فواصل لم يكتبها أولاد أحمد… مرة أخرى من سيدي بوزيد

حجم الخط
0

■ الإهداء إلى روح أولاد أحمد وصحبه المكلومين صمتا القابعين هنا في انتظار زيارة خاطفة لبضعة أيام إلى هذه الربوع ومقاهيها وأزقتها…في انتظار زيارة تأجلت منذ زمن بعيد ثم قررت أن لا تحدث…
□ □ □
ليكن هذا النص ثرثرة حاقدة أو هذيانا مسموما…
ليكن مغالطة وتزييفا وتطاولا وحفرا وكل ما يمكنكم رميه به…
وليكن ثرثرة شخص عاجز عن الفعل الثقافي ومعاد للنجاح والإبداع الراقي الذي ملأوا به الجهة بقراها ومعاهدها ومدارسها وأريافها وجبالها، وعج به الفضاء الأزرق، وترك آثاره وعبأ الناشئة وصنع البهجة وحرك السواكن وغيّر المشهد ودفع الآلاف لمتابعة الفعل الثقافي مثلما يرددون وعبأ الناس بروح الحياة كأنهم كانوا يريدون الموت…وكأننا لولاهم ما تماوتنا وانتحرنا أفواجا أفواجا… متناسين أننا نحب الحياة أكثر منهم.
□ □ □
كان يمكن في عشية كهذه أن تضج المدينة وأن تخلع أبواب الذاكرة، كان يمكن أن يعج المكان بالشعراء والنقاد والمتتبعين وبالعسس أيضا، لكنهم تسللوا لوحدهم، ربما خشية أن نفسد عليهم مزاجهم أو أن يلتقطنا المصورون أو أن ننظر في عيون بعضهم وهم بصدد الكلام.. كان يمكن أن ترتج سماء الكلمات فيثمل بها من يثمل، كان يمكن أن تكون الأمور على ما يرام، ولكن إصرار البعض على هذه العنهجية والتفرد بالرأي والانغلاق ودمغ كل صرخة مختلفة يزيد الأمور قتامة.
□ □ □
خطر لي هذه العشية أن الشاعر خرج متنكرا في معطفه الطويل وتسلل فجأة إلى هذه المدينة وجلس في مقهى ما من مقاهيها وقبع يكتب فاصلة نثرية لا شعرا (فاصلة كتلك التي كان يكتبها أيام الجرح والجمر ويرتعدون لها).
يمر أمامه كثيرون ممن لا صلة لهم بالعالم.. يحيون يومهم وصراعهم ثم ينامون. لن يفزع هؤلاء لرؤية شخص أخبرونا أنه ميت منذ مدة فهم لا يعلمون، قد ينسى آخرون أن الجالس أمامهم جثة هامدة، ويحاولون التنصت مثلما اعتادوا.. يهرع إليه بعض من كانوا يدركون شعره ويفقهونه.. بعض من كانوا يتفاعلون مع كلماته.. بعض الذين كانوا يرون يوم مجيئه لقراءة الشعر يوما احتفاليا، أغلب هؤلاء خيروا الجلوس بعيدا حيث روح الشاعر تتجلى لهم، يحدثهم عن زيارته البعيدة.. رحلته الخالدة إلى هناك، يحدثهم عن الشعر في دولة الموت المتحدة، يتمتم أحدهم: نحن الموتى لا أنتم.
يعود الحديث إلى الدنيا.. إلى المدينة.. إلى باعة الخضر والغلال واللحوم والقصائد والأجساد وإلى باعة الشعراء والأفكار، يستعيدون الذاكرة.. يتحدث الشاعر عن المتنصتين وعن المزعجين والمتقولين.
□ □ □
أراه الآن يكتب فاصلته.. هذه التي كانت تزعجهم وتؤرقهم، هذه التي كنا نداوي بها بعض آلامنا ولم يتذوق حلاوة سكرها بعضهم.. «بعد ساعات سينشرون صورهم على الفيسبوك، سينهال متابعوهم إعجابا وتهليلا كما في كل مرة (أكثر هؤلاء المعجبين والمهللين يتأففون على الخاص ويتحدثون بما يندي الجبين في الجلسات الخاصة).
من باب التطير ودرءا للعين:
قد ينشر أحدهم تعليقا ساخرا تحت هذه الصور فيهجمون عليه واحدا واحدا، وهم يتحسرون ويتألمون ويتمنون لو كان لهم ما كان عند غيرهم من نفوذ في العهد السابق، حتى يمارسوا عليه التقول والادعاء، ويرسلوا خلفه عيونهم.. يتمنون الزج بصاحب التعليق هناك والنيل منه وافتراسه والشرب من دمه، يتمنون ونحن في هذا الزمن ساعة واحدة لإخراسنا.
سينشر مراسلهم بعد يوم أو يومين أو أيام أو بضع أسابيع في زاوية ركيكة من صحيفة بالية خبر جلستهم… سيزعم أنهم أحيوا الشاعر ومددوا في عمره الذي لا ينتهي أصلا، سيبث مصورهم التلفزي صور القاعة الضيقة التي يمكن ملؤها بيسر ببعض أنفار (سيلوم بعضهم المصور التلفزي لأنه تجاهله ولم يمرره وسيقدح لهذا السبب في مهنيته ومصداقيته ونواياه)
سيسجلون الأمر في دفتر كراماتهم وصدقاتهم ومزاياهم على البلاد والعباد.
□ □ □
أطل على ورقة يحبرها… إنه يعيد كتابة قصيدته
«سعداء…» ويهيؤها لتكون خاتمة لفاصلته التي ستنشر في المجلة الأسبوعية»:
سعداء
بطاولة كبيرة
وكعك وعصير وحلوى طرية
ومصور تلفزي
سعداء بشاعر يتناثر
ويتطاير شرر عظامه…(1)
سعداء
بالاستحواذ على عيني:
لم يسلموهما مثلما أوصيت
إلى فقراء السباسب والأحراش النائمين
مع القطط على أرصفة التمني…» (2)
سعداء
بالقطيع
يرعى في الأرض الجرداء
يتشمم التراب
بلا ثغاء…
سعداء
بأكف لذيذة الإيقاع وألسنة تتقن
المديح والثناء
سعداء
يتبخترون
بصداقة مزيفة
وشعرية مزيفة
وأوراق صفراء…

هوامش:
1و2 تضمين لما ورد في وصية أولاد أحمد
1 رجاء
ليتطاير شرر عظامي
حتى يبلغ أجنحة الملائكة
2 عيناي:
إلى فقراء السباسب والأحراش النائمين مع
القطط على أرصفة التمني

٭ كاتب تونسي

فواصل لم يكتبها أولاد أحمد… مرة أخرى من سيدي بوزيد

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية