لندن – «القدس العربي» : كتب ماكس أبرامز، الباحث في مجال العلوم السياسية في جامعة نورث إيسترن وأحد أعضاء فريق مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي مقالاً بعنوان «المعارضة السورية المتطرفة» ناقش فيه فكرة دور الإعلام الغربي في «تبييض» صفحة المعارضة. وعلق في المقاربة التي نشرتها مجلة «فورين أفيرز» على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون التي قال فيها الأسبوع الماضي إن حكم عائلة الأسد في طريقه للنهاية.
إلا أن التراجع الكبير في تنظيم الدولة وما يطلق عليها المعارضة المعتدلة يجعل من كلام الوزير الأمريكي مجرد تعلل بالأماني. ويقول أبرامز إن الحديث عن نهاية بشار الأسد وخلال السنوات الماضية اتسم في معظم الأحيان بالمبالغة وكذا التداعيات السلبية لبقائه في السلطة. ليس لسجله القمعي والوحشي ولكن لأن البديل عنه أسوأ، على الأقل فيما يخص الأمن القومي الأمريكي. ويرى الباحث السياسي أن قلة من المراقبين كانوا يعرفون ماذا يريدون في ضوء تحيز الصحافة الغربية مع المعارضة.
وبرغم قيام هذه الوسائل الإعلامية بجرأة ببث صور الدم والفظائع التي ارتكبها النظام إلا أنها حاولت «تبييض» صفحة المعارضة السورية وذلك في محاولتها لتسويق فكرة تغيير النظام. ويشير تحديداً لأزمة اللاجئين السوريين. فالمنطق يقول إن هؤلاء من المؤيدين للمعارضة مع أن الدراسات المسحية تقدم صورة مختلفة. فقد قال معظم اللاجئين إنهم فروا من الأسد وكذلك من الجماعات المسلحة. وقالت الغالبية إنهم فروا من الطرفين.
ويعلق إن التغطية الإخبارية الصادقة للنزاع السوري من جانب النظام والمعارضة ضرورية حتى يفهم العالم- مواطنين وحكومات – طبيعة النزاع. ويدعو الباحث لفهم طبيعة التغطية الإخبارية المتحيزة للمعارضة لتحليل الطريقة المكثفة التي غطى فيها الإعلام الغربي الهجمات الكيميائية على خان شيخون في محافظة إدلب، يوم الـ 4 من نيسان / أبريل، وفي الوقت نفسه لم يلتفت الإعلام لهجوم انتحاري نفذ في حي الراشدين بحلب الغربية يوم الـ15 من نيسان /أبريل .
«تابو»
ويعلق أبرامز قائلاً: «كباحث في مجال الإرهاب تلقيت دعوات كثيرة لإجراء مقابلات حول الهجوم الأول ولا شيء عن الهجوم الثاني». ولتفسير التباين في التغطية الخبرية بين الهجومين فإن هجوم شيخان الذي استخدمت فيه الأسلحة الكيميائية يستحق التغطية نظراً لأن الأسلحة المستخدمة فيه تعد تابو في المجتمع الدولي مع أن عملية الراشدين تظل وحشية أيضاً. وبالموازنة بين عدد القتلى في خان شيخون والراشدين، كان نحو 90 شخصاً في الأول و 126 شخصاً في الراشدين من بينهم 80 طفلاً كانوا في الحافلات. ويزعم الكاتب أن الجريمة الوحيدة هي أنهم شيعة كانوا في طريقهم لمنطقة آمنة لان بلدتيهما الفوعة وكفريا محاصرتان من المقاتلين.
وقام المهاجم بتقديم الطعام للجوعى قبل أن يفجر نفسه. ومن هنا فالتباين في التغطية مرتبط بطبيعة المهاجم. ففي عملية خان شيخون تبادل النظام والمعارضة الاتهامات إلا أن معظم المحللين يعتقدون أنه هو من نفذ عملية الخان. فيما نفذت المعارضة الثانية. إلا أن الإعلام الغربي انتهز فرصة خان شيخون للمطالبة بضرورة رحيل الأسد.
تغيير النظام
وأشار الكاتب الى عناوين صدرت في هذا الشأن في «واشنطن بوست» مثلاً التي قالت في عنوان رئيسي: «اكتشف ترامب أخيراً الحقيقة بشأن أسد سوريا، والآن ماذا؟». ومن ثم خصصت صحيفة «غارديان» افتتاحية «الأسد يعرف أنه يتصرف من دون خوف من العقاب». أما «العربية» فنشرت تقريراً: «نظام الأسد مسؤول عن الهجوم الكيميائي البشع». وكان عنوان «أسوشيتدبرس»: «أسد سوريا يواجه ضغوطاً متزايدة بعد الهجوم الكيميائي». فيما اختارت صحيفة «هآرتس»الإسرائيلية عنوانا ركز على الأسد.
ورد الرئيس دونالد ترامب على التغطية الإعلامية قائلاً إن موقفه من الأسد قد تغير وأمر بسلسلة من الضربات الصاروخية على قاعدة جوية سورية. واتفق المجتمع الدولي من أمريكا وبريطانيا وحتى قطر على ضرورة رحيل الأسد بسبب وحشيته.
وبالنسبة لهجوم الراشدين فقد وصفه مراسل شبكة «سي أن أن» نيك باتون وولش بأنه «حزقة». ولم يتم الإشارة لمن قام بارتكابه كما في «أسوسيتدبرس» و»يو أس إي توداي» و»ديلي بيست» و»العربية».
متطرفون خطرون
ولاحظ روبرت فيسك أن عدداً أكبر قتل في هجوم الراشدين إلا أنهم كانوا «ضحايا القتل الخطأ» و «لأن المنفذ ربما كان مرتبطاً بنا نحن الغرب».
ويعلق الكاتب هنا أن أعداء الأسد الرئيسيين في سوريا هم «متطرفون خطرون» مهما كانت الحكومات التي تدعمهم وتمولهم وتدربهم. ويشير هنا إلى أحرار الشام التي تشترك مع تنظيم القاعدة بنفس الأيديولوجيا والمتهمة بتنفيذ هجوم الراشدين. ويقول إن أحرار الشام والقاعدة طالما اشتركتا في نفس العمليات. ومن عادة أحرار الشام أن تتبرأ من القاعدة في الكثير من المرات لتعود وتتعاون معها لاحقاً. ويعتقد أن أهم إنجاز لأحرار الشام هو السيطرة مع القاعدة – جبهة النصرة للسيطرة على إدلب في آذار /مارس 2015.
ويعلق الكاتب أيضاً أن المعلقين السوريين رحبوا بإنجاز المنظمة وصوروا أفرادها أبطالاً.
ويعود مرة أخرى للحديث عن هجوم الراشدين قائلاً إنه من الصعب التأكد من الجهة الفاعلة. وعلى خلاف تنظيم الدولة تتردد معظم الفصائل عن إعلان المسؤولية عندما يسقط أبرياء في الهجوم خوفاً من التداعيات السياسية السلبية.
كما أن الفصائل المعارضة للأسد تقوم وبشكل مستمر بإعادة تنظيم نفسها وتغيير أسمائها كما في حالة جبهة النصرة التي غيرت نفسها إلى هيئة تحرير الشام. كما أن البحث السياسي يظهر أن الجماعات المتطرفة والإرهابية ليست منسجمة من الناحية الداخلية وتحتوي على شخصيات ووحدات وبنى عادة ما تتناقض في ما بينها. ولهذا السبب يقوم أفراد الجماعات من الصفوف الدنيا بالتصرف من دون العودة للقيادة الرسمية.
ويختم بالقول إن الإعلام الغربي واصل سخريته من الأسد وفلاديمير بوتين، الرئيس الروسي باعتبارهما إرهابيين في قت تقوم فيه جماعات في المعارضة بالتعبير عن التضامن العلني مع القاعدة. وبعد سنوات من تقليل الإعلام الغربي من العامل المتطرف داخل المعارضة السورية يجد من الصعوبة تغطية هجمات تقوم بها مثل الراشدين. وبعد كل هذا يؤكد الكاتب أن هناك جماعات معارضة موالية تستحق الدعم لكن ليس ذلك العدد الذي ظل الإعلام الغربي المطالب بتغيير النظام يؤكد وجودها.
إبراهيم درويش