خرج آلاف الفلسطينيين إلى الشوارع أمس في خطوة احتجاج وتحدّ لقرار الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب المتوقع بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
يمثّل هذا الاحتجاج استعداداً لخطوة لم يقم بها أي من الإدارات الأمريكية المتعاقبة رغم تفانيها جميعاً في الدفاع عن إسرائيل ومصالحها وذلك، ببساطة، لأنه أمر يتجاوز خطوطاً حمراً فلسطينية وعربية وإسلاميّة، ويعتبر مقدّمة، كما قال مسؤول فلسطيني، «لاغتيال جميع المعاهدات وضرب أي أمل بإقامة الدولة الفلسطينية وتكريساً للاحتلال».
ما قام به الفلسطينيون، بهذا المعنى، عمل واع لشعب صار دفاعه عن حقوقه الأساسية فعلا يشبه غريزة البقاء عند كافة الكائنات، غير أنّ الشعب الفلسطيني، مع ذلك، يختلف عن غيره من أغلب شعوب الأرض بكونه لا يملك دولة حقيقية ذات سيادة بعد لأن هذا «الشيء» المسمى إسرائيل استطاع احتلال أرضه بحيث صارت وظيفتها أو معناها أن تفقد الفلسطينيين وظيفتهم ومعناهم وهويتهم وثقافتهم وكيانهم الاجتماعي البشري (بل طال جشع استيلائها غير البشريّ أيضاً: أشجارهم وحيواناتهم) كما لو كان وجودهم وحده كافيا لإفقاد تلك الدولة العجيبة سبب وجودها.
ضمن هذه البؤرة التناحرية بين الطرفين يمكن فهم اعتبار الفلسطينيين للقدس محوراً يمثّل هويتهم الثقافية والدينية وعنواناً لسيادتهم المستلبة ومحطاً لآمالهم بأن تكون عاصمة لدولتهم العتيدة.
لهذه الأسباب المذكورة كلّها نفهم أيضاً أسباب صبّ إسرائيل كل فنون غطرستها واستبدادها ووحشيتها على هذه الفكرة التي تحاول تقويضها بكل الطرق الممكنة والمتخيلة، من إحراق الأقصى، إلى حفر الأنفاق تحته بحثاً عن هيكل سليمان المزعوم، إلى حفلات العربدة للمستوطنين والسياسيين المتطرفين فيه، إلى التضييق على المقدسيين وطردهم من مدينتهم، وليس انتهاء بضغط لوبياتها في واشنطن ودول العالم المؤثرة لنقل سفارات تلك الدول إلى القدس بحيث يكون احتلالها دبلوماسياً تشريعاً عالميّاً لإفقادها هويتها ومعناها الإنسانيّ العام وإنهاء لفكرة فلسطين نفسها.
تبيّن الخفّة «الترامبية» في التعامل مع موضوع القدس تحوّلاً فظيعاً في مسار العالم.
لقد صوّت الناخب الأمريكي لرجل «البزنس» رغم الكشوفات الفظيعة عن سلوكيّاته وآرائه المثيرة للاشمئزاز مع النساء، وتصريحاته المعلنة ضد الأقلّيات اللاتينية والمسلمين، وغرامه بالطغاة واتجاهات اليمين العنصريّ، ولأن هذا جرى في أمريكا، أكبر وأغنى أمة ديمقراطية في العالم، فهو يعني أن اللامعنى واللاعقلانية والتوحّش ستكون طرق أمم العالم في التعامل مع بعضها الآخر، وهذا أكبر مكافأة يمكن أن تحصل عليها دولة مثل إسرائيل.
كما لو كان بلطجيّا، طالب ترامب في برنامجه الانتخابي، دول العالم بالدفع مقابل الحماية، بمن فيهم حلفاؤه الأوروبيون في حلف الأطلسي، وحلفاؤه العرب، وكانت إسرائيل هي الاستثناء الوحيد فقد توجّهت بلطجته نحو من يعتبره الطرف الأضعف في المعادلة: الفلسطينيون.
ما علينا إلا أن نعيد سرد الحكاية: فلسطين وعاصمتها القدس.
رأي القدس