ينظر إلى إسرائيل دوما في الإعلام الغربي على أنها واحة للديمقراطية والأمان والازدهار والاستقرار وسط محيط هائج من الاضطرابات والاستبداد والعواصف العاتية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط. وليس أدل على ذلك من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ومقالة السفير الإسرائيلي بالوكالة في صحيفة الـ «دايلي تلغراف» البريطانية والتي تسأل فيها عن أسباب موجات الطعن بالسكاكين ضد اليهود، السؤال الذي سئل مرارا وتكرارا منذ أوائل القرن الحالي من أفراد أسرته عبر أجيال متعاقبة. الدبلوماسي الإسرائيلي عزا الهجمات الفلسطينية سابقا لمقالات تحريضية نشرت في الإعلام العربي تعزف على أوتار الفتنة وتأجيج المشاعر الدينية المعادية ضد اليهود ليس لسبب مقنع الا لأنهم مجرد يهود وفي وقت لم يكن هناك احتلال وزمان لم يكن فيه بنيامين نتنياهوحيا يرزق ولم تكن هناك عملية سلام متعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الدبلوماسي الإسرائيلي تابع هجومه على الرئيس الفلسطيني محمود عباس باتهامه باثارة العنف ضد اليهود بالطلب منهم بعدم تدنيس الحرم القدسي الشريف بأقدامهم القذرة.
لا حديث عن اقتحامات الجماعات الإسرائيلية المتطرفة لباحات الحرم القدسي الشريف تحت أنظار جنود الاحتلال المدججين بالسلاح ولا حديث عن خطط إسرائيلية ممنهجة لخلق وقائع جديدة وتقسيمات زمنية ومكانية للمسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين تسمح لرعاع وقطعان المستوطنين والمتطرفين اليهود بالدخول إلى حرم المسجد الأقصى في أوقات معينة ومنع المصلين المسلمين في أثناء ذلك من تأدية شعائرهم الدينية بحرية تماما كما حدث في الحرم الابراهيمي الشريف.
لا حديث من جانب الدبلوماسي الإسرائيلي عن تسمين المستوطنات اليهودية على أرض فلسطين التاريخية بما فيها القدس الشرقية بهدف التهويد وطمس التراث الاسلامي المسيحي ولا حديث عن منطق القوة الغاشمة الذي تنتهجه سلطات الاحتلال بحق المدنيين العزل على مرأى من المجتمع الدولي ولا حديث عن القتل بالدم البارد والحصار الجائر على قطاع غزة منذ ما يزيد عن ثماني سنوات عجاف عانى منها سكان القطاع من الظلم والجوع ونقص المؤن والمواد الطبية ودوامة الدمار والقتل التي خلفتها الغارات الوحشية على المدنيين العزل. ولا حديث عن حرق عائلات بأكملها وهم أحياء ولا عن الجدار العازل وسرقة الموارد المائية والطبيعية ولا عن التمييز العنصري والحواجز التنكيلية واقتلاع الأشجار وتجريف المزارع واحراق واتلاف أشجار الزيتون وسياسات الأرض المحروقة والضرب بعرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف والمعاهدات الموقعة مع القيادة الفلسطينية واتفاقية السلام مع الأردن التي حفظت للأردن وقيادته الهاشمية حقها الطبيعي بالوصاية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين وكل الجرائم التي مرت وتمر بدون محاسبة ومسألة وعقاب.
لقد حذر الملك عبد الله الثاني من مغبة المساس بالهوية الإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة ومن عواقب الأعمال العدائية والمساس بالمكانة السامية للمسجد الأقصى المبارك وما يمكن أن تثير من إهانة لمشاعر المسلمين الذين يشكلون ربع سكان الكرة الأرضية. كما ودعا إسرائيل مرارا إلى ترك عقلية القلعة والابتعاد عن الاجراءات أحادية الجانب والسعي نحوتسوية شاملة وعادلة تؤمن حل الدولتين دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية جنبا إلى جنب تعيشان بأمن وسلام تماشيا مع تعهدات الأمم المتحدة فلا يمكن أن يحظى الجميع بحمية الأمم المتحدة بينما يظل الشعب الفلسطيني محروما من السلم والتعايش السلمي وحقوق الإنسان ونشر الحريات والديمقراطية والكرامة الإنسانية والوئام الديني الذي أنشئت المنظمة الدولية من أجلها.
كما دعا الرئيس محمود عباس مرارا وتكرارا وآخرها من على منبر الأمم المتحدة إلى تفادي تحويل الصراع السياسي مع إسرائيل إلى حرب دينية تنذر بحرق الأخضر واليابس وتكفل بتأجيج مشاعر المليارات من المسلمين والمسيحيين وإدخال العالم في دوامة جديدة من العنف والإرهاب والتطرف الأعمى غير المسؤول.
وحري بالذكر أن العنصرية الإسرائيلية والتطرف اليهودي لم يطلا المسلمين وحدهم فمن منا لا يتذكر اقدام متطرفين يهود على احراق كنيسة الخبز والسمك في الجليل وتدنيس جدرانها بكتابة شعارات عنصرية ضد المسيحيين الفلسطينيين تصفهم فيها بعبدة الأوثان وتنذرهم بدفع أثمان باهظة وتحطيم صلبان وتكسير شواهد قبور اسلامية ومسيحية ضمن سلسلة اعتداءات استهدفت مواقع إسلامية ومسيحية ودون تدخل من الشرطة أوالحكومة ووسط تعتيم وتكتم متعمد على هذه الممارسات المشينة. ومن لا ينسى منع الحجاج من الوصول إلى كنيسة المهد للصلاة والاحتفال بأعياد الميلاد وسط تضاؤل أعداد المسيحيين في الأرض المقدسة مهد السيد المسيح عليه السلام والينبوع الذي لا ينضب الذي نهلت منه الإنسانية جمعاء.
لقد دفع الفلسطينيون أثمانا باهظة لجريمة المحرقة النازية ضد اليهود في أوروبا وحان الوقت لرفع الظلم التاريخي الذي حاق بالشعب الفلسطيني وانهاء الاحتلال وايقاف العقاب الجماعي والتنكيل والقتل والحرق المتعمد وطمس هويته الثقافية والدينية والفكرية والانسانية والاقتصادية ووقف تدنيس المعالم الاسلامية والمسيحية وتحطيم نظام الأبارتهيد العنصري.
ان فلسطين ليست وحيدة فرفع علمها على مباني الأمم المتحدة وتطويب قديستين فلسطينيتين من قبل قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس واعتراف الكرسي الرسولي في الفاتيكان بدولة فلسطين لخير دليل على أن فلسطين كانت ولا تزال حاضرة في الوجدان الإنساني الدولي دولة تنشد السلام والأمن والرقي الحضاري. وفلسطين ليست وحيدة فتحركات جلالة الملك من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية والمسيحية للمقدسات ونقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى المحافل الدولية والدفاع عن نضالاتهم العادلة ووقوفه دوما إلى جانب التوأم الفلسطيني في السراء والضراء لخير دليل على أن فلسطين حاضرة دوما في الفكر الهاشمي وأن المسعى دوما لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني النبيلة بانشاء دولته المستقلة وتحرير عاصمـتها القـدس الشـريف من بـراثن الغزاة.
أختم باقتباس كلمة الرئيس محمود عباس من على منبر الأمم المتحدة يوم الثلاثين من أيلول/سبتمبر مخاطبا المجتمع الدولي: (ان فلسطين بلد القداسة والسلام، مهد المسيح رسول المحبة ، ومسرى ومعراج محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعث رحمة للعالمين، فلسطين هذه لازالت تبحث عن السلام، وشعبي يريد أن يعيش في وطنه بأمن وأمان ووئام واستقرار وحسن جوار مع شعوب ودول المنطقة كافة، ويشهد على ذلك إسهامه الحضاري والإنساني والثقافي والروحي في المسيرة الإنسانية منذ بداياتها).
د. منجد فريد القطب