فلسطين في الدراسات ما بعد الكولونيالية… أساطير الهوية والأصالة

حجم الخط
1

يوجد هنا إجماع كلي تقريباً على أن الفلسطيني غير موجود سياسياً؛ وحين يُتسامح فيعترف بوجوده، فبوصفه إما أمراً مزعجاً، أو شرقياً.
يقول ميشيل فوكو:«إن وجود البشر أمر تقرره أوضاع وجودهم في حدها الأقصى». فالوجود إشكال أنطولوجي شديد التعقيد حين يتحدد بالإنسان الثقافي، المتعين في الأصل بتكوينه الفيزيائي، غير أنه يتخذ عبر آلية التمثيل قيمة مضاعفة من خلال اللغة.
وإذا كان دي سوسير قد رأى أن الدال لا يحيل إلى معنى، أو دلالة إلا في إطار الإجماع الاجتماعي، أو «العُرف»؛ فهذا يعني أن الوجود يستلزم قيمة خطابية إنشائية للإحالة إلى التمكين، وتثبيت الوجود المادي/ الجغرافي من منطلق أن فلسطين التاريخية والجغرافية والإنسان، تحولت إلى قطاعات مجزأة مُشتتة، سواء أكانت على مستوى الجغرافيا أو الإنسان أو الثقافة، وهكذا فثمة حاجة لتكوين نموذج خطابي يتعلق بفلسطين، ولاسيما في الدراسات الثقافية التي تُعنى بجملة التمثيلات وامتدادها في الثقافة.
في دراسة لكل من باتريك وليامز وآنا بال نشرت في مجلة «الكتابة ما بعد الكولونيالية» تساؤل عن وجود فلسطين، وحضورها في الدراسات ما بعد الكولونيالية منطلقين من سؤال محدد ومباشر: أين فلسطين؟ ومع إقرار الباحثين بأن هذا العنوان يبدو مستفزاً حيث يعلم الجميع، وبشكل بدهي، أن فلسطين موجودة، غير أنها مع ذلك تبدو بلا صوت».
هل فلسطين موجودة؟ أين هي؟ هل في المكان، أو» اللامكان»، في الوجود أو اللاوجود؟
الإحالة في جسد السؤال وروحه، تحيل إلى مفاهيم متعددة كما يشير الباحثان، وهي تشمل التاريخ والجغرافيا والثقافة. لا شك أن مصادرة أنماط الوجود الفلسطيني جغرافياً وسياسياً، مما يعد شديد الارتباط بالثقافة كما الأثر، سواء أكان في الأدب أو الإبداع عامة، فثمة مساعٍ واضحة لاستبعاد الصوت الفلسطيني من قبل الصهيونية، ومن ذلك على سبيل المثال ما حصل قبل سنوات حين منع فيلم «يد إلهية» للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان من الترشح للحصول على جائزة أكاديمية السينما الأمريكية « الأوسكار» بحجة عدم وجود بلد اسمه فلسطين.
أسئلة وليامز وبال تبدو معنية في المقام الأول في البحث عن صوت شعب وحقه في الحياة، كما الوجود. فالأمر لا يتعلق باحتلال الأرض، وقتل سكانها وطردهم فقط، إنما يتجاوز ذلك إلى محاولة نفيه، ومصادرة كل ما يتصل به تعبيرياً ولغوياً، وهكذا يتحقق المحوان: الفيزيائي والمعنوي (العلاماتي) ففلسطين يوماً بعد يوم تتآكل على مستوى الأرض التي تحولت إلى قطاعات منفصلة، إذ تشرذم شعبها، وتشتت في غير مكان، ما يعني أن ثمة «تشتيتاً « لفلسطين، وكل ما يتعلق بها.
المناقشة السابقة تنطوي على نسق معرفي يتحدد بتساؤلات تمتح توجهها من منظور الخطاب ما بعد الكولونيالي المعني بدراسة أنماط الكتابة في المستعمرات، ومنها فلسطين التي لم تتجاوز بعد مرحلة (الما بعد (لكونها ما زالت خاضعة للاحتلال الكولونيالي من قبل الكيان الصهيوني، فالإشكالية لا تكمن بوجود خطاب فلسطيني حول ما تم تحقيقه، أو إنجازه، إنما تكمن الأهمية حول وجود خطاب فلسطيني يتطلع إلى المتوقع تحقيقه، أو المستقبل من وجهة نظر بال ووليامز، بالإضافة إلى أثر القيمة الجمالية للكتابة الفلسطينية، التي ينبغي أن تختبر بشكل معمق وجدي.
من أهم القضايا التي يمكن البحث فيها من وجهة نظر الخطاب ما بعد الكولونيالي في ما يتعلق بالشتات إشكالية تمثيل فلسطين في المتخيل، ومن ذلك السينما والشعر والرواية والفنون وغيرها، في قضايا منها الحوار بين الماضي والحاضر، كما الكتابة البينية الناشئة بين كوى الزمن والمكان، ومع ذلك، فإن أغلب الممارسات التعبيرية عالقة في الماضي، كما يشير الباحثان. فثمة قصور في التطلع نحو المستقبل، أي التوجه نحو الأمام، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً، وبوجه خاص في ظل محاولة الخطاب الصهيوني مصادرة المروية الفلسطينية المتعلقة بالماضي كما الحاضر، كما أن ثمة عوائق هائلة لمنع أي مروية يمكن أن ينهض بها المثقفون الغربيون، حيث ينبغي أن يُقصى الخطاب الغربي بشكل أو بآخر عن مناقشة كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كما البحث في الجوانب الأخلاقية للمسؤولية الإسرائيلية عن مصادرة أراضي فلسطين، وتشتيت شعبها. وفي هذا السياق يستدعي الباحثان نموذج إدوارد سعيد، الذي يعد من أهم الذين حوربوا في هذا المجال.
نحن إزاء إشكالية تتمثل في موقع فلسطين في الدراسات ما بعد الكولونيالية، فثمة أزمة خطابية، كما ثمة تشتت على مستوى التعبيرات الممثلة للفلسطينيين الذين ينتشرون في كل مكان من هذا العالم، بالتوازي مع بروز تحديات في ما يتعلق بالفلسطينيين، من حيث قدرتهم على تمثيل أنفسهم في الخطاب المُتخيل، كما حضورهم في الثقافة العالمية، وإيصال صوتهم في لغات أخرى، حيث يبدو الفلسطينيون صامتين أمام المروية الصهيونية، كما يذكران في بحثهما. ومن هنا، فإننا مدفوعون بطريقة أو بأخرى لمناقشة أهمية الخطاب المنتج من قبل الفلسطيني المشتت، وهذا يشمل عدة قضايا، منها ما يتعلق بالكتابة والمتخيل والإبداع، كما الترجمة التي تعنى بنقل الصوت الفلسطيني إلى المنصات الإنسانية.
أضف إلى ما سبق مشكلة أخرى تتعلق بالوجود الثقافي، ولاسيما من ناحية تحديات الكتابة التي تنهض على العمق، كما الجماليات، وطبيعة القضايا المطروحة، وأنساق التمثيلات لمقاومة إقصاء الهوية الفلسطينية الثقافية، وهذا برمته يضعنا أمام تحديات في ما يتعلق ببناء الخطابات الفلسطينية وتشكيلها، والتي تبدو تعبيراً عن هوية مُشتتة في الأصل، بالإضافة إلى أنها تتعرض إلى التخريب والإقصاء الممنهج. يمثل مفهوم الهوية مجالاً أو اختراعاً ثقافياً حديثاً، نشأ مع العلوم الاجتماعية التي أدركت في ضوء التحولات المجتمعية لأوروبا الحديثة أهمية انبعاث مفهوم الدولة، وحاجتها لهوية، أو عناصر تمايز، فانبثقت هويات وقوميات بهدف الإسهام في تشكيل قواعد الدولة، ومعظمها يتصل بالهوية واللغة والعرق والدين، وسائر عوامل التمايز والاختلاف التي أتى عليها أرنست رينان في مقالة بعنوان «ما الأمة؟» فمع حملة بونابرت وظهور الطباعة، وقدوم الاستعمار، بدأت تتبلور كيانات عربية نتيجة بروز تيار التأسيس لنهضة عربية غير أنها لم تكتمل، وشيئا فشيئاً بدأت عملية خلق هويات وطنية تتغذى على الخصائص المتمايزة، ولكن في سياقات شمولية تتصل بجملة من المرتكزات، وهي: الدين، واللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والعرق… ما أسهم بنشوء ما يعرف بالدول العربية الحديثة، ومع أن الفلسطينيين عاينوا هذه العملية، غير أنها بدت قلقة، كون هذا التحول في إدراك الهوية الفلسطينية، وصوغها تزامن مع عملية الإحلال الاستعماري المتجسد بالكيان الصهيوني؛ ومركزه الاستيطان، وبهذا فقد تعرضت الهوية الفلسطينية إلى إشكاليات بنيوية تطال الهوية السياسية التي لم تتبلور بعد، نتيجة عدم اكتمال عملية التحول من النسق الإقطاعي والولاية والسنجق – الذي كان شائعاً إبان الحكم العثماني- نحو بنية منفصلة على المستويين الجغرافي والسياسي، فقد حصل انقطاع، بالتزامن مع قدوم الاستعمار، وتطبيق اتفاقية سايكس بيكو ، ووعد بلفور الذي أنشأ الكيان الصهيوني، والذي أزاح بدوره عملية تكون الهوية الفلسطينية، ومن هنا، بدأ الفلسطينيون يعون أهمية تفعيل الوجود الهوياتي، بالتراصف مع تشييد بِنى ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية، فضلاً عن محاولة تفهم الصدمة التي نشأت بفعل الاقتلاع، وهكذا بدت الهوية الفلسطينية ضمن منظومة من التحديات، لاسيما في ظل غياب فعل مؤسساتي، ما يعني تخلف الهوية الفلسطينية عن التجسيد والممارسة، نظراً لعوامل وجودية عميقة التأثير.
لا شك في أن الهوية الفلسطينية في سعيها نحو التشييد، اصطدمت بالعديد من العوائق المفاهيمية والاشتراطية، التي تتمثل بمحاولة تعريف الذات الفلسطينية في سياقات عربية ودولية. لقد سعت النخب المثقفة الفلسطينية لخلق مفهوم وطني للذات الفلسطينية، على أن تحتفظ بالعديد من التوازنات معاً. ولعل الثقافة الفلسطينية كانت قائمة بتشكيلها الهُلامي بوصفها ثقافة إقليم غير متجسد، أو متعين سياسياً، وهنا لا نريد أن نحيل إلى الملامح أو المؤشرات على وجود ثقافة فلسطينية قبل 1948، التي تتمظهر في الصحافة والكتابة الأدبية، مع إشارات إيجابية حول ارتفاع نسبة التعليم في فلسطين، وغير ذلك، ولكن ما يعنينا حقيقة التشكيل للثقافة الفلسطينية، في ضوء الاحتلال الإسرائيلي بوصفه عامل حسمٍ في توجيه الهوية الثقافة الفلسطينية، التي يمكن لنا أن نحيلها إلى عدة عوامل، وهنا لا بد أن نشير إلى أثر منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها مؤسسة منتجة وراعية لثقافة فلسطينية، وهذا جاء رغبة في خلق بنى ثقافية فلسطينية بوصفها نسقاً متعالياً ( تاريخياً) كما يشير حسن خضر في دراسة نشرت في مجلة «الدراسات الفلسطينية» فقد سعت المنظمة لمحاولة خلق خطاب ثقافي فلسطيني، يتصل بالمنتج الأدبي تحديداً، ما أدى إلى عملية فصل الثقافي عن السياسي، أو تحديد أفق الثقافة المتسع بحدود الأدب، كما يذكر خضر، حيث يشير إلى شروع المؤسسة الفلسطينية في بناء الذات الفلسطينية، عبر الإحالة إلى نماذج متقدمة من الثقافة الفلسطينية قبل الاحتلال، ونموذجها خليل بيدس أدبياً، كما دور الأخوين لاما في التأسيس للسينما العربية، علاوة على أدوار كل من السكاكيني، والخالدي، والنشاشيبي، وإبراهيم طوقان، والكرمي، وغيرهم من الذين ينتمون إلى طبقة المثقفين أو الانتجلنسيا الفلسطينية – كما يوضح حسن خضر- التي سعت مجتمعة إلى تشكيل هوية ثقافية نتيجة الإزاحة والتهديد اليهودي الناشئ في مطلع القرن العشرين.
من الملحوظات المهمة التي تتصل بوجود فلسطين ثقافياً محاولة تحديد الروابط والمظاهر التي تتصل بالآداب والخطابات ما بعد الكولونيالية؛ فمعظم آداب المستعمرات تظهر اهتماماً بالمكان والإزاحة والتثبيت، كما يرى هومي بابا في كتابه «موقع الثقافة»، كما الاهتمام الواضح ببناء أساطير الهوية والأصالة، أو كما يطلق عليها كتاب الإمبراطورية ترد بالكتابة والشغف بأساطير الهوية والأصالة، مع تجاوز الاختلافات التاريخية والثقافية، ما يعني ملمحاً مشتركاً لمعظم الآداب ما بعد الكولونيالية، ومن ضمنها ممارسات وآداب الشتات.
وفي الختام يشير وليامز وبال في دراستهما إلى أن أهم خصائص الكتابة ما بعد الكولونيالية، التركيز على الكتابة التخيلية التي تعنى باستعادة أحوال المجتمعات الأصلانية باللغات الاستعمارية لدى بعض الآداب، ومن ذلك كتابات بعض الأدباء الفلسطينيين العرب باللغة العبرية في الداخل كسلمان ناطور، وغيره، أو عبر الكتابة باللغة العربية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر رواية إبراهيم نصر الله «زمن الخيول البيضاء» التي يأتي الباحثان على ذكرها بوصفها نموذجاً، كما غيرها من الأعمال التي تؤسس لذاكرة فلسطينية جمعية تخيلية، تهدف إلى استعادة المجتمع الفلسطيني وفضائه، بيد أنه ثمة حاجة أخرى تتمثل بالترجمة من أجل نقل هذا التكوين الجديد للثقافة الفلسطينية نحو الفضاء العالمي.
كاتب فلسطيني أردني

فلسطين في الدراسات ما بعد الكولونيالية… أساطير الهوية والأصالة

رامي أبو شهاب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية