عانى اليهود من عقدتين رئيسيتين في تاريخهم وهما فوبيا الاضطهاد والشتات، فكان بروز فكرة إقامة دولة قومية لليهود على أرض الميعاد خلاصاً تمسكت به الحركات الصهيونية العنصرية لإنقاذ اليهود مما عانوه في أوروبا.
لكن تأسيس الكيان الصهيوني لم يحل مشكلة اليهود السايكولوجية، بل على العكس لقد قاموا بتصدير عقدتهم إلى الدول العربية من خلال حروب الإبادة الجماعية التي ارتكبوها بحق الفلسطينيين في القرن العشرين والحرب الثقافية الحضارية التي تقودها إسرائيل الآن هي أخطر الحروب، إذ تحاول من خلال هذه الحرب أن تلبس المسلمين في أوروبا عقدة اليهود السابقة وهي أزمة الاندماج والصراع مع الآخر، الذي كان سمة بارزة من سمات الهوية الأوروبية آنذاك.
إذا كان اهتمام الأوروبيين بالقضية الفلسطينية هو اهتمام بالمسألة اليهودية في أوروبا، واذا كانت اسرائيل هي امتداد للغرب في فكرها الاستيطاني الاستعماري للشرق؛ علينا أن ندرك حقيقة أن الغرب قبل تأسيس دولة اسرائيل كان يرى اليهودي امتدادا للشرق داخل الغرب، وهذا كان يعزز نظرية الصراع مع الآخر، والحفاظ على الهوية الأوروبية والصراع هنا ديني إثني بالمرتبة الأولى، فاليهودي المضطهد في أوروبا عليه أن يكون استعمارياً استيطانياً يثل أوروبا خير تمثيل في الشرق وهذا هو الشرط الوحيد لقبوله كمواطن له حقوق المواطنة في المجتمع الأوروبي الذي لم يسمح بالإندماج بدون هذه الشروط الاستعلائية.
لكن أزمة الاندماج أزمة تاريخية مرتبطة بسايكولوجية وتكوين الشعب اليهودي وعلاقتهم بالشتات والاضطهاد الذي تعرضوا له، إضافة إلى العوامل الاقتصادية المزدهرة التي كونوها في الشتات. يرى آرنولد توينبي إن فكرة الشخصية اليهودية أو النفسية اليهودية التي أصروا عليها خلال قرون كانت تميل للعزوف عن الاندماج في المجتمعات التي عاشوا فيها، هي نفسها فكرة الشتات التي فرضوها على أنفسهم، وهي التي جعلتهم يرفضون دعوة زعمائهم إلى العودة من الشتات في القرن السادس ق.م. ويرى توينبي إن عدم استجابة اليهود للعودة، خاصة من الأسر البابلي عائد إلى ظروف المعيشة التي ابتكروها في أرض بابل التي كانت أفضل بكثير من الظروف التي كانوا يعيشون في ظلها. إن النفسية اليهودية تكونت في نظر توينبي من خلال الظروف التي عاشها اليهود، فارضين على أنفسهم ظروف الشتات، بالإضافة إلى أن هذه النفسية أسهمت في صوغها الفكرة الدينية المتطورة على أيدي كهانهم، واعتبروا نفسهم شعب الله المختار. إن فكرة شعب الله المختار أدت بهم إلى قحط فكري تزايد على مر العصور حتى انتهى بهم إلى عقم روحي وأخلاقي شديد.
ربما لا يؤمن بعض منا بنظرية المؤامرة ويعتبرونها دليلاً على العجز الفكري، لكن هناك حقيقة يجب أن نعيها وهي التبعية أي أننا ما نزال دولاً تابعة سياسياً واقتصادياً وفكرياً أو بيادق شطرنج تحركها صراعات القوى العظمى كيفما شاءت مصالحها في المنطقة وهذه ليست وليدة اللحظة، وإنما هي أزمة الفكر العربي في تاريخنا الحديث. فاليسار عانى من استنساخ التجربة السوفييتية بدون الاعتماد على الإرث التاريخي والحضاري للعرب. والفكر القومي عانى من سطوة الأنظمة الشمولية وقمعها للحريات الفردية وحق الأقليات والعرقيات الأخرى في العيش المشترك مع العرب. طبعاً كانت هناك استثناءات أنارت الفكر العربي لكن لم يقدر لها أن تدوم طويلاً.
وقد استغلت القضية الفلسطينية من قبل الأنظمة الاستبدادية فأصبح شعار تحرير فلسطين من أولويات هذه الأنظمة لشرعنة بقائها على سدة الحكم، لكنها في الوقت نفسه كانت تقمع الفصائل الفلسطينية على أرضها في حال شعرت هذه الأنظمة بوجود تحرك حقيقي للمقاومة، وكانت تعتبر بالنسبة لدول أخرى بمثابة صفقة مع الاستعمار والولايات المتحدة الأمريكية.
ومثلما كانت القضية الفلسطينية أداة من أدوات الحرب الباردة وضحية لصراع المعسكرين الشرقي والغربي، نراها في يومنا هذا أسيرة لتجاذبات عديدة بين دول غير عربية وأعني هنا تحديداً تركيا وإيران. فالقضية الفلسطينية مثلت بالنسبة لهاتين الدولتين مبرراً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية واللعب على الوتر الطائفي والمذهبي، وساعد على ذلك التفتت والانقسام في سوريا والعراق وغياب مفهوم السيادة المتمثل بنظام مركزي يسيطر على كافة أراضي الدولة ووجود جيش قوي يمثل رمز البلد وتاريخه. في العراق مثلاً كل شخص ينادي بعروبة العراق والقضية الفلسطينية يتهم بالشوفينية أو بالإرهاب وتسير على هذا النهج الآن بعض فصائل المعارضة السورية والكثير من السياسيين والإعلاميين في مصر. كانت مصر وسوريا والعراق تمثل سابقاً ثلاث دول محورية لها ثقلها السياسي والثقافي في مواجهة الكيان الصهيوني، وأنتجت عقولا جدلية مفكرة ومتحررة والآن تعاني هذه الدول الثلاث من انهيار حقيقي في البنى الثقافية والسياسية إضافة إلى تفكك في مؤسسات الدولة ذات النظام المركزي القوي.
وقع الإعلام العربي بعد عام 2003 في فخ الطائفية وراح يغذي العقل العربي الراكد بأفكار دموية للدفاع عن الهوية الفرعية، فأصبح الإعلام أداة دموية عمادها الإرهاب الفكري والعقائدي. ومن الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الإعلام إنه كان يعتبر الرئيس السابق صدام حسين ممثلاً للعرب السنة، وإن حربه مع إيران هي سنية شيعية، وبالغ في مسألة الخطر الإيراني ونحن لا ننكر الأطماع الإيرانية وتدخلاتها السافرة في المنطقة ولا ننكر وجود عملائها التابعين، لكن تبقى إيران دولة ذات سيادة ولها مشروعها الخاص الذي يميز هويتها ولها قوتها العسكرية ودورها السياسي الفاعل، لكن هذا التهويل والتضخيم الذي مارسه الإعلام بحق إيران، خدم إيران بشكل غير مباشر كما خدم تركيا وإسرائيل وأمريكا، عن طريق تسطيح العقل العربي وحصره في كانتونات طائفية ضيقة. لكن يجب ألا نلقي باللائمة دائماً على الدول الكبرى ومشاريعها الاستعمارية ونغفل عن غياب مشروعنا الحضاري والثقافي الذي يميز هويتنا وكينونتنا، فالعرب في كل عصر وزمان مبتلون بحروب جديدة وأزمات مفتعلة والحروب المقبلة هي حروب مصيرية ستتحدد من خلالها خريطة الشرق الأوسط الجديد، فها هو العد العكسي قد بدأ لمعركة الموصل المرتقبة، هذه المعركة بالذات ستكون معركة فاصلة ومحورية بين زمنين وستكون إحدى الذرائع الكبرى لسايكس بيكو جديدة، يتضح هذا من خلال الاهتمام الدولي بها وتأهب بعض الدول للمشاركة بجيوشها في هذه المعركة، علماً بأن الموصل شأن يخص العراقيين وحدهم، لكن الصراع المذهبي يتخفى تحت مسميات سياسية وتقوده أجندة خارجية تعرف كيف تدير دفة التناحر والشقاق.
من حقنا أن نحتفي بالحياة وأن نتقدم ونزدهر كباقي شعوب الأرض مبرزين قيمنا الإنسانية والفكرية في هذه المنظومة الكونية المترابطة، هناك أشياء بسيطة جدا لكنها غائبة ومغيبة عن عقولنا المستعمرة والمبرمجة كتفعيل الحوار بين الأديان والمذاهب وتوحيد الخطاب الديني والسياسي وتجاوز الخلافات التاريخية إلى ما هو أسمى من ذلك إلى شيء يرتقي بالفكر والروح، أما في حالة استمرار الحروب الداخلية والشقاقات فإننا نعمل وبطريقة مقصودة على محو جماعي لذاكرتنا وتاريخنا وإرثنا الثقافي. لقد عاش الشيعة والسنة في الوطن العربي متكاتفين متعاونين طيلة مئات السنوات مشاركين بعضهم بعضا الطقوس الدينية وفي الأفراح والأحزان وكان العلماء الشيعة والسنة يجتمعون معا لمناقشة القضايا الفقهية والدينية، وكانت هناك مساحة للآراء المشتركة ولقبول الآخر المختلف. فما الذي حصل الآن؟ ولماذا هذا الاقتتال الطائفي البغيض تتوسع هوته في الوطن العربي؟ لابد لنا أن نعلم أن الصراع سياسي بحت وليس دينياً فعندما يتهم الشيعة العرب بولائهم وانتمائهم لإيران وعندما يتهم السنة بولائهم لأمريكا والغرب وتجيش لهذه الأفكار والعقائد الأموال والجيوش والقنوات الإعلامية التي تحتكر الحقيقة وتلغي الآخر، فإن هذا وحده كفيل بأن يحول المذهبين الشيعي والسني إلى أيديولوجيات عنصرية متناحرة وربما إلى شيء أقرب إلى الكيانات القومية على طريقة دولة إسرائيل التي حولت اليهودية إلى أيديولوجية وقومية.
إن إعادة تقسيم المنطقة وتفتيتها إلى كيانات متنازعة ومتفرقة فتكون قوية فيما بينها ورحيمة على عدوها هو ما يحقق أمن واستقرار اسرائيل وسط هذه الفسيسفاء الهشة كما جاء في دراسة المستشرق البريطاني من أصل يهودي برنارد لويس، الذي قدم دراسته لمجلة البنتاغون سنة 1980 يقترح فيها تقسيما جديدا للعالم الإسلامي وإنشاء أكثر من ثلاثين كياناً سياس،ياً إضافة إلى الدول الست والخمسين التي تتوزع عليها خريطة العالم الإسلامي . كانت استراتيجية التقسيم ورقة مدروسة بدقة وحذر لها أسبابها ونتائجها وتمرحلها البطيء، فقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه معظم الأفكار الثورية إلى انهيار حقيقي في نفسية الإنسان العربي، كما أن سيطرة النظام العالمي الجديد و الشركات الكبرى التي استعبدت الإنسان وحولته إلى آلة؛ جعلت العربي أسيراً لأزمات اقتصادية واجتماعية أدت إلى سقوط مدو لمنظومة الأحلام الثورية التي عايشها قبل عقد التسعينيات. سادت في تلك المرحلة حالة غير مسبوقة من تفشي الفقر والجهل وازدياد قمع الأنظمة الشمولية لشعوبها في المنطقة، فكانت هناك حالة من الارتداد الأعمى إلى الجذور الدينية والفردانية المنفصلة عن الهم الإنساني وأحداث العالم. جاء الغزو الأمريكي إلى العراق سنة 2003 متوجاً انتصار الفكر الغربي الاستعماري على الأوهام العربية، وقلب الأوراق على الطاولة السياسية العالمية أمام ضعف العرب وتشرذمهم، حيث لم تعد بعد هذا التاريخ فلسطين قضية العرب المركزية، بل أصبح العرب يشتركون الآن مع عدوهم في الحروب على بني جلدتهم وأصبحت كل مقاومة للمحتل إرهاباً مرتبطاً بالعار والجريمة.
ما زال حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني مجهولاً وغامضاً، وما زالت القضية الفلسطينية تئن من وطأة الصراعات والتحالفات الدولية الجديدة في كل مرحلة من مراحل تاريخنا الحديث، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الفلسطيني من بربرية الكيان الصهيوني داخل الأراضي المحتلة وأزمة شتاته وتفرقه بين دول العالم وهي عقدة الشتات نفسها التي حاول اليهود تصديرها إلى العرب والمسلمين بعد بناء كيانهم المصطنع على أرض الميعاد وتشريد شعب بأكمله في منافي الأرض وهو يملك كامل المقومات الحضارية والجغرافية والثروة الطبيعية التي تؤمن له رغد العيش والارتقاء المشروع بين الدول. فلسطين هي الصرخة المدوية في أعماق صمتنا، قمر شاحب في عتمة الشرق الحزين فلسطين ذاكرة للنسيان العربي والحلم الذي لابد أن يوقظنا يوماً من سباتنا العميق.
كاتب عراقي
أوس حسن