عمان -«القدس العربي»: فن تنسيق الأزهار حسب فلسفة الايكيبانا حالة انسجام الروح والعقل والخيال، فن خلاّق يعكس إحساساً مرهفاً وتناغماً مطلقاً بين الألوان والخطوط، كما ويحمل جوانب جمالية تعكس الإبداع والرقة والسمو.
انبثق الايكيبانا، الفن الياباني لتنسيق الزهور، من تقليد قديم ليصبح أحد أشكال الفن ومع منتصف القرن الخامس عشر حقق فن الإيكيبانا مكانة منفصلة عن أصوله الدينية مع الإبقاء على رمزية قوية ومعان فلسفية. إذ كان الأساتذة والطلاب من الكهنة والنبلاء ولكن مع مرور الوقت ظهرت مدارس كثيرة وتغيرت أساليب التنسيق وأصبحت الإيكيبانا تمارس على جميع المستويات في المجتمع الياباني.
جمال غير موجود في الطبيعة
بدأت الرحلة في حقل من زهور الزنبق واللوتس إلى جانب ربوع الياسمين والفل والورد الجوري، بصحبة عالية العرموطي، احدى عضوات نادي الايكيبانا في الأردن، التي بدأت التعريف بهذا الفن ومكوناته «يملك فن الايكيبانا الياباني أصولا وفلسفات جذورها تنبع من العلاقة بين الخالق والإنسان والطبيعة. ويستخدم في هذا الفن: الفروع، أوراق الشجر، الحشائش، الطحالب، الزهور، أوراق الشجر المجففة والبراعم. ويمكن أن يتكون العمل من مادة واحدة أو مواد متنوعة فاختيار المادة يتطلب عين ذات خبرة ويحتاج التنسيق مهارة فنية لخلق جمال غير موجود في الطبيعة».
وحول انطلاقة النادي في العالم العربي، تؤكد العرموطي التي أكملت دراستها في أدب اللغة الفرنسية والانكليزية، «يعتبر نادي الايكيبانا امتدادا لحضارة وتراث بدأت أصوله في الصين وانتهت في اليابان، حيث تأسست أكثر من ألفي مدرسة لتعليم هذا الفن ومن ثم توزعت النوادي في مختلف أنحاء العالم وتفرد الأردن بتأسيس نادي الايكيبانا الذي جاءت بفكرته هند الشريف وذلك منذ ما يزيد على عشرين عاما وبعضوية 150 سيدة، وتميز هذا النادي بكونه الوحيد في منطقة الشرق الأوسط إلى جانب نادي صغير في دبي. ولاقى هذا الفن رواجا كبيرا في الوسط العربي لما له علاقة مع تراثنا العربي، حيث تعتبر الأزهار والورود مقوما أساسيا في حياتنا الاجتماعية وفي تاريخنا، إذ أسمى أسلافنا قديما الحديقة بـ «الجنينة» وهي مصغر «جنة».
فن حب الجمال
بالرغم من أن هذا الفن متاح للرجال والنساء سواء، إلا انه في الأردن اقتصر فقط على فئة النساء اللواتي حملن شعار النادي «الصداقة عبر الزهور» وانطلقن يقصدن الجمال عبر امتلاك الحس المرهف والقلب النابض والخيال الطموح، حيث يمكن لأي شخص وبأي معطيات أن يمارس فن الايكيبانا بدون حواجز، فأبواب النادي مفتوحة لكل شخص يقدّر الطبيعة ويتذوقها.
تدريس يعتمد
الهندسة والعمارة
وبما انه فن له قواعده وأصوله، كان لا بد من وجود أساتذة يمارسون فن تنسيق الزهور حسب أصول وقواعد المدارس التي ينتمون إليها، ويكونون على درجة عالية من التحصيل العلمي.
وتبين العرموطي:»ممارسة تنسيق هذا النوع من الزهور تحتاج لعطاء مميز ودراسة في أدق تفاصيل نمو الأشجار والنباتات والزهور والقدرة على التمييز في كيفية وضعها، لان كل تنسيقة تعتمد مبادئ التصوير التقليدي، تصميم الحدائق والعمارة، ومبادئ الهندسة.
كما يتم منح الشهادات المعتمدة من المدرسة الأم في اليابان، وجميعها مدارس تأسست على مبادئ وفلسفات متنوعة من غاية التقليدية إلى غاية الحداثة وعدم التماثل الأساسي في الشكل من حيث تكوينات الفروع مع الزهور والمواد الأخرى الدخيلة.
تتحدث لغة أصحابها
وبما أن تنسيق زهور الايكيبانا أقرب ما يكون إلى الرسم والفنون التشكيلية، تعتبر الايكيبانا فنا خلاّقا يحتاج إلى مهارات وصبر وقدرة لخوض غمار عالم الطبيعة الفني بكنوزه وأسراره. فالزهور تتحدث بلغة أصحابها، وتعبر عن شخصياتهم، فكل من يفهم تلك اللغة سيكون قادراً على معرفة أصحابها.
فن تزويج الزهور للأواني
من أهم الصفات التي يمتاز بها هذا النوع من تنسيق الزهور الاختلاف في الشكل، استخدام الفراغات، وضرورة تجانس المواد المستخدمة وتنسيقها مع الإناْء المستخدم.
وتكمل العرموطي حديثها « يركز الايكيبانا على تكوين انسجام بين البناء الطولي والإيقاع والألوان من خلال ابتكار فن إدخال أواني الزهور وسيقان النبات والأوراق والأغصان وكذلك الزهور. تعتمد مدرسة الإيكيبانا البساطة والخط المستقيم واللعب بالزهور والأوراق الخضراء وتستخدم نوعين من الزهور كحد أقصى في التصميم الواحد، ويركز اليابانيون على إبراز الشكل الخطي الواضح للتصميم لأنهم حريصون على إظهار جمال الفازة والأغصان والأوراق تماماً كما الزهور. ويعتبر اللون الأسود اللون المفضل للإناء».
ومن أهم صفات الإيكيبانا، احترام المعلم والطبيعة. كما تملك الايكيبانا خواصا علاجية، إذ أن ممارستها تساعد على الاسترخاء وفي الوقت نفسه يشعر الدارس بالقرب من الطبيعة.
مدارس الايكيبانا في الوطن العربي
هنالك عدد هائل من المدارس المُختصة بتعليم فن تنسيق الزهور حسب فلسفة الايكيبانا اليابانية، إلا انه توجد ثلاث مدارس فقط منها في الأردن، وهي ايكونوبو، سوغستو، واوهارا. وبما أن نادي الايكيبانا يقوم على عملية تنظيم الورش التي تُديرها هذه المدارس، توضح العرموطي « يقيم النادي عدد كبير من النشاطات التي تتضمن ورش العمل والمحاضرات المتعلقة بالزهور، كما يأتينا العديد من المدرسين من النادي إلام في اليابان ومن فروعه في الولايات المتحدة وفيينا وسويسرا، ويتبع في العادة هذه الورش معرض لعرض المنتجات التي تمت خلال الورشة، ويملك هذا الأستاذ الصلاحية لتقييم الأعمال ومنح الشهادات المصدقة من النادي إلام. ومن الأنشطة الأخرى تنظيم الرحلات الاستطلاعية للتعرف على الأنواع النادرة من الزهور، والاطلاع على «الزنبقة السوداء» وأماكن تواجدها، كونها زهرة يُمنع قطفها».
من يهوى فن تنسيق الايكيبانا
لطالما ارتبط فن تنسيق الزهور بالجمال ومحبة الطبيعة، وغالبا ما تهتم المرأة بهذا الجانب لتحرص على تميز منزلها وإضفاء لمسة طبيعية ذات رائحة عبقة عليه، تشير العرموطي إلى أن المدارس تستهدف السيدات اللواتي يتمتعن بحب كبير لهذا الفن وتضيف «هنالك أيضا شهادة مصدقة تعتمد على عدد الساعات التي تشارك بها، وأغلب المنتمين إلى هذه المدارس ينقسمون بين من يعشق الزهور وبين من يعمل في هذا المجال سواء في الشركات المتخصصة بتجهيز الأعراس ومحلات بيع الزهور».
ألوان الساحرة
يحمل كل لون من ألوان السماء والأرض رمزا فلسفيا وشرحا يتعلق بعالم العلاقة الإنسانية وخاصة علاقة الحب، فكيف بمن يستخدم الألوان في تنسيق الايكيبانا ليروي حكاية عشق دامت الآلاف السنين، تؤمن العرموطي «أن مدارس الايكيبانا تتشابه بمجملها من حيث المبدأ، لكنها تختلف في تفاصيل صغيرة، وتناسق الألوان مهم جدا في هذا الفن، لكنها تضاربها أيضا يضُفي تميزاً وينتمي إلى مدرسة الحداثة. ويلجأ منسق الزهور أحيانا إلى مواد متضاربة مع الورود، كأن يستخدم غصون شجر أو أوراق عريضة مع أزهار ناعمة، ليخرج بلوحة ذات بعد فني جمالي مميز».
زهور تحيا للأبد
ما يميز تنسيق هذه الورود الطبيعية أنها تبقى حية لمدة تزيد عن أسبوع، على عكس الزهور الأخرى التي لا تستطيع الصمود لأكثر من يومين، حيث تفسر العرموطي «هذا يعود إلى الطريقة الفنية المستخدمة في قص الأغصان وتحضير الورود والأسلوب المستخدم للعناية بها، كما أن تنسيق باقة واحدة يتطلب مدة خمسة أيام على الأقل. هي لوحة فنية تعبر عن أحاسيس من قام باختيار الغصون والورود ليروي كلٌ منها قصته الخاصة به».
آية الخوالدة