فلسطين… مقابل جواز سفر

حجم الخط
2

انتهى عملياً الاشتباك بين الشتات الفلسطيني وإسرائيل بمجرد الخروج من بيروت، حيث انتقل الاشتباك المباشر إلى الأيدي العربية التي تناوبت على المشهد الفلسطيني، ما جعل الرئيس الراحل ياسر عرفات، يتجه إلى اوسلو، هذا الاتفاق الذي رفضه الكثيرون ولكنهم تعاملوا في النهاية مع نتائجه، التي كانت أفضل المتاح.
لم يتوقع الراحل ياسر عرفات، أن يتحول الشتات الفلسطيني في العراق ثم سوريا، ولبنان على الطريق، لم يتوقع أن تكون هناك جرأة على المخيمات الفلسطينية البائسة، التي حاول الزعيم الراحل أن يمنحها ابتسامة وأملا، ونسج بداخلها منظومة ثقافية هائلة، قامت على وحدة فلسطين ووحدة الشتات، وفكرة القبول لبعضنا بعضا، لذلك لم يشهد التاريخ السياسي أن عرفات استخدم كلمة – نحن في فتح- كما يفعلها قادة الفصائل اليوم، ولم يقبل أن يقدمه أحد بهذه الجزئية، وظلت كل دول العالم تستخدم مصطلح الثورة الفلسطينية، كمصطلح يعني القضية الفلسطينية. مع الخروج من بيروت بدأ الفصل العربي الأول، باشتراك ليبيا وسوريا في شق حركة فتح، وتدميرها ومحاربتها في لبنان، وقتل واعتقال الالاف من ابنائها، وشهدت تلك المرحلة تعبئة ثقافية هائلة، كانت تتركز على تخوين الماضي الفلسطيني كله، بانتظار مرحلة فلسطينية مقبلة، كانت تقودها سوريا، انتهت هذه المرحلة بإدخال الفلسطينيين في نفق الصراعات مع حركة أمل اللبنانية، وصولاً إلى عودة الاشتباكات الفلسطينية – الفلسطينية، من أعوام 1987 ، التي لا تزال مرشحة للعودة في أي وقت، والتي تعني في الخطوة المقبلة انهاء مخيمي عين الحلوة، وبرج البراجنة، وصناعة نقلة جديدة في الشتات الفلسطيني، تقوم على قاعدة جعل الشتات الفلسطيني في مواجهة عربية بامتياز.
ما بعد عام 1982 اختفى اسم المقاومة الفلسطينية، ولثلاثين عاماً مضت، لا يزال الداخل والشتات الفلسطيني ينحدر نحو مزيد من تعميق فكرة – مركزية أو محورية الفصيل الفلسطيني- الذي أصبح بديلاً للثورة الفلسطينية في مرحلتها السابقة، ولا تزال الفصائل الفلسطينية تحاول مسح الماضي من الذاكرة، وتحويل كامل تاريخه إلى شبهة، وهذه هي الجريمة ذاتها التي أطلقها النظام الرسمي العربي، الذي أراد قتل ظاهرة الثورة الفلسطينية في بيروت، التي يمكننا اختصارها بسطر واحد، أن مرحلة بيروت كانت الحقبة الذهبية في تاريخ الشعب الفلسطيني، لأن الثورة الفلسطينية جمعت كل فصائل المعارضة العربية وجعلتها توحد بوصلتها ضد اسرائيل وليس ضد الأنظمة. ياسر عرفات هو الوحيد الذي كان في زمنه يتوجه المعارضون العرب والأنظمة العربية إلى مواجهة واحدة ضد اسرائيل، لذلك، هذا الرجل الذي جاء في الزمان الصعب، واشتغل بالحكمة، مطلوب من جميع الفصائل من دون استثناء، أن تعتبر حقبته سوداء، وأن تهتف للمرحلة الحالية التي فيها كل صنوف الانقسام والفوضى، وغياب البوصلة الفلسطينية والعربية الواحدة، وانشغال الجميع في تصفية حسابات مؤقتة، رمت الشتات الفلسطيني وراء ظهرها، وهو الصمت الفلسطيني المعيب على مئات الالاف، هم الشتات الفلسطيني الذي يزحف بحثاً عن أي أمل للخلاص من ظلم العرب ولا يجدون فصيلاً واحداً يتبنى قضيتهم.
في زمن ياسر عرفات، كان الفلسطيني هو عنوان المرحلة، وفي زمن الفصائل الحالية، يستطيع أن يقول أمين عام أي تنظيم لأي مثقف فلسطيني، «أنا أحضرتك من الشارع وصنعت منك إنساناً»، بل يستطيع أن يقول ذلك لأي فلسطيني، لأن الفصيل الفلسطيني أهم من الشعب والناس وفلسطين ذاتها.
اليوم، ونحن نجلس في تركيا ونراقب الحالة المؤلمة للشتات الفلسطيني، الذي يمتد خيطاً رفيعاً يتسلل خفية من القامشلي حتى انطاكية، والجميع وجهتهم مدينة أزمير التركية، في هجرة هي لنخب مثقفة ومتعلمة واطفال ونساء وجرحى ومقعدين، بمعنى هي هجرة شاملة، لفلسطينيي سوريا نحو اوروبا، والجميع ممن نلتقيهم يقول لنا جملة واحدة، «لا نريد الاحتفاظ بوثيقة السفر التي يتم ذبحنا بسببها»، وهكذا يبقى خيار الفلسطينيين الفقراء هو تركيا كخيار مؤقت، وخيار عموم الفلسطينيين في النهاية بمن فيهم نحن وعائلاتنا، هو أوروبا، أو باختصار جواز السفر. أظن أنه يجب أن نشكر الدول الأوروبية التي تمنح الفلسطيني حقه كإنسان، ويجب أن نسأل جميع زعماء الفصائل الفلسطينية، الذين جميعهم، وأكرر جميعهم، مع عائلاتهم – يحملون جوازات سفر عربية – وليست لديهم أو عائلاتهم أي مشكلة في التنقل والحركة والحياة عموما.
رحم الله أبو عمار الذي أمضى معظم حياته بين الكهوف والبيوت المتواضعة، وأطال الله في عمر قياداتنا الحاليين الذين أنجبتهم أمهاتهم في المخيمات، لكنهم تربوا في الفنادق. ونعم، لأي جواز سفر يحمينا كفلسطينيين في الشتات، لأنه أرحم بنا من 58 دولة عربية وإسلامية ترمينا في مهب الريح.

٭ كاتب فلسطيني

أيمن خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية