بيروت ـ «القدس العربي»: يعيش الطفل السوري نزار مقابل مدرسة في أحد أحياء بيروت. لكن نزار، البالغ من العمر عشر سنوات، لم يذهب يوما إلى هذه المدرسة، أو غيرها، منذ أن ترك سوريا حيث كانت مدرسته الأولى. اختار نزار الشارع بدلا من الذهاب إلى الصف ذلك لأنه يوفر له مصدر عيش من بيع العلكة. يطوف نزار شوارع بيروت طوال اليوم، يدخل المحلات والأبنية، يقف عند السيارات المستعجلة، حتى يجمع ما تيسر له من نقود، ليعود ويعطيها لوالديه. كان هذا خيار نزار. العمل بدل المدرسة، لا لشيء إلا لأنه يمكنه من تحصيل المال لوالديه الفقيرين بدلا من تحميلهم عبء نفقات التعليم الحكومي. وعلما أن التعليم الرسمي هو مجاني في لبنان، إلا أن ظروف حياة نزار لم تسعفه في أن يكون من ضمن الـ 150 ألف طفل لاجئ من الذين التحقوا في المدارس المعترف بها من جانب الحكومة اللبنانية. ونزار، في المقابل، هو من ضمن 250 ألف طفل سوري من الذين لا يزالون خارج المدرسة بسبب ظروف معيشية وعقبات مالية، حيث أن أكثر من 70 في المئة من الأسر السورية في لبنان تحت خط الفقر، وقيود تعسفية تساهم فيها، وبشكل كبير، الإجراءات التي تتخذها الحكومة اللبنانية وتحد فيها من حرية اللاجئين في التنقل وتجديد الإقامة مما يضعف وضعهم القانوني ويؤدي إلى عرقلة أمور حياتهم. فلكي يتمكن نزار وغيره من الأطفال اللاجئين من الإلتحاق بالتعليم الحكومي، لا بد من تعديل بعض الإجراءات المتعلقة بسياسة الإقامة الخاطئة التي تضع عوائق كبيرة ومكلفة على اللاجئين وأطفالهم، وتمنعهم من الحفاظ على وضعهم القانوني، إضافة إلى زيادة الدعم المالي الموجه وغيرها من العوامل الضرورية التي يمكنها أن تسهل على الأطفال الالتحاق بالمدارس وتأمين مستلزماتهم دون أن يكون ذلك عبئا إضافيا على الأهل. ومثل نزار، تحلم الطفلة السورية اللاجئة في أحد مخيمات قب الياس في شرق لبنان، مريم الخطيب، في العودة إلى المدرسة لكنها استسلمت لظروف عائلتها الصعبة التي حالت دون التحاقها بالتعليم. وتقول مريم التي هربت مع عائلتها من محافظة درعا في جنوب سوريا قبل أكثر من ثلاث سنوات: «الإنسان بدون علم لا يساوي شيئا، امنيتي ان اتابع علمي وأصبح معلمة». مضيفة: «أشعر بحالة حزن لا توصف، لي أمنية أرجو ان يحققها الله لي ولاخوتي وهي ان يفتح باب الفرج لنا لنذهب إلى المدرسة». كما كان للاجئ أمين، الذي أصبح الآن في الثامنة عشرة من عمره حلما مشابها لحلم مريم، إلا أنه تركه وراءه بعد أن اضطرته ظروف الحياة لبدء العمل وترك المدرسة في عمر الـ 13 وهي مشكلة أكثر من يعاني منها هم الأطفال الأكبر سنا حيث أن ”أقل من ثلاثة في المئة من الطلاب السوريين في لبنان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما سجلوا في المدارس الثانوية الرسمية في السنة الماضية». ويختصر أمين ما تمثله هذه المشكلة بالنسبة لتطلعاته للمستقبل بجملة واحدة: ”أنا هنا منذ خمس سنوات وأضعت خمس سنوات من عمري».
إخفاق حكومي
وعلى الرغم من إطلاق وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان حملة لتوفير التعليم لحوالي مئتي ألف طفل سوري العام الماضي، تشير إحصاءات المنظمات الحقوقية أن نحو 150 ألف طفل فقط سجلوا في المدارس المعترف بها من جانب الحكومة اللبنانية من أصل 500 ألف، ما يعني أن أكثر من نصف الأطفال السوريين المسجلين كلاجئين في لبنان لا يزالون غير قادرين على الالتحاق بالتعليم الرسمي. وكشف تقرير حديث لـ «هيومن رايتس ووتش» عن هذه الأرقام مشيرا أن حملة الوزارة لزيادة تسجيل الأطفال في المدارس أخفقت في تحقيق هدفها وان «بعض الأطفال لم يرتادوا المدرسة منذ قدومهم إلى لبنان قبل خمس سنوات، وبعضهم لم يدخلوا أي صفوف دراسية قط». علما أن الحملة التعليمية التي أطلقتها الحكومة بالتعاون مع الأمم المتحدة فتحت صفوفا إضافية مسائية في المدارس لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب السوريين، إلا أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت إن خمسين ألفا من تلك الأماكن أصبحت غير مستخدمة.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاخفاق في معالجة هذه الأزمة، مع استمرار وجود الأسباب التي تحول دون التحاق الأطفال بالمدارس وتعيق عملية تسجيلهم وهي مشاكل ما زالت قائمة ومعظمها ليس له علاقة بمشكلة التمويل. ومن ضمن هذه المشاكل عدم قدرة عدد كبير من الأطفال من دفع تكلفة مستلزمات التعليم والمواصلات من وإلى المدرسة التي غالبا ما تكون على بعد مسافة طويلة من محل اقامتهم، إضافة إلى شروط تقييدية وتعسفية تتعلق بشروط التسجيل والاقامة والمضايقة من قبل الأطفال الآخرين وحاجز اللغة ذلك أنه غالبا ما تكون لغة التعليم في عدد من المواد الأساسية هي الانكليزية أو الفرنسية وفقا لنظام التعليم اللبناني. وقال بسام خواجة الباحث والكاتب الرئيسي لتقرير «هيومن رايتس ووتش» وعضو قسم حقوق الطفل في المنظمة «وجدنا أن الأهل يبذلون أقصى ما يستطيعون من أجل انتظام أطفالهم في المدارس في لبنان. لكن بالنسبة لكثيرين حتى الآن فإن ثمن السعي للأمان في لبنان يجعل أطفالهم بلا تعليم. فعدد الأطفال الذين لا يزالون خارج المدارس يمثل أزمة عاجلة وكلما طالت فترة ابتعادهم عن المدارس كلما قلت احتمالات عودتهم للدراسة.. وما لم يقم لبنان بتغييرات جذرية في سياسته وما لم يكثف المانحون دعمهم فإن هذه المشكلة ستتفاقم.»
إجراءات الإقامة تعقد المشكلة
و تفرض الحكومة اللبنانية على اللاجئين السوريين شروط اقامة تصفها منظمة «هيومن رايتس ووتش» بـ»المجحفة». فموجب التعليمات الصادرة في كانون الثاني/يناير 2015 يتم تقسيم اللاجئين السوريين الراغبين في تجديد اقامتهم إلى فئتين: المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وغير المسجلين الذين عليهم الحصول على كفيل لبناني ليقيموا شرعيا. إلا أنه، وبسبب متطلبات الوثائق ورسومها الباهظة، والتطبيق التعسفي للتعليمات، يواجه اللاجئون السوريون صعوبات كثيرة لتجديد الإقامة، ويمنع عدد كبير منهم من إتمام معاملاته. كما أنه وللحصول على مستند الاقامة يتوجب على السوريين دفع مبلغ قدره 200 دولار في العام الواحد وهو مبلغ لا يستطيع معظم اللاجئين دفعه مما يضطرهم إلى البقاء في مخيماتهم وتجنب التوجه إلى أي جهة رسمية خوفا من توقيفهم، بما في ذلك المدارس الحكومية، التي باتوا لا يقصدونها بسبب مشكلة الاقامة. ( ويذكر أنه، وبسبب هذه الإجراءات التقييدية، فقد ما يقدر بنحو ثلثي السوريين وضعهم القانوني منذ تطبيق القوانين الجديدة في كانون الثاني/يناير الماضي).
وبسبب ذلك أصبحت الكثير من العائلات تعتمد على أطفالها في تأمين الدخل أو المساهمة فيه، بسبب عدم حصولها على أوراق رسمية، إضافة إلى عجزها عن دفع مصاريف المواصلات ومستلزمات الدراسة لأطفالها. ولمحاولة الحد من هذه المشكلة، يرى عبد الكريم السالم، أحد المسؤولين عن مخيم في بلدة قب الياس، ان على السلطات اللبنانية ان تنشئ مدرسة داخل المخيم. ويضيف لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» «يوجد في هذا المخيم 180 طفلا لا يذهبون إلى المدرسة والسبب أنه لا توجد مدرسة تستوعب هذا العدد». ويضاف إلى ذلك ان المخيم «يقع إلى جانب الطريق العامة وهذا يخلق حالة من الخوف لدى الأهالي على سلامة أبنائهم». ويؤدي انعدام الاقامة إلى عواقب وخيمة على اللاجئين تتضمن تقييد حركتهم ما قد يؤثر على منع الأطفالهم من الحصول على التعليم. فالبرغم من أن وزارة التربية والتعليم عمّمت مذكرة على المدارس عام 2012 لإلحاق الطلاب السوريين بغض النظر عن وضعهم القانوني، والذي أكدت عليه وزارة التربية والتعليم قبل بداية العام الدراسي 2015-2016 إلا أن أبحاث المنظمات الحقوقية وجدت أن بعض مديري المدارس يستمرون في حرمان الأطفال دون وضع قانوني من ارتياد المدارس العامة. كما ومنعت المسافات الطويلة إلى المدارس بعض الآباء، غير المتمتعين بوضع قانوني، من إرسال أطفالهم عبر نقاط التفتيش التي كانوا هم أنفسهم لا يستطيعون عبورها.
ظروف صعبة
محاولة منهم للمساهمة في حل مشكلة تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان، أسست مجموعة متطوعين في طرابلس مركزا تعليميا يقدم صفوفا وأنشطة للأطفال الذين لم تسعفهم ظروفهم للالتحاق في المدرسة.
وقالت لاجئة سورية تدعى أُم سعيد «أولا: الوضع المادي سيء جدا. وثانيا هناك عائق عدم وجود مدرسة تستقبل الأطفال». وأضافت لاجئة سورية أخرى تدعى أُم مصطفى ولديها سبعة أطفال «لدي سبعة أطفال مما يتطلب مصروفا كبيرا. الأب عاطل عن العمل وليست لديه اقامة. كيف سيتمكن الأطفال من تدبير أمورهم التعليمية؟».
وأضافت أُم مصطفى «في البداية، إستطعت ارسالهم إلى المدرسة لمدة شهرين أو ثلاثة، لكن لم تعد لدي أي إمكانية حتى لدفع تكلفة المواصلات فيما بعد. يجب أن نخرج الأطفال من هذه الأزمة، أن نوفر لهم التعليم ليشعروا أنهم على قيد الحياة. يذهبون إلى المدرسة ويلعبون، حتى يشعروا ”إنو ما في شي.. ما في شي بنوب». ومثل طرابلس تعج قب الياس بالأطفال المحرومين من التعليم والذين يقطنون في المخيمات العشوائية. ويقول اسماعيل الخطيب، وهو شقيق مريم «أعيش شعورا قاسيا لا يوصف، أنا في أشد الشوق للعودة إلى المدرسة التي ابتعدت عنها وعن رفاقي. كما اشتقت إلى الأساتذة»، فيما يتحسر عماد الدين، والد اسماعيل ومريم، على عدم تمكنه من تعليم أولاده، فهو على قوله غير قادر على ارسالهم غلى المدارس بسبب الوضع المالي الصعب. ويقول الوالد لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»: «نحن في لبنان منذ ثلاث سنوات ونصف سنة، وأولادي جميعهم بدون مدارس، رغم انهم كانوا من المتفوقين في مدرستهم في سوريا». ويعود ذلك إلى «الحالة المادية، كما انه حتى اللحظة لم تساعدنا أي جمعية»، يضيف عماد الدين مشيرا إلى «انه شعور صعب علي وعلى والدتهم، ان نكون غير قادرين على ادخالهم إلى المدارس». ويخلص «انا خائف جدا على مستقبل أولادي بدون تعليم».
بعض الحلول المقترحة
تحاول المنظمات الحقوقية الضغط على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى تغيير بعض السياسات المتعلقة بإجراءات الاقامة وشروط التسجيل حتى يتم تسهيل التحاق عدد أكبر من الأطفال في المدارس الرسمية في لبنان. وتعتقد هذه المنظمات أن الطرق الأنسب لتحقيق ذلك تتمثل في «مراجعة شروط الاقامة وإصدار تصاريح لتجديد إقامة السوريين المنتهية الصلاحية لأنها تحد من حرية تنقلهم وتُفاقم الفقر، إضافة إلى السماح لهم بدخول سوق العمل، وتمكين المعلمين السوريين المؤهلين من تدريس الأطفال اللاجئين. كما تدعو المنظمات وغيرها من الجمعيات الحقوقية إلى ضرورة تأمين دعم مالي ودولي وتوظيفه في تأمين مستلزمات التعليم للأطفال غير القادرين على دفع هذه التكاليف حتى لا تكون العائق الأساسي الذي يحول دون التحاقهم في المدارس. كما وتطالب الجمعيات بمحاسبة المتورطين في العنف في المدارس ودعم الصحة النفسية للأطفال، وحث الجهات المانحة الرائدة، والمفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى تفعيل دورها في حل المشكلة وتأمين حق الأطفال الأساسي في التعليم. كما وهناك مطالبات بدعم النقل لتمكين الأطفال من التنقل من وإلى المدرسة إضافة إلى تأمين معلمين مدرَّبين يمكنهم تقديم تعليم يتناسب مع منهاج التعليم في سوريا ويقلل من حاجز اللغة من خلال تقديم صفوف مكثفة في اللغتين الإنكليزية والفرنسية.
ريما شري