم هو عدم استنادها علی مفاهيم شرعية ذات أصول ثابتة بالإضافة لفقدانهم الإيمان بحتمية اختلاف الناس والأمم بالعقائد والاعتقادات فهم في حرب مع كل أهل الأرض من أجل حكمها كاملة وهذا ما لا يقبله الشرع والعقل والأهم من ذلك استحالة تكيفهم مع دولة ذات نطاق جغرافي محدد فلو فرض أنهم تركوا دون قتال في بقعة معيّنة فإن التكوين الفكري القائم على العاطفة لديهم يجعلهم مع مرور الوقت أمام خيارين إما الميول إلی الاعتدال والتكيف مع الواقع كما هو الحال للخوارج الإباضية في عمان أو التآكل والانقسام علی النفس كما حال جميع الفرق الأخرى، إذاً الخوارج كفكرة هي الاعتماد على العاطفة في فهم أمور الشريعة الضابطة للعلاقات البشرية، وكثيراً ما يخلطُ بعضُ الباحثين بين الخوارج وماسواهم من الفرق التي تثور علی أنظمة الحكم فيجعلون كل ثائرٍ خارجياً غير منتبهين إلی أن الخروج ليس المقصود به الخروج علی الحكم تحديداً بل استخدام الفهم الظاهري للنصوص لتبرير هذا الخروج مع تكفير المخالف لهم واستباحة دمائهم.
ويبقی خطر الخوارج علی الدين والمجتمعات أكبر المخاطر ولذلك وردت الأحاديث النبوية في شأنهم شديدة الوعيد وحثت علی قتالهم بسبب العواقب الوخيمة التي يجلبونها علی ديار المسلمين متبعين المنهج المتهور الفارغ الذي يعتمد علی شحن العاطفة التي كثيراً ما تسبب لأصحابها الضياع وهذا ماهو حاصلٌ الآن في تنظيم الدولة فهم يعمدون إلی فئة المراهقين ويشحنونهم بالعروض القتالية والأناشيد الحماسية إلی أن يصلوا إلی درجة التغييب العقلي فيكونوا بذلك جاهزين لتلقي أي نص ديني علی ظاهره دون نقاش أو بحث في كتب التفاسير، وما يثير الغرابة أن أكثر شخصية دينية متداولة في الوسط الشبابي لتنظيم الدولة هو» ابن تيمية الحرّاني» المعروف بلقب شيخ الإسلام علماً أن له أقوالا كثيرة في خطر الخوارج وصفاتهم ومن ذلك ما قاله في مجموع فتاواه متحدثاً عن الخوارج بالتفصيل دون لبس أو شبهة: « والعجب من قومٍ أرادوا بزعمهم نصر الشَّرع بعقولهم النَّاقصة وأقيستهم الفاسدة،فكانَ ما فعلوه ممَّاجرأ الملحدين أعداء الدِّين عليه، فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا»، ولسان حال الواقع يؤكد تماماً ما هو ناتج من تشويه للدين ونفور الناس منه بسبب أفعال تنظيم الدولة!
إن السرد السابق لمفهوم الخوارج وتاريخهم لم يخضْ في تفصيلات تقود إلی قضايا جدلية ولم يكن الهدف منه إلی تبيان المأساة التي تعيشها سوريا والعراق بفعل وجود تنظيم الدولة الذي لو وجد فيهم أحدٌ فكر بالعواقب لاعتبر بأحداث افغانستان والجزائر والعراق، وبحث عن المستفيد الأكبر من وجودهم الزائل حكماً والذي بسببه ضاع مفهوم الثورة والعالم وجد فيهم خير وسيلة تبرر جرائم النظام وتستقطب كل قوی الشر لتقتل وتدمر كل ما هو جميل في هذا الوطن النازف.
تنظيم الدولة وخصوصاً من انضموا إليه من أهل البلد يحملون وزر شعبٍ كاملٍ حرفوا البوصلة عن مشرّده وقاتله ليجدوا أنفسهم بالنهاية مجرّد آثار تحل مكانها الفصائل المتطرفة والشاذة من ميليشيات شيعية وفوضية ترحّل أهل هذا البلد الذين رغم ما يعانونه من إرهاب يقتلون باسم القضاء علی الإرهاب، وسيری تنظيم الدولة جيداً صحة ماقاله ابنُ تيمية: فلا الإسلام نصروا ولا الأعداء كسروا.

فاروق شريف ـ سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية