فوبيا الغنائم الثقافية

حجم الخط
0

هيمنة الأيديوجيا الفقهية على النُظم السياسية تحولت إلى قوة طاردة، مثلما تحولت هذه الأيديولوجيا ذاتها إلى (عقيدة) وسلطة، وثروة وجماعة، وهو ما يعني تمثلها لنسق حاكم، يمكن تفسيره علميا بأنه النظام الذي لا يقبل النقائض..
سلطة هذا النسق هي أكثر السلطات قوة، وأكثرها تماهيا مع الصورة التي ورثناها في تاريخنا العربي والإسلامي، حدّ أن منظومتها الشرعية اقترنت بفرضية حكم القتل على من يروم الخروج عن هذا النسق، لأنه يعني عند الكثيرين الخروج على الحكم الشرعي وولاية الأمر.. الخروج عن النسق الحاكم يعني التكفير، ومن أخطر ما يخضع له هذا التوصيف هو إباحة المال والعرض والبيت والحياة التي يملكها صاحب فكرة الخروج، أي أن ما يملكه يُشرعن أخذه وامتلاكه بوصفه غنائم الحرب مع الكافر!
وفكرة الغنائم وفق التوصيف القديم ترتبط بالملكية المادية فقط، لأنها لا تجوز على الأفكار، فما يملكه الآخر من قيم وممارسات وتقاليد لا تتحول إلى غنائم، بل يتم محوها بوصفها فتنة!! ومن هنا تبدو خطورة النقائض بين امتلاك ثروة الآخرين وسبي عائلته وجواز التصرّف بها، وبين محو أفكاره وتحريم استخدامها من منطلق أنها تقود إلى الضلالة..
التلذذ بهذه النقائض الغريبة يعكس خطورة تغييب العقل، وإخضاعه لسلطة المحو، التي ستتحول بالتماهي إلى نوع من التوتاليتارية التي تفرض شموليتها على كل القيم والأفكار التي ينتجها العقل، والتي لا يحق لها التمرد على سلطة الجماعة والأمة، والانحياز إلى حرية الفرد وحقه بوصفه تعبيرا عن الخلاص من سلطة الجماعة والفقيه وولي الأمر. كما أن هذا الإخضاع الجبري لسلطة اللاوعي سيتحول إلى شرعنة فقهية لا تمس ملكية الأفكار فقط، بل بكل ما يتعلق من الصناعات الثقافية التي يمكن العثور عليها في قصيدة رافضة، أو في خطبة خارج السياق، والتي تعني إدخال القراءة وحكمها مع تأويل غير شرطي للنص وخطابه، وليس أيقونته، مثلما هو تأويل فكرة التعاطي مع الحق الأخلاقي والإنساني للتملك، بما فيها الملكية المادية والملكية الرمزية، وبالتالي امتلاك عقلنة التأويل للحد من رعب حاكمية الغنائم، وحاكمية المحو.

غنائم مضادة..

السياق التاريخي لسلطة النص ارتبط بتفسيره وليس بتأويله، لأن التأويل سيكون هنا بدعة، وعلاقة هذا التفسير ستظل محكومة برهاب السلطة الفقهية، وفي ما بعد بالسلطة الحزبية والسلطة العسكرية التي تمثلتها شروطها التاريخية الدولة القومية ودولة التحرر الوطني، التي فشلت في التحول إلى الدولة المدنية، وهو ما أسهم في صعود الأصوليات الجهادية كتعبير عن ذلك الفشل والعجز، وعن ضعف هذه الدول عن مأسسة نظامها الاجتماعي والثقافي، وفق معطيات إشباع الحاجات المادية والروحية، بما فيها تقعيد العلاقة ما بين الدولة/ السلطة وبين الجماعات التي لم تستطع الدولة دمجها في نظامها المؤسساتي القانوني والإشباعي.
العودة إلى سلطة الفتوى وحكم الفقيه وولي الأمر تعبير فاقع عن العودة إلى المثال غير الواقعي، فضلا عن كونه تعبيرا عن فشل مشروع الدولة القومية والدولة العسكرية والدولة الحزبية، التي فرضت سلطتها القامعة مثل أي سلطة تاريخية ظلت تدعو للإخضاع الكلي، وإعادة إنتاج الإطار الجهادي لفكرة السبايا والغنائم.. اليوم نجد أنفسنا أمام نوع آخر من غنائم الأقوياء، أولئك الذين يبحثون عن فقه آخر، له مزاج براغماتي، ويجوّز استعمال مفهوم الغنائم، إذ أغلبهم عرابون وحزبيون وثوار قدامى وجدد، بلا أطر حزبية، لكنهم يؤمنون بفكرة الهيمنة، بوصفها حيازة وامتلاكا وإشباعا، ويبررون تحت فقه الحاجة، أو ايديولوجيا الحاجة إلى شرعنة جواز ملكية الحق الشرعي باستئثار حق الغنيمة واستخدامها في الحق السياسي والايديولوجي والحق المالي طبعا! وربما في فرض شروط ومقاييس للحصص والامتيازات، لكي لا يتوهم أحد من الرعية بأن حقوقه الشرعية قد انتهكت..

المثقف العربي ولعبة الغنائم

المثقف العربي ظل خارج لعبة الغنائم، ورغم إمكانية تطويعه من قبل السلطة أو قتله ومحوه، لكنه ظل كائنا أعزل تماما، وكل الأحاديث عن تسليحه الرمزي والإجرائي لا تعدو سوى دعوة لتوريطه في متاهة التابعية التي تملكها القوة المسؤولة عن توزيع الغنائم.. وأحيانا توريطه بغواية لذة اللعبة القديمة، لعبة المثقف الفحل، أو بوق القبيلة، أو قارئ الصحف، أو فقيهها الأعمى، أو صاحب السدارة والأفندي في سياقها المديني..
ما يجري الآن هو ترسيم حدود مائعة وشائهة لوهم توزيع الغنائم التي أجاز البعض تجاوز توصيفها القديم القائم على محو الأفكار وطردها، إذ أجاز هذا البعض سلبها مع إخضاعها لتسليب قيمي، حيث يغيب المعنى، ويحضر مقاله الصوت الصوت، ويصعد الظاهر ويهبط الباطن.. وبما يتسع للمزيد من إنتاج النقائض التي تفرض وجودها على الحضور، وعلى عطالة التأويل، وعلى تأثيم الخروج على سلطة الغنيمة الجديدة، بما فيه الإعلان الفاضح عن تطويع الأيديولوجيات الكبرى القومية واليسارية لتكون جزءا من الغنائم الثقافية، ولكي تكون نصوصا عائمة، ومؤسسات تكرس السلطة، وحقوقا تقوم على التغالب، وبالتالي وضع حدود إخضاعية للعمل، والاجتهاد، وبما لا يسمح للتجاوز في أي صناعة مارقة للرسالة والفكرة المعنى، إذ لا مجال لأي نفرّي صوفي أو ماركسي أو قومي لأن يمارس وظيفته الاحتجاجية في المروق وفي اصطناع عبور افتراضي عبر حدود هذا الترسيم القهري، ولا يسمح لأيّ (صعلوك) يساري أو ليبرالي أو انقلابي يمكنه التفكير المضاد أو النطّ خارج السور.. وسط هذا (الما يجري) سنلوذ بأحلامنا، وربما سنلوذ بوعي رومانسي كنّا قد اختزناه لسنوات عجاف، بوصفه لذتنا، وقوتنا الافتراضية لحماية وعي منتهك دائما، ولأرواح مباحة لخرابات دائمة الوقوع.. هذا (الالتياذ) لا يشبع من جوع ولا يغني عن فقر، إذ يكفي فقط لأن يكون ملاذا للبقاء، ولممارسة بعض طقوس الاحتجاج أو الصخب، أو لمواجهة ثقافوية غير مسلحة للتاريخ القهري القائم على تكديس الغنائم، ومنع أي مواجهة حقيقية مع مؤسسة/ سلطة/ رأسمال/ وصايا/ فقهيات الأقوياء والمحاربين والفقهاء والحزبيين، اولئك الذين اشتروا المعارك قبل أن تقع، والقوافل قبل أن ترحل، لأن الشرط المرجعي والتجاري والتسويقي للغنيمة يفترض تأمين الفرصة والبضاعة والسوق والمستهلك.. الغريب في كل هذا أن مستهلكي ثقافة الغنائم يتسعون بطريقة عجيبة، ويتكاثرون مثل الأميبيا، يمارسون طقوسهم في الاستحواذ والمحو والتكفير والتهجير والغلو، وربما يضعون هذه الثقافة بوصفها تعبيرا عن فكرة السطو الانتصار، وإماتة العدو الافتراضي، العدو الكافر، والزنديق والمارق والخارج عن الأمة والملة..
أزاء هذه الصورة العدمية، هل يعني أننا سنظل نعيش لعبة الخضوع القهري لمهيمنات سلطة توزيع الغنائم؟ وهل يعني أن المثقف المعزول والخارج عن معارك السوق والشرف والمقدس سيظل يلعق جراحه دائما؟
قد لا أبدو ناصحا أزاء هذه الأسئلة، لأن النصيحة ستبدو نوعا من السخرية، لكنني أدعو على سبيل المغامرة والتطهير لتوسيع قراءة الاحتجاج، ولترحيل وظيفة الوعي من الفرجة المكرسة للاستعمال، ومن الاكتفاء بلذة الصورة في المرآة، إلى تهشيم المرآة، وإلى فضح سياسة الغنائم، والدعوة إلى هيكلة السوق والتكية برمتها، وإعادة إنتاج الشارع والمقهى والمؤسسة والمعنى بطريقة أخرى، طريقة تقوم على تجريف الصمت، وعلى الإبانة عن المقاصد، كما يقول علماء البلاغة، أي المقاصد الموجودة في الوعي، وعلى اعتماد ثقافة التحويل، أي تحويلها في الاستعمال والمواجهة، وإلى تخليص الثقافة من وهم مجاورة العطب، إلى استكناه أسبابه، وإلى الشروع بصناعة حشد آخر لا يصعد في مركب رامبو، بل في سيارة السيد رومونيغه، إذ سترهن السرعة والوضوح طقوس الرحلة المقبلة، رحلة الوقوف أمام أصحاب الغنائم ليظلوا عن خزائنهم القديمة، وأن يتمكن المثقف العالح من لبس ثياب العدائين الراكضين إلى الأمام..

كاتب عراقي

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية