ثمة شيء ما يتعفن في جراحنا المفتوحة، عفن يصيبنا نحن الفلسطينيين في مقتل، عفن يَعْقُبُ تقرحات جروحنا المصلوبة في نعيقها الأخير. عفن يصيب أشلاء التاريخ، وشتات الجغرافيا، وفيزيائيات العقل البشري بَعَطَبٍ ما. أصبح من اليسير رؤية العفن واستنشاق مفاعيله في كل زاوية فلسطينية.
في العادة، فان العفن يظهر على شكل بقع متفرقة وربما مخفية او متوارية في الجسم المتعفن، لكنه في الحالة الفلسطينية بات ينتشر انتشاراً سرطانياً مدمراً، انتشاراً يصيب الجسم الفلسطيني يضعف الجسد ويشوه المظهر. لم يعد خافياً، الا على من استطاب العمى على البصر، او العبودية على الحرية، والغباء على البصيرة، والظلمة على النور، والظلم على العدل، أن فلسطين المحتلة وقضيتها تعيشان في أسوأ كوابيس يقظتها منذ عقود قضت. وكأنه تلف دماغي أصاب مكونات الرأس الفلسطيني فعطل قدراته على التفكير، وإنتاج الرؤى، وتقديم الحلول، وترسيخ الصمود، وتصعيد المقاومة، وزراعة الامل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصيانة حرية التعبير، وتنزيه القضاء، وتوفير الأمان. بدلاً من ذلك كله، جاء هذا الزمن العاقر، ليقدم لنا على طبق إحباط وتخبط، انقساماً ينخر العظم وينزع الروح من نخاعه الشوكي بلا رحمة، كمن ينزع الشوك من اغلال الصوف. يقدم لنا نكولاً سياسياً، ونكوصاً فصائلياً، واحتكاراً فكرياً واقتصادياً، لا قِبَلَ للفلسطينيين به وبتوابعه من الهزات السياسية والاجتماعية المرتدة. هذا الزمن الفلسطيني الذي لم تعد فيه قصة اللجوء والاقتلاع هي الخيمة والمخيم فقط. اللجوء والغربة اصبحتا عقل هذا الزمان، وتفاصيل روايته في كل شيء. يشعر الفلسطيني، في المخيم، وفي غيره، بأنه غريب ولاجئ وممزق، ومطارد من «بني وطنه» وحُمَاتِه، كما من أعدائه ومحتليه، لا فرق!!!
بالنسبة للفلسطيني، فالاحتكارات الاقتصادية تقض مضجع جيبه ولقمته، فهو مرتهن في نموه وتوسعه الاستهلاكي «المشروط» للبنوك التي تشهر انيابها لتصل أحياناً الى ملابسه الداخلية، ومحكوم بعقله وافكاره وحرية تعبيره لراتبه ومورد رزقه «الحكومي، او اللاحكومي» كلاهما سواء، فكلاهما يسيجان أنفاسه ولا يدفعان، الا إذا الزم الفلسطيني نفسه بالعيش على حافة السكين، فإما ان تقطع له لحماً لِيَأْكُلْ، واما أن تُقَطِّعَ لحمه فَيُؤْكَلْ. هذا هو حجم الألم، انه بحجم العالم كله، حالة الاختناق تشمل كل شيء، من الاختناق المروري في الشوارع بفعل الاحتلال او بفعل قلة التخطيط المحلي، وتشمل أيضا اختناق الجيوب، فهي تدفع أكثر بكثير مما يدخل جيوبها الضيقة اصلاً.
الأسعار هي الأعلى في المنطقة، إن لم تكن من الأعلى في العالم، ودخل مالي هو من الأدنى، وبين الأعلى والادنى جبال شاهقة ثقيلة تتربع على صدور الناس. الناس التي فُرِضَ عليها ما يسمى بالاقتصاد والسوق الحر، وغيره من مصطلحات ومعادلات الاقتصاد الرأسمالي، تحررت اسواقهم، ربما، لكن جيوبهم استعبدت بيد دائرة صغيرة ضيقة جداً من الرأسماليين الذين يطربون على مصطلحات تحرير السلع والاقتصاد، فأصبح الفلسطيني لا يمثل الا عداداً آلياً للنقود لا أكثر ولا اقل، والاهم من ذلك، بأنه لا خيار امامه سوى القبول، والتهليل والتطبيل والرقص لأصحاب الطرب. ففي الأمثلة البارزة من قطاعات الاتصالات والتأمين، والسجائر والأدوية، والماركات العالمية، والأغذية المحلية «كالدجاج» بمدخلاته ومخرجاته، والمستوردة «الماشية والاغنام» وكوتاتها وحصصها، كلها محكومة لقواعد تحرير السوق «الذي أصبح علامة رائجة لتبرير الاحتكار وممارسيه، واستعباد المستهلك. سوق محرر، وشعب مستهلك ومستعبد باسم التحرر، أي سريالية أكثر من ذلك. شعب محتل في كل شيء، الا من قواعد السوق الحر، الذي أصبح فيه الاحتكار سمته الغالبة، أي كارثية أكثر قسوة من ذلك (احتكار بطعم التحرر).
الانكى من ذلك كله، ان احتكار السياسة في فلسطين لا يختلف كثيراً عن احتكار الاقتصاد. وكما يقولون، هو زواج كاثوليكي، فعلاقة المال والسلطة لا تنفصم عراها الا بخيانة مشبوبة بمزيد من احتكار أحدهما للآخر، او خيانة يفرضها لهيب عاطفة تبغي النوم في فراش الخطيئة طلبا لإشباع رغبة مريضة بالتحكم والجشع والطمع. فالسياسي ينام في ذلك الفراش مع المحتكر، فهذا يروج لعفة ذاك، وذاك يغطي على خطيئة هذا. وكلاهما يرميان كاشفي عوراتهما بالسقوط والعهر، واستهداف العفة، واستمراء الرذيلة. هذا، ان لم يرجما كاشف العورات بحجارة التخريب، وسياط الخيانة، ويقذعانه بألفاظ جهنمية طلعها كرؤوس الشياطين.
الاحتكار السياسي في فلسطين، أصبح وأضحى وأمسى وبات وظل علامةً فارقةً على صدأ المنظومة السياسية وتكلس محركاتها الأيديولوجية، الوطني منها وغير الوطني، وتحولها الى خرابة موحشة، تتساقط جدرانها حجراً بعد حجر. لا ترميم، ولا حفظ، ولا تأهيل، ومن ثم لا اتساق مع التاريخ، ولا تصالح مع الحاضر، ولا نظر الى المستقبل. الاحتكار السياسي في فلسطين الان، الا من بعض الاستثناءات، تحول الى عبء يحوط اعناق الناس، يلوي رقابهم، ويعبر يومياً عن حالة من المزاج السياسي الخَرِبِ والهَرِمْ. ان قبلت بهذا الاحتكار، وبشروطه ومدخلاته ومخرجاته، فأنت في أمان، أمان نسبي، يفتح لك مجالاً أن تلتقط لقمة عيشك دون تنغيص، لكن دون ان تلتقط انفاسك وتنفثها على شكل رأي حزبي او سياسي، علني او سري، بأي شكل من الاشكال. وان سمح لك، لا سمح الله، بأن تستعير نفساً من مكان ما – غالباً بأوكسجين وسائط التواصل الاجتماعي- فعليك ان تخوض في السياسة تسحيجاً وإطراءً وتعظيماً وتسبيحاً بحمد أحدهم، في جناحي الوطن المنتوفين. ما دون ذلك، فان المحتكرين جاهزون لقسم ظهرك، وقضم لسانك، وقصل رقبتك تحت مقصلة الامجاد الفصائلية، تلك المعلقة بشرايين شهدائها، والمزيتة بدماء جرحاها، والصارخة بآلام اسراها. ستكون حتماً في معركة تشوي الوجوه والاجساد، كيف لا وانت في مواجهة مع الشهداء والجرحى والأسرى!!
وطنيتنا الملتبسة على نفسها أيضاً تتعفن، جروحها تتقيح، تنتهك الانقسامات بوح المساحات المتهتكة في جسدنا المشتت في كل اصقاع الأرض. هذه الانقسامات التي أصبح لها مهندسين، يختصون برسم ابعادها لتشمل روحنا المتكسرة، وتمتص منها رحيق الامل المتيبس في ذواتنا. نحن منقسمون في ذيول ما تبقى من وطن، وفي الفضاءات المفتوحة بين الأرض والسماء. حتى في شتاتنا، نبدع مرات ومرات، في تشتيت الشتات، وتفتيت الفتات. في كل مرة يبزغ فيها امل الوحدة، نأتي بأيدينا لنكسر جرار الماء المقدس. نسكبه على رمال البحار البعيدة، فيتبخر امل الوحدة من جديد. الانقسام المريض، ليس فتحاوياً حمساوياً فقط، وليس بدعتهم او ضلالتهم وحدهم. انه فلسطيني مع كل امتيازاته وحقوق نشره وطبعه وتوزيعه في نسيجه المعقد، لكنه نسيج مختلف عما حوته تطريزاتنا التي كانت وشماً جميلاً على جبين تراثنا الوطني.
لا اعرف كيف يُخَلِّقُ الانقسام خلاياه، ولكنه يشبه تكاثر خلايا البلازما وانتشارها من نخاع العظم الى بقية أجزاء الجسم، ربما ان انقسامنا قد تفوق في تكاثره على البلازما ذاتها. لا اعرف كيف، ولكنني أرى كيف!!، ان عيني ترصدان النماذج الفلسطينية المنقسمة على نفسها، كقنبلة عنقودية تنشطر في كل مكان، وتخرب الأجساد المصابة، تخرس صهيل الخيول كلما نادت بالوحدة الوطنية. الانقسام الوطني هو الوجه المظلم والبشع لسطوة الاحتكار السياسي والاحتكار الاقتصادي، وهما لا شك وجهان ثعبانيان للاحتلال الذي ينتشي بهذا النوع من الاحتكارات. حتى لو ان الاحتكارات أُلبست بألبسة وطنية ودينية وتنظيمية وايديولوجية، الا أنها وبلا شك، عن قصد او دون قصد، تخدم الاحتلال الذي يريد التضييق على الناس وعلى حريتهم، وعلى أسباب عيشهم لينخر السوس عظم الصمود الشعبي والوطني، ويلقي بحجارة الاحتكار الثقيلة على رؤوس الفلسطينيين.
ان التحالفات الاحتكارية، تضع اللحم والجلد على عظم الاحتلال، فتجعله جسداً متجدداً وقادراً على الحياة والتنفس على حساب الفلسطينيين وحقوقهم التي تتقلص يوماً إثر يوم. لا حاجة للحديث عن وحشية الاحتلال، طالما اننا نرى قمعه العسكري، وانيابه الاستعمارية تنشب في جسد الوطن يوميا، ولكن هناك حاجة مستحقة، لا فرار منها، بان الاحتكارات السياسية والاقتصادية، والتي تمارس وتدار بأيدٍ فلسطينية هي الخطر المدمر الذي يغرز مخالبه في الجسد والروح الفلسطينية وينزعان بأنيابهما الحادة جلد الامل عن عظم الفلسطينيين وهويتهم الوطنية.
أستاذ في القانون مقيم في لندن
د. نهاد خنفر