لم يعد ممكنا الصمت على أدعياء الفوتوغراف في الأردن، بعد مدة من تجاهل الأمر، طفح الكيل، فلقد وصل الأمر إلى حد لاأخلاقي، تحول معه فن «التصوير» الفوتوغرافي هناك إلى فن «التزوير» الفوتوغرافي؛ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وأسوأ ما في الأمر، أن هذا الذي يحدث؛ له مؤسسات تفرخ المزيد من أدعياء التصوير الفوتوغرافي، وله داعمون رسميون وتجاريون. ومن خلفهم بعض الإعلام المحلي الثقافي والفني المترهل، والمحكوم بالعلاقات العامة، يقدمون عونا إخباريا لنشر مثل هذا التزوير باعتباره منجزا ونشاطا فوتوغرافيا، من خلال المقابلات وإعادة نشر الادعاءات والتزوير والتلفيق في المنجزات، ومن خلفهم كذلك بعض مصوري الجيل السابق، الذين سقطوا من فتحات غربال التصوير الفوتوغرافي آنذاك، ليقدموا أنفسهم الآن للشباب، بل يقودونهم، تحت شعار أنهم من الرعيل الأول.
ومن المنصف القول بأن هناك مصورين ومصورات فوتوغرافيين متمرسين ومحترفين وحتى بعض الهواة الجادين، أستثنيهم من هذا القول، وحتما أستثنى المصورين الصحافيين المتمرسين أيضا.
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد صعبا أن تسوق لذاتك وأن تخترع سيرة ذاتية وهمية، وأن تُكوِّن لنفسك مريدين يعتبرون ما يقرأونه على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المصور نفسه حقيقة، فهو بإمكانه أن يدعي ما يشاء وأن يقول عن نفسه ما يشاء. في السابق كانت الوسيلة الوحيدة التي تقدم بها نفسك هي أرض الواقع والمنجز الحقيقي، ولا يوجد إشهار لهذا المنجز إلا على صفحات الثقافة والفنون ومن قِبل مختصين، كانوا أكثر عمقا وتمحيصا وفهما للفنون الإنسانية وآدابها.
لم تعد مشكلة عند البعض أن يسوقوا أنفسهم يوميا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، عبر إطلاق الأكاذيب والتزوير والادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، وكمثال على هذا الذي يحدث، خرج أحد الأشخاص (يفترض بأنه مصور) بادعاء أن واحدة من شركات مشروبات الصودا الغازية في أمريكا تعاقدت معه لشراء صورة من صوره واعتمادها ونشرها على عبواتها الزجاجية، وحين قرأت الخبر في الصحف المحلية، لم تزعجني الكذبة وطريقة صياغة الخبر فقط، بل أزعجتني كذلك تلك الصحف التي تلقفت الخبر الذي بعثه «المصور» نفسه للصحافة، وقامت بنشره من دون تمحيص أو تأكد، ناهيك عما يلقنه هذا الشخص للصحافيين أثناء المقابلات، من دون أن يقوم هؤلاء الصحافيون بالبحث عن المعلومة قبل نشرها.
بحكم معيشتي لسنوات في الولايات المتحدة، أعرف تماما هذه الشركة، وهي شركة تقوم بالإعلان شهريا عمن يرغب بنشر صورة من صوره على عدد معين من عبواتها، وعلى مصور الصورة دفع مبلغ معين مقابل طبع هذه الصورة على المنتج، وتقوم الشركة بدورها بإرسال مجموعة من هذه العبوات التي عليها الصورة للمصور. هذا كل ما في الأمر، الزبون هو من يدفع المال لكي يتم استخدام صورته وطبعها على الزجاجة! تقوم هذه الشركة بهذه التجارة منذ عام 1995، وهي تجارة رائجة، ويقوم المهتمون بدفع المال للحصول على زجاجات صودا وعليها صور من يحبون لغايات الاحتفال بأعياد الميلاد أو الولادة، أو أي صورة يحبونها.
قام ذلك الشخص «المصور» بالاعتماد على تفصيل صغير وتهويله وتزوير حقيقته وكل ما عليه أن يفعله هو إظهار الزجاجة التي عليها صورته، التي دفع ثمن طباعتها للشركة مثله مثل الآلاف من الناس، مدعيا أن الشركة «اعتمدت عمله» لاستخدامه على زجاجة الصودا، وهو يراهن على أن أيا من محرري الثقافة والفنون في تلك الصحف لن يقوموا بالتحري عن الأمر، ناهيك عن أن نشر مثل هذا الأمر هو إعلان تجاري غير مدفوع الأجر للطرفين وهو ما يجب على الصحافة الفنية والثقافية عدم تقديمه على صفحاتها. ثم إدعى هذا الشخص، في مقابلة صحافية مع صحافي «ثقافي فني» يكتب أي شيء يتم تلقينه إياه، بأن ناقدين فنيين، أحدهما فرنسي، والآخر عربي، وهما من أهم نقاد الحراك الفني في العالمين الأوروبي والعربي، اهتما (نقديا) بصوره من خلال مشاركته في عرض أعماله في صالون فني عريق في باريس، وبحثت لعلني أجد أي شيء كتب من خلال هذين الناقدين عن «أعمال» هذا الـ»مصور» فلم أجد شيئا سوى أنهما كانا في المعرض ذاته الذي كان هو فيه، والمفاجأة أنه لم يكن مشاركا في هذا الصالون الفني العريق في باريس، بل في بينالي عربي في القاهرة، وكان هذا الصالون الفني الفرنسي ضيف شرف على البينالي العربي ممثلا بمديره، هو ذلك الناقد الفني العالمي الفرنسي، هذا الذي حدث! فقط لأنه وجد في القاعة ذاتها مع هذين الناقدين، وتبادل ربما بعض الكلام معهما! ولأنه شارك في بينالي في القاهرة وليس في باريس، مع وجود هذا الصالون الباريسي كضيف شرف فيه، تجد أنه، وبقدرة قادر، صارت أعماله معروضة في هذا الصالون الباريسي وليس في بينالي قاهري! كيف؟ لا أعرف!
يقوم هذا الشخص، ومنذ سنوات، ببناء سيرة ذاتية على أوهام وإنجازات خلبية، كأن يقول بأنه حصل على جائزتين دوليتين من جنيف ثم في مكان آخر يقول بأنها من النمسا، في حين أن الجائزة هذه مقرها لندن، وهي جائزة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتصوير الفوتوغرافي.
في الغرب، لا توجد مداخل للحقول الفنية أو الثقافية إلا الموهبة الحقيقية والمنجز الحقيقي، وهناك تقييم حقيقي لجودة الإنتاج الفني والثقافي، ولعمق التجربة وما يمكن لها أن تضيفه للمخزون المعرفي والبصري في الساحة الفنية. ثمة خطوط دفاع متينة في الغرب، أهمها أنهم لا يجاملون بعضهم بعضا في إطار السلوك اليومي بخصوص الفن والثقافة، وأن الحراك الثقافي والفني يستطيع غربلة الدخلاء والذين لا موهبة لهم وعزلهم، فإن لم يكن منجزك واضحا ومتابعا بشكل احترافي حقيقي، عندئذ سيكشف أي ادعاء أو استسهال في الأداء. ولا شك أن هناك تشجيعا للتجارب الجديدة التي لم تنضج بعد، طالما أنها تجارب حقيقية وليست مؤسسة على ادعاءات بلا موهبة أو مثابرة حقيقية.
خط دفاع آخر هو أن الصحافة في الغرب، حتى الفنية والثقافية، هي صحافة استقصائية، لا يمكن أن تقوم بنشر سيرة ذاتية أو معلومة ما عن حدث أو نشاط لشخص ما، من دون أن تتأكد من الأمر مئة ٪، فتجد أن هناك دوما مقالات استقصائية ونقدية جادة تعري وتنقد وتنقض أي محاولات تلفيق أو محاولات تمرير تجارب هزيلة بغير ما تستحق من نقد ونقض، والتصدي لأي إدعاءات كاذبة تضر الحراك الفوتوغرافي وتشتت جهود الارتقاء به.
قد يقول البعض بأن في هذا الأمر إقصاء للآخرين وللتجارب الجديدة، ولكن الأمر ليس كذلك. هناك فرق بين أن تكون جادا ومثابرا في رغبتك للتعلم وتطوير مهاراتك، ولديك بعض الموهبة، وهو ما يتم تشجيعه ودعمه، حتى لو كانت صورك أقل من عادية وسيئة ربما، وبين أن تكون صورك كذلك، ولا موهبة لديك، ومع هذا تدعي أمورا ومنجزات ليست إلا أكاذيب.
ولا أنسى ظاهرة تأسيس مواقع إنترنت هزيلة، مع الادعاء بأنها مجلات متخصصة في التصوير الفوتوغرافي، ومواقع أخرى غير احترافية تقيم المسابقات الفوتوغرافية على الإنترنت، على أسس واهية وغير دقيقة، فقط للكسب المالي ولأخذ مكانة هشة في الوسط الفوتوغرافي، وكذلك إقامة مهرجانات فوتوغرافية يشارك فيها منظموها ويفوزون بالجوائز الذهبية لمسابقاتها، ويفوز كذلك الداعمون التجاريون لهذه المهرجانات بجوائز ومراكز في مسابقاتها! هناك مصورون ومصورات في الأردن، جادون في مشاريعهم الفوتوغرافية، وبسبب هذه الأجواء غير المحفزة وغير التنافسية، وبسبب أن أغلب الإعلام الثقافي والفني المحلي، وليس كله، لا يلتفت إلا لما هو محمول على العلاقات العامة ومعادلات التنفيع والاستنفاع، والشللية المقيتة، تُقتل فرص هؤلاء المصورين والمصورات الشباب، الذين لا يكاد يسمع صوتهم، على الرغم من أن لديهم مشاركات مبنية على فهم واع للصورة الفوتوغرافية، بغض النظر عن نضوج بعضها أو عدمه، ولكنها تجارب جادة ومسكونة بهاجس الضوء، ولكن مسيرتهم معطلة، ويكادون أن يكونوا بلا ملامح، بسبب غبار سنابك خيل حرب «التزوير الفوتوغرافي». أولئك، رواد فن «التزوير» الفوتوغرافي، تجدهم حتى في ما بينهم، في حرب دائمة على سوق الفوتوغراف، وما يمكن أن يدر عليهم تجاريا وماليا. خلافهم لا يتعلق بمدارس الفن الفوتوغرافي، أو غيرة على مسيرة الفوتوغراف في الأردن. بل خلافهم على من يمثل الفوتوغراف في الأردن لـ(يهبش) حصة الأسد من الدعم التجاري السخي أحيانا، والرسمي على ضعفه المالي، ولكنه قوي بصفته الاعتبارية، لتمثيل الأردن في المحافل العربية والدولية.
هؤلاء المصورون الذين بلا موهبة حقيقية، يؤسسون في كل خطوة علاقات عامة منفعية، ومنظومة من الأكاذيب والتلفيقات لتحملهم وتحمل مشاريعهم، وتعينهم على ذلك بعض صفحات ثقافة وفنون مهترئة، لا تتحرى الدقة وصحة المعلومة، تديرها مجموعة من الصحافيين والصحافيات الكسالى، ما يجعل مثل هؤلاء المصورين يتصدرون المشهد المحلي، على حساب الآخرين من شباب وشابات هذا الجيل، الذين يعملون بجد وبحب لهذا الفن، من أجل الأرتقاء بفن التصوير الفوتوغرافي في الأردن.
فوتوغرافي فلسطيني – أردني / جنيف
محمد حنون