فنانون شباب في الجزائر: استخدام الحياة في سوق مهجور

حجم الخط
0

الجزائر – صلاح باديس: يستمر الفنانون الجزائريون في استعراضهم. هذا الاستعراض القائم على التجريب، ليس هدفه الدعاية. إنها محاولة اثبات وجود في أمكنة تتزاحم فيها الصور النمطية والاسماء المكرسة. ومن هذه التجارب، استمرار معرض بعنوان «مواد فنية عامة 3»، في المبنى المهجور لـسوق الفلاح بشارع «فولتا». مكان منس ومهمل، يحولونه إلى مساحة لمعرضهم الذي يضم اعمال 23 فنانا شابا، من مصورين ورسامين ونحاتين، ومشتغلين في فن التجهيز والجداريات، والـ»غرافيتي».
يأتي هؤلاء الفنانون الذين لا يتجاوز متوسّط أعمارهم 25 سنة، من مُدن وحساسيات وتجارب مختلفة، كلهم جزائريون. أغلبهم عرض من قبل في الجزائر أو خارجها. يشكّلون بالإضافة إلى مجموعات أخرى، منفصلة/متصلّة، المشهد الفني المعاصر للجزائر، يتنقّلون بسلاسة بين الفضاء الإفتراضي (خاصة موقع فيسبوك) والمجال العام وبعض صالات العرض.
«سوق الفلاح»، هذه الجملة تختصر في كلام الجزائريين، ثلاثة عقود من الإشتراكية، إبتدأت بحلم وإنتهت ببداية كابوس. أسواق الفلاح كانت هي الأسواق الحكومية في ذلك الزمن. تعاونيات توفّر الأكل والملبس والأثاث بلون موحّد. الكل يلبس نفس الحذاء ويأكل نفس المُربى ويقلي البطاطا بالزيت نفسه ، ويملك الثلاجة نفسها. وبقدر ما بدأ الأمر حالماً (سوق للفلاح وبإسمه!) إنتهى على النقيض، حُرقت الأسواق (التي صار الناس يقفون أمامها في طوابير بالأيام من أجل الحصول على سلعة ما) في إنتفاضة الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 1988، وصارت نسياً منسياً، منشآت ضخمة مهجورة ومتداعية.
ليس هنالك موضوع موحّد للعرض، حتى في داخل نفس النوع. مثلاً نجد في المعرض جداريتين للصور. واحدة اُلصقت على حائط مرحاض مهمل جنب المدخل، وهي للمصوّر هواري بوشناق من مدينة تلمسان غرب البلاد، والتي إشتغل فيها على بورتريهات من تجمّع سكني شعبي في مدينة سيدي بلعباس، مع تكبير لإحدى الصور (والتي إشتهرت بين زوّار المعرض) تظهر فيها إمرأة بملامح حادّة ومكياج ثقيل ووراءها نقرأ على باب أحد البيوت «بيت شريف».
الجدارية الثانية كانت لأحد أهم «الفوتو – وواكرز» في الجزائر العاصمة: يوسف كراش. شغله بالأبيض والأسود على العاصمة منذ سنوات، صارت له بصمة خاصة من حيث درجة اللون وزواية التصوير، لكنه عرض أيضاً إلى جانب صور العاصمة صور إلتقطها في باماكو (مالي) وتونس. هنالك أيضاً عمل أسامة تابتي، سلسلة صور حول محطات البنزين المهجورة والخارجة عن العمل، المتروكة للطبيعة على جنبات الطرق السريعة في الخلاء.
مايا بن شيخ الفقون، رسّامة وخريجة المدرسة العُليا للفنون الجميلة، تواصل في هذا المعرض ما بدأته في معارض أخرى: الإشتغال على تفاصيل من الذاكرة الجمعية للشعوب المغاربية، وبخاصة مرحلة الطفولة. حيث عرضت على الجدار المقابل للمدخل ثلاث لوحات بموضوع واحد «المرّة الأولى من كل شيء» لدى طفل صغير. طفل ممدد ويدٌ إمرأة ترفع جبته البيضاء لنرى عضوه الصغير المختون حديثاً. اللوحة الثانية، طفل يجلس لأول مرّة عند الحلاق مطأطئ الرأس، وأين يمكننا أن نرى أقدام الحلاق الضخمة ويديه على رأس الطفل. واللوحة الأخيرة نرى فيها الولد يمشي في أول خروج له من البيت، خلفية بيضاء تحيط بالجسد الصغير وذراع «كبيرة» تمتد من الزاوية العُليا اليُمنى لتُمسك باليد الصغيرة. هكذا هو شغُل مايا بن شيخ، طفولة تتراوح بين الدهشة والخوف في أولى تجاربها وحضور «ناضج وكبير وخشن» غالباً يتمثّل في يدٍ تُساعد الصغير في تلك التجارب.
فنانون من عنّابة، أقصى شرق الجزائر، مُنير قوري وعادل بن تونسي، حيث عرض هذا الأخير داخل صندوق زجاج (مع خلفية سوداء بطول 3 أمتار تقريباً وطول مترين كُتب عليها: في الهوى سوى) حزاماً ناسفاً بالحجم الطبيعي، ولكن بدل الديناميت وضع بن تونسي مزامير من خشب، في تجهيز يحمل أكثر من قراءة.
جدار هرمي من لفائف ورق التواليت، مع منحوتة تمثل وجهاً صارخاً مُغمَض العينين، هو العمل الذي قدّمه بسّاي عز الدين. في حين تدّلت من السقف 12 «ظَهْراَ» من صلصال لصبرينة بن دالي تحت إسم «حُكلِي ظهري»، في تمثيل قوي لذلك الفِعل الحميم والهش الذي يقوم به الأولاد نحو آبائهم أو بالعكس. الظهر عمود الإنسان وسُلسالُه، رغم كل القوة التي فيه ليجعل صاحبه واقفاً طيلة اليوم، إلاّ أن هذا الأخير يحتاج لمساعدة يد «خارجية» حتى تحُكّ له جلد ظهره.
مراد كريناح، خريج الفنون الجميلة ومُحافظ «مواد فنية عامة» يعرض سيريغرافيا بإرتفاع الجدار، مواصلاً دائماً في التيمات التي شغلته في عمله منذ البداية: تحكّم الميديا بالجماهير من خلال مجموعة صور وكليشيهات تُسيّر بلا توقّف ويُعاد تدويرها. هُنالك أيضاً غرافيتي الـ»بانشو» والذي نجده على يسار المدخل: يدان تلفّان سيجارة «زطلة» على خلفية كتابة : MKD HMD، العبارة الشعبية التي تعني «مقودة (الأحوال سيئة) والحمدلله».
وفوق كل الأعمال -التي ذكرنا بعضها- توجد لوحة (8×3 متر) مُعلّقة في السقف نُطالعها برفع الرأس، لأحد أهم الرسّامين الشباب اليوم في الجزائر: ياسر عامر، أو كما يسمّي نفسه عبر رسوماته «الرجل الأصفر». قارب مهاجرين سريين، عشرات الرؤوس الصفراء المجهولة، رحلة خطرة وسريّة، «الحرّاقة» كما يُسمّي الجزائريون الظاهرة التي عرفوها من نهاية التسعينيات وعرفها العالم في أبشع صورها منذ سنوات قليلة.

فنانون شباب في الجزائر: استخدام الحياة في سوق مهجور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية