في أحيان كثيرة، لا تكون مشكلة الفقير توفير الطعام لأطفاله فقط، بل حمايتهم من المعرفة: معرفة أصناف أخرى من الطعام لن يقدر على ثمنها. يذكرنا بهذا عالم الاجتماع سعيد المصري في دراسته المهمة لأساليب تحايل فقراء القاهرة على الحياة، في ظل ما يعانونه من استبعاد من الوصول إلى الأصول والموارد والخدمات وتهميشهم على كافة المستويات، التي قام بعمل بحوثها الميدانية في الفترة من 1995 وحتى 2009، بالتطبيق على سكان أفقر مناطق حي بولاق، الذي سجل أعلى درجة في تركز الفقر في القاهرة، وهي منطقة بلغت نسبة الفقراء فيها 81.6٪، ويعيش أغلب سكانها في وحدات محدودة المساحة، ثلثهم تقريباً يستخدمون حمامات مشتركة.
خلال دراسته لعادات الطعام لدى فقراء المنطقة الذين يشكلون عوالم مختلفة، رغم تشابه أوضاعهم، يصف الباحث آليات التحايل اليومي على الندرة والحرمان، كاختصار عدد الوجبات اليومية وتعزيز الشعور بالإشباع، بالإكثار من النشويات والاعتماد على الأطعمة الرخيصة وبدائل اللحوم والاعتماد على وجبات «التصبيرة» وتطبيق قيود صارمة في تقسيم «المنابات» والحصص، وربط عدد الوجبات اليومية ومواعيدها بالدخل ومدى الاستقرار في ظروف العمل، حيث يسود اعتقاد لدى كثير من الفقراء العاملين بأن المعدة يمكن أن تكف عن الجوع أطول فترة ممكنة من النهار إذا لم يتم تناول أي أطعمة في الصباح، وهو ما يعبر عنه عامل خراطة بقوله للباحث: «البطن زي المكنة تديها تشتغل وتفتح بقها وتقول لك كمان وكمان»، ولهذا يتم ترحيل الإفطار لوقت متأخر أو يستبدل بوجبة خفيفة لـ«تغيير الريق»، وقد تحل وجبة الإفطار محل الغداء، لكن تبقى وجبة العشاء رئيسية لا تحتمل الإلغاء.
في موضع آخر من دراسته يحكي سعيد المصري، نقلاً عن بعض الحالات التي عايشها، عن ورطة تعيشها الأسرة الفقيرة، حين يتعرف أطفالها بالمصادفة على أطعمة لم يألفوها من قبل ويعجبون بمذاقها، ولكي تتجنب الأسرة إقبال الأطفال على تلك الأطعمة إن كانت باهظة التكاليف، تلجأ الأسرة إلى عدة حيل منها إطلاق التشبيهات الساخرة والمنفرة على تلك الأطعمة، كأن يقال عن بعض أنواع الجبن المطبوخ التي يحبها الأطفال: «دي جبنة زي الصابون وبتعمل وجع في البطن»، ويقال عن فاكهة المانجو الغالية: «فيها أملاح كتير وبتعمل حساسية وهرش في جتتكو»، أو أن تقول أم حين طلب منها ابنها شراء سندوتش جمبري فوجدت ثمنه غالياً: «يا دي القرف، هتاكل صراصير؟ ده منظرها يخوف».
لكن هذا الكلام لا يجدي نفعاً مع الأطفال دائماً، وهنا يكون على الأسرة أن تلجأ لحلول أكثر عملية، كما فعلت تلك الأم التي دأبت على أن تقول لأبنائها، حين يلحون في شراء علب عصائر الفواكه التي يشاهدون إعلاناتها في التلفزيون: «دي حبة مية وسكر ولون ومافيش فيها أي غذا ما فيش أحسن ولا أطعم من اللمون، والناس بتوع بلاد بره ما عندهمش شجر لمون وبيحسدونا عليه وبيقولوا لنا، انتو عندكو خير بس مش حاسين بيه والنبي عليه الصلاة والسلام وصّى على الليمون لأجل الشفا من كل مرض»، وحين لم يؤثر كلامها في أطفالها، خاصة وهم يشاهدون زملاءهم يشربون علب العصائر كل يوم بتلذذ، وجدت الأم الحل حين مرت أمام صندوق قمامة مجاور لمطعم في شارع 26 يوليو، يمتلئ بعلب العصائر الفارغة، فأخذت من الصندوق مجموعة كبيرة من العلب والشفاطات وغسلتها جيداً، ثم أعدت مشروب الليمون بالسكر، وعانت لملء العلب به ثم قدمته لأطفالها، الذين فرحوا بالعلب بشدة، رغم علمهم بأنها معبأة بعصير من صنع أمهم، وساعد ذلك على انتشار التجربة بين عدة أسر في الجيرة.
في أحيان أخرى تضطر الأسرة لمحو مذاق الأطعمة الغالية من الذاكرة الغذائية للأطفال، حين يتصادف أن يتذوقوها بغير إرادة الأهل، وهو ما فعلته تلك الأم التي اصطحبت طفلها في زيارة إلى زميلة، قدمت لهما بعض التفاح والموز والتين، فالتهم الطفل نصيبه منها وظل يطالب بتلك الأنواع من الفاكهة لعدة أيام، ورغم أنها تستطيع شراء بعضها ولو لمرة، إلا إنها خشيت أن يؤدي ذلك إلى ضمها إلى بند الأصناف المعتادة، فلا تستطيع توفيرها، ولذلك تعمدت الامتناع عن شراء تلك الأصناف لمدة بلغت ثلاث سنوات، ظلت تشتري فيها أصنافاً متاحة من البرتقال والعنب والبلح، «فنجحت في الإبقاء على الأذواق المستمرة المتماثلة ونسيان الأذواق المتميزة والطارئة»، ولذلك تضع الأسر، خصوصاً إذا انتمت إلى الشريحة الأعلى للفقراء قيوداً صارمة على الأطفال عند مصاحبتهم في الزيارات الاجتماعية، وتحذيرهم من طلب الطعام أو النظر إلى من يأكل أثناء الزيارة، وضرورة أن يتظاهروا بالشبع عند وجود طعام، حتى لا يسبب سلوكهم العفوي حرجاً ينال من مكانة الأسرة.
يشرح الباحث طرق اعتماد الفقراء على شبكة العلاقات التكافلية في المواءمة بين حاجاتهم ومواردهم، ولجوئهم إلى علاقات التضامن لتخفيف أعباء الحرمان، والحرص على طعام المناسبات، وعلى تحقيق المتعة في تفاصيل تناول الطعام، كما يشير إلى آلية التماثل وحِيَلها التي تزيد بسبب انعدام الخصوصية، ليتوجب على الفقير أن يتظاهر بتماثل طعامه مع جيرانه ويخفي عنهم طعامه المختلف، ولأن الفقراء يدركون أن حلقة الحرمان التي يعيشونها مفرغة ولا فكاك منها، يحرص أغلبهم على اللجوء إلى تبني قيمة القناعة، ونشر نظرة إيجابية لحياة الحرمان، وهو ما يتم عبر إعادة إنتاج الثقافة الشعبية من خلال أربع آليات هي: التوافق مع الضرورة وتوظيف العلاقات التضامنية والتماثل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والشعور بالرضا، وتستخدم في كل آلية من هذه الآليات أساليب مختلفة من التفسير والتبرير والنصح والتوجيه والنقد والسخرية، وما يزيد الدراسة أهمية أن كاتبها يقدم نماذج على طريقة تحويل تلك الأساليب والآليات إلى قصص وأمثال وأغان شعبية يتداولها الفقراء ليس لمجرد التسلية، بل كوسائل لا غنى عنها للبقاء على قيد الحياة، فضلاً عن آليات الاستعارة الثقافية، كالمحاكاة والتلقي والتدين، التي تدفع الفقراء لاستهلاك السلع الرخيصة بشكل يساعدهم على الشعور بالانتصار لأنهم ما زالوا قادرين على الاستهلاك، بغض النظر عن قيمة وتميز ما يستهلكونه.
منذ أن نشر الباحث دراسته المهمة، تواصل تغير كل شيء في مصر إلى الأسوأ، واستمر تدهور حياة فقرائها في الحضر والريف، وأدت سياسات نظام السيسي إلى إفقار ملايين جدد كانوا يعتبرون أنفسهم في دائرة «المستورين». ومؤخراً تعرض بعض فقراء حي بولاق للتهجير من مساكنهم التي كانت مطمعاً على الدوام، وقام النظام نفسه بتعيين مؤلف الكتاب قبل أشهر أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، وهو منصب يستحقه كعالم اجتماع مرموق له دراسات في المجال الثقافي أيضاً، لكنه لم يكن سيصل إليه، لو كان مسؤولو النظام قد قرأوا دراساته عن الفقراء الذين يصعبون مهمتهم في التحايل على الحرمان، وأظنك أذكى من أن تتساءل لماذا لم يفكر المسؤولون في الاستفادة من تلك الدراسات، ولو حتى بتعيين كاتبها في موقع يساعد فيه بالرأي والمشورة على تحسين حياة الفقراء، فقد أصبحت تعرف أن حكام مصر لا يحبون الفقراء إلا مصفقين ومفوِّضين وراقصين في الأعراس الانتخابية.
….
ـ «إعادة إنتاج التراث الشعبي: كيف يتشبث الفقراء بالحياة في ظل الندرة» سعيد المصري ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 2012
٭ كاتب مصري
بلال فضل