فلسطينيو 48 شوكة حادة في حلق المؤسسة الصهيونية اليمينية!

حجم الخط
0

لا يمكن أن يمر مقال لعماد شقور في صحيفتكم دون أن أتمعن فيه، لمعرفتي بدوره البارز في الثورة الفلسطينية، ولجرأته في المعالجة مع الحكمة في الانتقاد.
في أحد مقالاته مثال بارز لقولي هذا.
« بين ريتا وعيوني بندقية محمود درويش.»
المقال يتعلق بتشنج القائمين على متحف الشاعر الكبير ورفضهم التعامل مع وفدٍ من مؤسسة بيرل في إسرائيل، رغب في التعرف على تراث محمود درويش. وقد هوجم محمد المدني المسؤول عن « لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي « الذي دعا الوفد. والمدني من حاملي الهوية الإسرائيلية اصلاً، ومن أوائل الواقع ثاني من التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية في السنة 1967. ولكن هذا لم يشفع له، إذ هوجمت دعوته بعبارات جارحة، لم تصل إلى طلب الشنق لتجرئه هذا، رغم أن من أولى قرارات وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان كانت منع محمد المدني من دخول إسرائيل، لنجاحه في شرح القضية الفلسطينية بين الأوساط الإسرائيلية الراغبة في الفهم.
الذي لفت نظر الطلاب لمحمود درويش، ودفعهم لطلب التعرف أكثر عليه، كانت مناسبة غنى فيها مغني الراب « تامر نفار» من اللد أغنية لمحمود درويش، دفعت الوزيرة اليمينية المتطرفة « ميري ريغيف « إلى مغادرة القاعة. وعادت بعد انتهاء الأغنية لتقابل بصيحات الاستهجان لتشنجها هذا من الإسرائيليين المـثقفين الـذين لم يتقـبلوا موقفـها.
لي موقف قديم من هذه النقطة بالذات تولد من أبحاثي القديمة والحديثة في أوضاع إخواننا الذين يحملون الهوية الإسرائيلية، والذين أصبحوا شوكة حادة في حلق المؤسسة الصهيونية اليمينية. وتعرفت على شخصيات إسرائيلية رائدة كثيرة مثل أوري ديفيز، الذي نقلت عنه صحيفة الأوبزيرفر البريطانية قوله:
« بما انه توجد حكومةٌ، حكومة دولة إسرائيل، التي تدّعي أنها تتصرف ليس لمصلحة سكان إسرائيل فقط، ولكن لمصلحة اليهود في شتّى أنحاء العالم، وبما أن هذه الحكومة، وبالتأكيد كل الحكومات السابقة، ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، فإن ادعاءها هذا يشمل اسمي كمواطن في دولة إسرائيل، وكيهودي، فإني أرى أنه يتوجب علي، كما أنه يتوجب على كل المواطنين الآخرين، أن يحشدوا قواهم، وأن يصرخوا بكل قوّةٍ : جرائم حربٍ، جرائم ضد الإنسانية، لا أقبل أن ترتبط باسمي! »
قام أوري بزيارةٍ للشجرة مع أحد سكانها السابقين، اللاجئ في قرية طرعان القريبة، ووجد لوحةً كبيرةً حجريةً منصوبةً فوق نبع الماء الذي كانت تشرب منه القرية العربية، ومن سبقها في الماضي. الماء لم يعد يجري في النبع لقيام سلطة المياه، ميكوروت، بسحب الماء من الحوض المائي، لأعماقٍ أكثر، فنضب النبع.
اللوحة هذه مكتوبٌ عليها تاريخٌ موجزٌ للحضارات المتعاقبة التي مرت على المكان، من الفترة البيزنطية إلى الوقت الحالي.
خدم النبع كل من عاش إلى قربه، ومنها المستوطنات اليهودية في عهد الاستيطان اليهودي لبلاد كنعان.
شربت منه القرية العربية الشجرة، وشربت منه المستوطنة الصهيونية السجرة، والتي سميت فيما بعد «إيلانة ». كان السكان ينشلون الماء من النبع، لاستخدامهم الخاص، ويصبون الفائض في حوض ٍ لسقي الحيوانات.
السكان العرب الفلسطينيون الذين حافظوا على هذا النبع، وأقاموا آلية النشل منه، وركّبوا الحوض لسقي حيواناتهم، غير مذكورين في اللوحة الإرشادية للمكان بالمرة، وكأنهم لم يوجدوا !
بقايا مقابر الفلسطينيين، المقابر المقدسة عند كل البشر، لم يُسمح بتسييجها، أو التنظيف حولها، أو ترميمها.
ظن المخططون في الدولة، وفي الصندوق القومي أن سكان الشجرة سينسون قريتهم مع الزمن. ولكن صمود الفلسطينيين في رفضهم النسيان، وإصرارهم على زيارة الشجرة وغيرها، وتخليدها في المواقع الكثيرة على الشبكة، مثل موقع « فلسطين في الذاكرة»، و« النكبة بالعبرية» ودراسات مثل « هذا ما تبقى « للدكتور الخالدي، و« الدكتور شكري عراف»، كلها تشير إلى ذاكرةٍ قويةٍ عصيةٍ على النسيان عند الفلسطيني، محفورةٍ في خلايا حيةٍ تعيش في أجسام ودماء وعقول من هُجّر منها. يقول د. ديفيس:
« حين أتأمل في المعطيات التي ذُكرت أعلاه، وتخيلت نفسي أو أبنائي أو أحفادي، نسير في أحذية « الحاضر غائب « من الشجرة أو غيرها، وأمرُّ إلى جانب قريتي، وأرى قبور آبائي وأجدادي مُهدمةً، لا يُسمح لي بتعميرها أو المحافظة عليها، وأرى مستوطنةً أخرى مقامةً على أرضي، يسكن أهلها في فيلات فارهةٍ من صفقات بيع أراض ليست لهم في الأصل، ويأكلون من ثمار أشجارٍ لم يزرعوها، وأقرأ لافتات نُصبت لأناسٍ « صالحين من الأمم «، أنقذوا اليهود من براثن النازية، مثل « ويلي براندت، الرئيس الألماني، أو محاربي الحرية في المقاومة الدنماركية للاحتلال النازي، أو أقرأ اسم الملكة بياتريس، ملكة هولندا، عندما أشاهد وأقرأ هذه اللافتات إلى من تظنون أني سأُوجه غضبي؟ أليس لنفاق الصندوق القومي اليهودي، أو لمن سمح لاسمه أن يكون مُخفياً لجرائم ارتكبها من أُنقذ من براثن النازية، ليرتكب مثل تلك الجرائم في فلسطين!!»
كتب أنيس صايغ في مذكراته، في الصفحات 284 و285:
« سواء كان النشر في سلاسل المركز، أو في الموسوعة، أو في أي من المجلات التي اضطلعت بمسؤوليتها، كنت حازما في التفريق بين الصهيونية واليهودية. لم أسمح إطلاقاً بالخلط بين المفهومين والإصطلاحين. ولاقيت معارضةً وانتقاداً واسعين. لم يكن معظم الكتاب يُفرّقون بين الاثنين، بحجة أن كل يهوديٍّ صهيونيٌّ أيضاً. ولم أكن أوافق على هذا الافتراض الخاطئ. فهو مغالطةٌ في علم السياسة والاجتماع، ومدلولات الألفاظ، وفي المفاهيم العقائدية. إضافة إلى ذلك فإن هذا الخلط يؤذي من الناحية العملية، لأنه يفقدنا مواقع سياسية مع جهات كثيرة أجنبية ويهودية. وجليٌّ أن بين اليهود من هم غير صهيونيين. فبينهم من هم معادون للصهيونية. وبينهم من يقفون معنا ويتبنّون طروحاتنا.
واختم هذا البحث بفقرة لسالم جبران، الشاعر والباحث من قرية البقيعة في الجليل الأعلى أراها تساعد بشكل قويٍّ على إيماننا بإمكانية تصحيح الأوضاع:
« لم نعد مجتمعاً زراعياً متخلفاً تعليمياً وثقافياً كما كنا في الخمسينيات الأولى. بالإمكان الآن أن نحاور الجانب اليهودي بطاقات عشرات آلاف العرب رجالاً ونساءً، في مكان العمل. كما أن فئة المثقفين العرب قادرةٌ على أن تجابه المجتمع اليهودي بتحدٍ حضاريٍ ديمقراطيٍ إذا عرفنا كيف ندير حواراً على حجةٍ عصريةٍ وحقائق ومعطيات صحيحةٍ ودقيقةٍ، وإذا أقنعناهم بأن رغبتنا بالحوار استراتيجيةٌ حضاريةٌ، حصيلتها المصلحة للطرفين».

باحث فلسطيني

فلسطينيو 48 شوكة حادة في حلق المؤسسة الصهيونية اليمينية!

فؤاد عبد النور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية