فواز طرابلسي: الحرب الأهلية أحلّت الطوائف محلّ الطبقات الاجتماعية

حجم الخط
0

 

الدكتور فواز طرابلسي، كان أحد أبرز وجوه «الحركة الوطنية اللبنانية» قبل وخلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عام 1975. إلا انه بعد انتهاء هذه الحرب تابع تخصصه ونال الدكتوراه في جامعة بارزة في الغرب وانتقل إلى الحيز الأكاديمي، حيث أصبح استاذاً محاضراً في «الجامعة اللبنانية الأمريكية» في بيروت ومن بعدها «الجامعة الأمريكية في بيروت».
وهو يُعرّف عن نفسه حالياً بالكاتب والمؤرخ والاستاذ الجامعي ورئيس تحرير المجلة الفصلية «بدايات». وله مؤلفات، في السنوات الماضية، عن «تاريخ لبنان الحديث» واليمن ومواضيع أخرى.
ويبرز طرابلسي في كتابه الأخير «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان» الصادر عن «دار الساقي» هذا العام كأكاديمي وباحث جدّي، من جهة، وكناقد ملتزم وثوروي ومطالب بتغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في لبنان والمنطقة، من جهة أخرى.
فالمقاربة التي يطرحها في الفصل الأول من هذا الكتاب هي ان الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) عززت دور الطوائف وحولتها إلى مجموعات متنازعة على النفوذ السياسي والخيرات الاقتصادية للبنان، لتحل مكان الطبقات الاجتماعية ـ الاقتصادية وتحجم دورها.
وهذا التشويه للمفاهيم، في رأيه، ادى إلى انكار وجود الفقراء والفقر في لبنان. وأصبح الكلام عن الطبقات الاجتماعية امراً شبه محرّم لدى الطبقة السياسية الحاكمة المتسلطة على النفوذ والثروات في البلد وأتباعها. وغاب تدريجياً النظر إلى الطائفية على انها آفة أو مشكلة اجتماعية، علماً ان الطائفية، في رأي الكاتب، هي التي تدفع الشباب اللبناني إلى الهجرة، والطائفية هي أيضاً المولِدة للبطالة التي تدفع الأجيال الجديدة أما إلى الهجرة أو إلى الجوع أو الالتحاق بنظام الزبائنية والاستزلام لزعماء الطوائف.
ويتهم طرابلسي كبار المسؤولين في المؤسسات المالية والاقتصادية والتنموية الدولية وعلى رأسها «البنك الدولي» و»صندوق النقد الدولي» بمحاولة اثبات ان تقدماً يحدث في مكافحة الفقر بفضل مؤسسات الأمم المتحدة المعنية بالفقر والتنمية علما أنها لم تُوفق بالفعل في تحقيق هذه الأهداف فأجلت معالجتها إلى العقود المقبلة.
كما انه ينتقد بشدة تعريف هذه المؤسسات الدولية لمفهوم «الطبقة الوسطى» بتخفيض سقفها إلى أدنى حدٍ ممكن بحيث أصبح كل مَنْ يزيد سقف انفاقه اليومي عن دولارات يوميا منتمياً إلى الطبقة الوسطى في العالم والمنطقة. كما ان تعريف الميسورين في الشرق الأوسط صار يشمل الأسر التي تستطيع الانفاق على الكماليات من دون توضيح جدي لما هي الكماليات وما الحصة من دخل الفرد التي يجب انفاقها على الكماليات لدخول الطبقة الوسطى.
وتشير دراسة «اسكوا» (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة) صدرت في نهاية عام 2014، حسب الكاتب، إلى ان الطبقة الوسطى هي أكبر فئة اجتماعية في الدول العربية حيث تصل إلى 44 في المئة في مصر وستين في المئة في العراق. وهذا، في رأيه، مخالف للواقع وخصوصا فيما يتعلق بمؤشرات الفقر الفعلية والحقيقية في المنطقة الأكثر ارتفاعا. ويصف طرابلسي هذه الاحصاءات بالحيل الاحصائية.
ويعتبر طرابلسي ان الاعتراف بوجود بنيتين طائفية وطبقية في المجتمع اللبناني لا معنى له إلا إذا تكامل مع الاعتراف بأن النظام الطائفي هو جزء من منظومة السيطرة في المجتمع اللبناني. فالنظام اللبناني يعرّف الحقوق السياسية والاجتماعية للفرد بأنها حقوق يكتسبها بفعل عضويته في جماعة مذهبية ـ طائفية، لا هوية له عملياً سواها، وليس مما قد يكتسبه بناء على كفاءاته ومؤهلاته ومهاراته. ويضيف أنه في فترة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية تعزز التحكم والضبط اللذين تمارسهما الجماعة المذهبية أو الطائفية وزعماؤها على أعضائها بدل ان تضعف.
ويوضح طرابلسي ان النظام الطائفي في لبنان يدير لعبة النزاعات على الريوع في الدولة ومن خلالها، والصراعات على توزيع خدمات الدولة وتعهداتها وعقودها وتوزيع الحصص من الموازنة العامة. ويعطي أمثلة على ذلك.
ويقول انه في السياق ذاته لعل المثال الأبرز على اقتسام الريوع وتوزعها من خلال الكتل المذهبية الطوائفية هو ما يجري في الآونة الاخيرة من منافسة وتسابق على طريقة تقسيم المربعات البحرية لتلزيم التنقيب عن النفظ والغاز على الساحل اللبناني وعلى شروط التلزيم وأولوياته. ويعطي هنا أيضا أمثلة على ذلك، ثم يستخلص في هذا المجال ان الطوائف والمذاهب تلعب (في العلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية) دور قنوات لتعديل البنية الطبقية.
ويعتبر طرابلسي انه ما من جماعة مهمشة نسبيا لفترة نجحت في أن تفرض نفسها على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد إلا بتوسط الحروب الأهلية كالجماعة المارونية خلال حوادث (1840 ـ 1861) والجماعة السنية خلال حوادث 1958 والجماعة الشيعية خلال الحرب الأهلية الاخيرة (1975 ـ 1990).
ولعله كان من الأفضل ألا يتوجه طرابلسي نحو الافراط في ذكر الأسماء والشخصيات التي تورطت نحو الافراط في ذكر الأسماء والشخصيات التي تورطت في هذه التطورات السلبية في البلد وتفصيل أدوارها وأن يكتفي بعرض مقاربته العامة والمفيدة والتركيز عليها نظرياً، فالمكتوب تمكن قراءته من عنوانه، ولا حاجة لذكر ما ذُكر في الفصل الثاني من الكتاب مثلاً عن ان الراحل الرئيس رفيق الحريري عزز النيوليبرالية وسلم الحكم إلى زعماء الميليشيات بدعم من النظام السوري وسلطة الوصاية السورية واستخدم الرشوة ونفخ القطاع المصرفي والاقتصاد الريعي على حساب الإنتاج الصناعي وان البنك المركزي اللبناني والهيئات الاقتصادية اللبنانية تواطئا في هذه العملية ولا ضرورة لذكر استنتاجه بأن القائد الديني «المغّيب» الامام موسى الصدر وضع على رأس حركة «أمل» الشيعية ابن تاجر من تجار الاغتراب الأمريكي أمضى هو نفسه فترة من حياته في الاغتراب وله فيها مصالح. (يقصد الرئيس نبيه بري) لاثبات ما ورد في مقاربته ان الحروب الأهلية تعزز دور زعماء الطوائف. فهذه الأمثلة تندرج في باب مواقف الكاتب الايديولوجية السياسية.
وفي هذه التفاصيل الواردة في احد فصول الكتاب، يتحول طرابلسي من اكاديمي وباحث موضوعي إلى ناقد ايديولوجي ثوري يحن إلى دوره السابق كقائد في «منظمة العمل الشيوعي» في لبنان، احدى المنظمات الرئيسية في «الحركة الوطنية اللبنانية» بقيادة الراحل كمال جنبلاط، والتي كانت لها اجندتها السياسية بالنسبة إلى التغيير الثوري للنظام في لبنان ولقادته التقليديين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
ولكن لا بد من الاشادة بما ورد في كتاب طرابلسي خصوصاً في الفصول الاخيرة من الكتاب وبقدرته على التحليل الاجتماعي ـ السياسي المفيد ازاء التطورات التي حدثت في النظام السياسي اللبناني على الاخص في الفصل الرابع حيث يصف بالتفصيل حلول امراء الحرب ورجال المال والمصارف ورجال الاعمال الاثرياء مكان اصحاب الاراضي الكبرى من الزعماء الاقطاعيين في المجلس النيابي اللبناني، وعن شراء المناصب بواسطة الرشوة والمال وتفشي الفساد والتحول من المحسوبية إلى «المافياوية» خلال سلطة الوصاية السورية على لبنان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وإلى اضطرار الزعماء اللبنانيين لاستخدام الرشوة للبقاء في مناصبهم والحصول على الالتزامات الكبرى في البلد ومشاركة الأوصياء عليهم في خيراتها.
كما يتحدث طرابلسي في الصفحات الأخيرة من كتابه عن سيطرة زعماء لبنان الطائفيين الجدد على وسائل الإعلام وتسخيرها لأهدافهم ومشاريعهم وعن تفتيتهم للاتحادات العمالية بواسطة الرشاوى ودعم وصول الأشخاص الذين «يسهل» التعامل معهم إلى رئاسة وإدارة هذه الاتحادات.
الأمر الآخر الذي بالامكان التحفظ حوله في هذا الكتاب ان الكاتب يعمد بشكل كبير على مصادر صحافية من صحف لها توجهاتها وميولها المحددة، برغم انه يعترف بانه ربما اضطر للقيام بذلك لقلة المصادر البحثية الاكاديمية التي يمكن الركون اليها ازاء موضوع كتابه.
ومن الأمور اللافتة في الكتاب ان طرابلسي يقدمه إلى ذكرى أحد أبرز الاساتذة والباحثين في تاريخ الجامعة الأمريكية في بيروت في النصف الثاني من القرن العشرين وهو البروفسور الراحل الدكتور حنا بطاطو مؤلف الكتاب ـ المرجع: «الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق»، وهو كتاب قيم كرس بطاطو 15 سنة من حياته وأبحاثه لتحقيقه. ويقول طرابلسي في تقديمه كتابه: «إلى ذكرى حنا بطاطو، الباحث الاجتماعي والناسك الماركسي، معلمي».
ولم يكن بطاطو معلم طرابلسي فحسب، بل معلم أجيال من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت والمفكرين الأحرار في العالم العربي.
فواز طرابلسي: «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»
دار الساقي، بيروت 2016
253 صفحة

فواز طرابلسي: الحرب الأهلية أحلّت الطوائف محلّ الطبقات الاجتماعية

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية