فلسفة الثقافة لدى طه عبد الرحمن

حجم الخط
0

استطاع المفكر المغربي طه عبد الرحمن أن يؤسس مشروعا فكريا سمته الكبرى التكاملية المعرفية والاستكشاف، بمعنى تأسيس المعرفة وفق منهج تركيبي استكشافي يمزج بين مكونات مختلفة: المكون الفلسفي والمكون المنطقي اللغوي والمكون الأخلاقي، يتجلى ذلك في التوليف المبدع بين قضايا التراث والمنطق والفلسفة واللغويات المعاصرة وفلسفة الدين وأسئلة الترجمة والحداثة.
كما يمتلك القدرة المنهجية على توليد وتأسيس الأفكار بنفس مغاير ومفارق للتصورات السائدة في دنيا الخطاب الفكري العربي المعاصر، اعتمادا على ثنائية النقد والتجاوز، ليس بمعنى القطائع المعرفية الحدية؛ لأن القطيعة المطلقة غير موجودة عمليا، بل نظريا فقط، بمعنى نقد واستيعاب التصورات الفكرية السائدة، وتجاوزها بمنطق إبداعي تجديدي خلاق.
هذا المشروع الفكري التجديدي له خصوصيات متفردة على مستوى بلاغة الإنشاء الفلسفي في حد ذاته، المتسم بالتماسك المنطقي والانسجام المنهجي، والتوليد الاصطلاحي والمعجمي، والمنهجيات المعتمدة في ذلك، والقدرة على توظيف مصطلحات تراثية بمنطق استشرافي، وكذا الخصوصية السجالية على مستوى الطرح العام، من خلال مناقشة طروحات فكرية لمفكرين آخرين، وهذا ما يحتاج أوراقا بحثية مستقلة مطولة لا تسعها هذه المقالة العجلى.
من بين القضايا التي أبدع فيها طه عبد الرحمن، تجديد النظر في المسألة الثقافية، خاصة في كتابه «الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري»، بطريقة تنأى عن السقوط في فخ السرد التاريخي للمعارف المرتبط بالوقائع المادية والتفاصيل الأقرب إلى التحليل السياسي والاجتماعي أو التأريخي، منه إلى التناول المعرفي المنهجي الخاضع لمنظار الفلسفة، باعتبارها نظرا عقليا في الكليات والبنى والأنظمة الثقافية المعرفية. من هذا المنطلق يقدم طه رؤية تصورية عامة بمثابة أرضية يطمح من خلالها إلى تجديد مفهوم الثقافة، وفق ثنائية تقوم على الجدلية والتأسيس، أي مجادلة ونقد التصورات السائدة في الفضاء الفكري العالمي والعربي للثقافة، وتأسيس التصور الجديد الذي يراه أكثر وصفية وتفسيرية وإجرائية لتحرير الإنسان وتحقيق الإبداع وبناء العمران.
ينطلق في هذه الرؤية من التمييز بين ما يسميه بـ»النظر الملكي» و»النظر الملكوتي»، باعتبار الأول نظرا وتأملا في عالم الظواهر يوصل إلى العلم، والثاني نظرا في عالم الآيات وفق مدلول النص القرآني يوصل إلى الإيمان، معتبرا أن النظر الملكي فرع عن الأصل المتمثل في النظر الملكوتي.
كما يوجه سهام نقد لاذع للتصور السائد لمفهوم الثقافة في الفضاء الفكري العالمي، الذي يعتبره لا يؤمن بالاختلاف الثقافي، مما أفرز مفاهيم «صدام القيم»، «وصراع الثقافات»، وغيرها من التصورات الصراعية التي توظف التعدد الثقافي والقيمي لصالح التطرف الثقافي والتسلط السياسي، وثقافة الانفصال؛ انفصال السياسة عن الأخلاق وانفصال العقل عن الوحي وانفصال العلم عن الدين…
في هذا السياق يفكك طه عبد الرحمن بعمق فكري وحصافة نقدية ما سماه بالمفاسد الثقافية الأربع: الاستتباع الثقافي، والتخريب الثقافي، والتنميط الثقافي، والتلبيس الأخلاقي، وبعد تفصيل النقاش في أبعاد وعناصر ومكونات كل نوع، يفضي إلى ضرورة تجديد وتأسيس مفهوم الثقافة وفق رؤية مفارقة للمعهود من التصورات، ويقترح صياغته على النحو التالي: «الثقافة هي جملة القيم التي تقوم الاعوجاجات الفكرية والسلوكية داخل الأمة على الوجه الذي يجدد اتصال الفكر والسلوك بأسباب هذه القيم في عالم الآيات، وبالقدر الذي يمكن الأمة من استرجاع قدرتها على الإصلاح والإبداع، طلبا لتنمية الإنسان والارتقاء به في مراتب الكمال العقلي والخلقي».»الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، ص: 87». يتأسس هذا التصور في تكوينه البنيوي على مرجعية قرآنية ثاوية ومضمرة في ثنايا الخطاب، غير أنه يمتلك جوانب وظيفية للثقافة تجعلها قيما تبني الفكر الصحيح والسلوك القويم وتساهم في تحرير الإنسان وبناء العمران، وما أحوجنا أن يكون مثل هذا التصور الخلاق لمفهوم الثقافة، وغيره من تصورات مفكرينا وفلاسفتنا الكبار أمثال العروي والجابري والخطيبي… مدخلا لتجديد أسئلة الثقافة العربية، وتأسيسا نظريا لأسئلة الإصلاح الثقافي ورؤية ناظمة لعلها تساهم في إصلاح سياساتنا الثقافية العرجاء، لأن المعرفة السليمة أساس كل تغيير، لاسيما في ظل التحولات والمنعطفات التاريخية الراهنة التي يشهدها الوطن العربي.

كاتب مغربي

يونس حباش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية