لندن – «القدس العربي»: في تقرير حصري أعده كل من كولام لينتش وروبي غريمر مراسلا مجلة «فورين بوليسي» قالا فيه أن جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس دونالد ترامب ومسؤولة بارزة يعملان بهدوء على إنهاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التي توفر التعليم الأساسي والمساعدات الضرورية لملايين الفلسطينيين ومنذ عقود طويلة. وتقول المجلة إن مبادرته هي جزء من جهود إدارة ترامب وحلفائه في الكونغرس الهادفة لتجريد الفلسطينيين من وضعية اللجوء في المنطقة ونزع الموضوع عن أجندة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.
ونقل الكاتبان عن مسؤولين أمريكيين وفلسطينيين حديثهم عن تلك الخطوة وأشارا إلى مشروعي قرار يتم العمل عليهما في الكونغرس من أجل متابعة المبادرة. وأبدى كوشنر الذي كلفه ترامب بمهمة حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ترددا في الحديث عن ملامح الخطة التي يعمل بها، وتظل الخطة التي يعمل عليها مع بقية المسؤولين الأمريكيين منذ 18 شهراً من أكثر وثائق الإدارة الأمريكية سرية. إلا أن موقفه من موضوع اللاجئين وعداءه للأونرا واضح من الرسائل الألكترونية التي تبادلها كوشنر مع الآخرين هذا العام. ففي رسالة كتبها كوشنر في 11 كانون الثاني (يناير) إلى المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات وعدد من المسؤولين قال فيها «من المهم القيام بجهود صادقة وحقيقية لتعطيل الأونروا».
وقال عنها إنها «تؤبد الوضع القائم، فاسدة وعاجزة ولا تساعد على تحقيق السلام». وتسهم الولايات المتحدة في دعم الوكالة منذ عام 1949 واعتبرتها الإدارات الأمريكية السابقة عاملاً حيوياً في استقرار المنطقة. ويرى اليوم عدد من داعمي إسرائيل في الولايات المتحدة الأونروا جزءاً من بنية دولية حافظت على قضية اللاجئين وأشعلت الآمال بين اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم يوماً ما إلى مدنهم وقراهم التي طردوا منها وهي فكرة ترفضها إسرائيل. ويقول النقاد للوكالة إنها لا تمنح وضعية اللاجئين للذين طردوا من بلادهم عام 1948 بل ولأحفادهم بشكل يجعل عدد اللاجئين 5 ملايين نسمة يعيشون في مخيمات بالأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
تفكيك الأونروا
ويعلق الكاتبان أن محاولة الإدارة تفكيك الأونروا يكشف عن نيتها إعادة رسم الشروط المتعلقة بقضية اللاجئين ولصالح إسرائيل كما فعلت في موضوع آخر وهو القدس التي اعترف ترامب بسيادة إسرائيل عليها في كانون الأول (ديسمبر) 2017. وفي الشهر نفسه (كانون الثاني/يناير) كتب كوشنر في رسالة ألكترونية «هدفنا هو عدم الحفاظ على الأمور كما هي … وأحياناً يجب المخاطرة استراتيجياً وتكسير الأشياء لتحقق الأهداف». وتقول المجلة إن كوشنر طرح موضوع اللاجئين في الأردن أثناء زيارته للمنطقة في حزيران (يونيو) ومع الممثل الخاص لشؤون المفاوضات الدولية غرينبلات. وحسب مسؤولين فلسطينيين فقد ضغط على الأردن لتجريد مليوني فلسطيني من وضعية «لاجئ» بطريقة ستتوقف فيها الأونروا عن العمل. وحسب حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إن كوشنر قال: «التسوية ستتم في الدول المضيفة وان حكوماتها قادرة على القيام بالعمل الذي تقوم به الأونروا».
وأضافت أن إدارة ترامب تريد من دول الخليج العربي الثرية تغطية الثمن الذي سيتحمله الأردن من العملية. ووصفت التفكير الأمريكي بالقول: «يريدون اتخاذ قرار خطير وغير مسؤول ستعاني بسببه كل المنطقة». وأخبر كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات الصحافيين في حزيران (يونيو) أن وفد كوشنر تحدث عن استعداد للتوقف عن المساهمة في الأونروا وتحويل الـ 300 مليون دولار مباشرة إلى الأردن والدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين. و «يهدف كل هذا لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين». ورفض البيت الأبيض التعليق على القصة إلا أن مسؤولاً أمريكياً بارزا تحدث بدون الكشف عن اسمه قائلاً إن موضوع اللاجئين هو محل نقاش داخلي وتقييم مستمر وإن الإدارة ستعلن عن الخطة في وقتها. ورفض المسؤولون الأردنيون في نيويورك وواشنطن التعليق على مبادرة كوشنر.
وتشير المجلة إلى أن كوشنر ونيكي هيلي، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة اقترحا في كانون الثاني (يناير) وقف تمويل الأونروا إلا أن المسؤولين في الخارجية والبنتاغون والمجتمع الأمني عارضوا الفكرة التي قالوا إنها قد تثير العنف في المنطقة. وبعد أسبوع أعلنت الخارجية عن قطع جزء من الدفعة الأولى للمساعدة السنوية وهي 125 مليون دولار وخفضتها إلى 60 مليوناً فقط. وقال كوشنر في الرسالة الالكترونية «هددتنا الأونروا ولستة أشهر قائلة إنها ستضطر لإغلاق المدارس إن لم تحصل على الشيك، ولم يحصل أي من هذا».
وقالت المتحدثة باسم الخارجية هيذر نوريت في حينه إن الولايات المتحدة لا نية لها لوقف عمليات الأونروا ولكنها تقوم باستكشاف الطرق التي يمكن من خلال إصلاح الوكالة ولإقناع الدول الأخرى مساعدة واشنطن على تحمل الأعباء المالية لها.
«محو الإعتراف بهم»
وبعد يوم أرسلت فيكتوريا كوتس، المستشارة البارز لغرينبلات رسالة إلكترونية إلى طاقم الأمن القومي في البيت الأبيض تظهر أن هناك فكرة تدرس من أجل وقف عمليات الوكالة. وجاء في الرسالة «يجب على الأونروا التقدم بخطة تعطل فيها عملياتها وتصبح جزءًا من المفوضية العليا للاجئين وذلك عندما ينتهي ميثاقها في عام 2019». وقالت إن هذا المقترح هو جزء من الأفكار التي رميت وجمعتها من جاريد ونيكي وجيسون.
وهناك مقترح يقضي بعمل الوكالة بناء على ميزانية تجدد كل شهر ويطلب منها إعداد خطة «لمحو كل المواد المعادية للسامية من المقررات التعليمية»، وهي المقترحات نفسها التي تدعو إليها إسرائيل ومنذ وقت طويل. وحسب المتحدث باسم السفارة الإسرائيلية في واشنطن إيلاد ستروماير : «نعتقد أن على الأونروا الخروج من عالم المنظمة التي تعمل سياسياً ضد إسرائيل وتؤبد قضية اللاجئين الفلسطينيين». وقال إن الفلسطينيين هم الوحيدون الذي يورثون وضع اللجوء لأبنائهم. ويعلق الكاتبان أن الزعم الذي تقدمه إسرائيل منذ وقت طويل ليس صحيحاً بالمطلق.
ففي تقرير داخلي يعود لعام 2015 لاحظت وزارة الخارجية أن المفوضية العليا للاجئين منحت وضعية اللجوء لأحفاد اللاجئين لاغراض مرتبطة بعملياتها. وجاء في التقرير الذي كشف عنه أخيراً أن أحفاد اللاجئين الأفغان والبهوتانيين والبوروميين والصوماليين والتبتيين يعتبرون لاجئين. ومن بين 700.000 لاجئ فلسطيني فروا عام 1948 لم يبق منهم على قيد الحياة سوى عشرات الآلاف. وتقول المجلة إن الدفع لتجريد الفلسطينيين من وضعية اللجوء يحظى بزخم داخل الكونغرس حيث تقدم النائب الجمهوري عن كولارادو دوغ لامبورن بمشروع قانون يحدد مساعدة الولايات المتحدة باللاجئين الأصليين.
وكل ما سيتم توفيره من المساعدة الأمريكية إلى وكالة التنمية والتطوير الدولية «يو أس إي إيد» لكن هذه الوكالة مقيدة بقانون تايلور الذي يقيد الدعم الإنساني للسلطة الوطنية حتى توقف دعمها لعائلات «الإرهابيين». وتقدم بالمثل السناتور الجمهوري عن أوكلاهوما بتشريع يحول الدعم المالي من الأونروا إلى منظمات محلية ووكالات دولية. ولم يتم التقدم بعد بالمسودة للقرار وهي تحتاج إلى شهادة من وزير الخارجية الشهادة بحلول عام 2020 أن الأمم المتحدة أنهت اعترافها بأحفاد اللاجئين الفلسطينين. وترى لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة الشرق الأوسط للسلام: «من الواضح ان الهدف النهائي هنا هو التخلص من اللاجئين الفلسطينيين كقضية من خلال محو الإعتراف بهم».
«واشنطن بوست»: ولي العهد السعودي «التقدمي» يرمي الناشطات في السجون… التحديث ليس قيادة سيارة بل تحرير العقل
«ولي العهد السعودي يرمي النساء في السجن لمجرد الحديث علناً» هو عنوان افتتاحية صحيفة «واشنطن بوست» التي قالت فيه إن السعودية التي تتمتع بوهج الثناء العالمي أصدرت في 27 حزيران (يونيو) بيانا قالت فيه ولي العهد، إن البالغ 32 عاماً، محمد بن سلمان يريد التقدم أكثر في رؤيته 2030 بحيث يكون «تعزيز دور المرأة العنصر الرئيسي» فيها إلا أن فحوى البيان يشي أن لا نية للحكومة السماح للمرأة التعبير بحرية عن صوتها أو ببساطة ليست من الخطة. وبدلاً من ذلك يقوم ولي العهد برميهن في السجون.
وتشير الصحيفة إلى أن الحملة الأخيرة من الاعتقالات التي شملت الناشطة في مجال حقوق الإنسان سمر البدوي ونسيمة السادة اللتين اعتقلتا لآرائهما الصريحة والناقدة. وحصلت البدوي عام 2012 على الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة التي تقدمها وزارة الخارجية ووصفت بـ «الصوت القوي» المدافع عن حرية المرأة ضد نظام الولاية الذي لا يسمح للمرأة بالزواج، العمل والسفر بدون موافقة ولي أمرها. و
ذكرت الخارجية في مبررات منحها البدوي الجائزة أنها في سابقة غير معروفة السعودية كانت أول إمرأة تشتكي على والدها أمام المحاكم واتهمته بإنتهاك قانون الولاية ومنعها من الزواج بالرجل الذي اختارته شريكاً لها في الحياة. وكانت أول إمرأة تقدم دعوى قضائية ضد الحكومة تطالبها بالسماح للمرأة بالمشاركة في الإنتخابات. وخاضت حملة على الإنترنت دعت فيها بقية النساء التقدم بدعاوى قضائية مشابهة. وتعلق الصحيفة أن جهود ناشطات مثل البدوي كانت وراء المرسوم الملكي الذي سمح للمرأة بالترشح في انتخابات البلديات.
ويقبع شقيق البدوي، رائف، المدون الذي أنشأ موقعاً سماه «السعوديون اللبراليون الأحرار» في السجن بعد أن تحدى المؤسسة الدينية ودعا لمنح المرأة حقوقها وإقامة مجتمع أكثر تسامحًا. واعتقل في أيار (مايو) 2014 وصدر حكم بسجنه مدة 10 أعوام والف جلدة ومنعه من السفر لمدة 10 أعوام والمشاركة في الإعلام بعد الإفراج عنه. وفي كانون الثاني (يناير) جلد البدوي علنا في ساحة مسجد بجدة. ولم يستأنف العقاب البربري هذا عليه منذ تلك الفترة، ولا يزال في السجن رغم الشجب العالمي للطريقة القاسية التي تعامل فيها السعودية مدوناً.
وتعود الصحيفة إلى آخر بيان للحكومة والذي اعتبر السماح للمرأة بقيادة السيارة «واحدًا من الأمثلة» عن «الأجندة التقدمية» لرؤية 2030 التي يقف خلفها ولي العهد. وتتساءل الصحيفة: هل من التقدم سجن الرموز التي دعت لحق المرأة في قيادة السيارة؟ ففي أيار (مايو) اعتقل ولي العهد سبعة أشخاص، هم خمس نسوة ورجلان ممن دعوا إلى حق المرأة بقيادة السيارة. وفوق كل هذا شهدت الأشهر الأخيرة موجة بعد موجة من الاعتقالات للكتاب والمثقفين الذين تحدثوا علناً أو أظهروا نوعا من عدم الرضى بسياسات العائلة الحاكمة. وأصدرت منظمة «هيومان رايتس ووتش» تقريراً عن ارتفاع حاد في عدد الأشخاص المعتقلين ولأكثر من ستة أشهر بدون تحويلهم على المحاكم.
وتختم الصحيفة بالقول: «يبدو أن ولي العهد يقامر على نجاحه كمصلح اقتصادي ويفطم بلاده عن النفط وفي الوقت نفسه يحافظ على الطرق القمعية عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان. وهذه رؤية مضللة لأن التحديث يعني في النهاية حرية العقل إضافة لحرية قيادة السيارة».
«أتلانتك»: هل ساعدت دول خارجية في «انتصار» الأسد… «كان على حافة الهزيمة واليوم يحكم مملكة من رماد»
هل ساعد العالم على انتصار الرئيس السوري بشار الأسد وهو الذي كتبت شهادة وفاته أكثر من مرة؟ يجيب كريستوفر فيليبس في مجلة «أتلانتك» بأن هناك قدراً من الدعم أو التحريض الذي قدمه العالم للأسد. فبعد سبع سنوات حرب وملايين اللاجئين وأكثر من نصف مليون قتيل وتدمير للمدن والقرى يبدو الأسد على حافة تحقيق انتصاره. ففي تموز (يوليو) استعاد نظامه محافظة درعا التي بدأت فيها الإنتفاضة السلمية عام 2011 وبعدها تقدم نحو الجنوب الذي يعتبر آخر معقل من مراكز المقاومة للأسد.
ولم تنته الحرب في الشرق حيث الأكراد وإدلب التي تسيطر عليها جماعات المعارضة ولكن الشعور بالنصر سيكون مجرد رقصة حرب في ضوء ما تعرضت له سوريا من دمار إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن الاسد باقٍ في مكانه، فقد عاند الزعماء الغربيين الذين طالبوا برحيله ولكنهم رحلوا مثل باراك أوباما ونيكولا ساركوزي وديفيد كاميرون.
وتساءل الكاتب عن الطريقة التي نجا فيها الأسد؟ مشيراً لحالة التفاؤل التي اعترت المراقبين عن سقوط قريب للنظام في ضوء ثورات الربيع العربي التي أطاحت بحكام عرب. لكن الديكتاتور السوري امتلك تميزاً على التمرد العسكري، وهزيمة كل حركات التمرد منذ الحرب العالمية الثانية. وواحد من المميزات أن أعداء الأسد الداخليين والخارجيين لم يشكلوا تهديداً حقيقياً على النظام بدرجة جعلت من انهيار النظام الداخلي أمراً مستحيلاً. ولكن نجاة الأسد لم تكن في النهاية عرضية كما يرى فيليبس، فهناك أسباب محلية وخارجية أدت لانتصاره أخيراً.
ففي الداخل استخدم الأسد أساليب وحشية ومحافظة على النفس لتمتين الجبهة المحلية وراءه وفي الخارج أسهم التردد وعجز الأعداء في بقائه. ويعتقد الكاتب أن مؤسسات الدولة السورية ساعدت النظام على مواجهة الضغوط التي فرضتها الإحتجاجات والحرب، وبشكل مهم ظلت المؤسسات الأمنية موالية له، فهي لم تقم بانقلاب ضده. ورغم تعرض الجيش السوري لانشقاقات وتسرب جنوده إلى فصائل المعارضة إلا أن هذا حدث في صفوف المجندين وليس الوحدات الرئيسية الموالية للنظام ولم يأخذ هؤلاء معهم أياً من معدات الجيش السوري الثقيلة. وانخفض حجم الجيش من 325.000 جندي إلى 125.000 حيث فر الجنود بدلاً من القتال ولهذا لم يزد عدد قوات المعارضة عن 50.000 مقاتل طوال سنوات الحرب. وبعيداً عن انشقاقات الجيش فإن الإنشقاقات السياسية لم تؤثر على حكومة الأسد، ففي عام 2012 فر مناف طلاس، من الحرس الجمهوري ورياض حجاب، رئيس الوزراء وانشق جهاد مقدسي، المتحدث باسم وزارة الخارجية. وكان هؤلاء رموزاً لكن لا سلطة لديهم في البلد، لأن من يؤثر في المعادلة هو القوات الأمنية وقادة الجيش وقادة الصناعة الذين ضاعفوا من دعمهم للأسد.
اللعب بالورقة الطائفية
ويعتقد الكاتب أن السبب الرئيسي في كل هذا هي وراثة بشار من والده حافظ نظاماً محصناً من الانقلابات. فقد عين حافظ الأسد في مناصب الدولة الموالين له من القوى الأمنية وأبناء الطائفة العلوية الذين تم إقناعهم بأن عائلة الأسد هي طريقهم للأمن والمكانة. وفي أثناء الحرب الأهلية سيطر أبناء الطائفة العلوية خاصة أقارب الأسد على الوحدات العسكرية الرئيسية. وفي عام 2011 كان قادة الوحدات الأمنية هم شقيق الرئيس وصهره وأحد ابناء خاله. ومن هنا ارتبط مصير الوحدات والمؤسسات الأمنية بمصير الأسد. وهناك عامل ثان في سر بقاء الأسد، هو التلاعب الذكي بالهوية الطائفية التي أدت لدعم قطاعات من الشعب السوري له، فقد حصل بشار ووالده على دعم العلويين (10%) والمسيحيين (8%) والدروز (3%) والعلمانيين من بين الغالبية السنية التي تشكل 65% من سكان سوريا.
ونجح الأسد الأب والأبن في جهودهما من خلال تقديم نفسيهما كمنافحين عن التعددية الدينية. فعندما اندلعت التظاهرات وصف الأسد المتظاهرين بالمتعصبين الإسلاميين. فرغم سلمية وشمولية التظاهرات الأولى إلا أن المسيحيين والعلويين وبقية الأقليات ابتعدت عنها وحافظت هذه وعدد كبير من أبناء السنة العلمانيين على موقف محايد أو عبروا عن دعمهم للأسد. كما استخدم النظام الدعم المادي، صحيح ان التظاهرات اندلعت في المناطق المحرومة والمهمشة والتي تعاني من بطالة بنسبة 25% إلا أن الدولة توفر ما نسبته 20-30% من الوظائف وخشي البعض خسارته راتبه. وواصل الأسد بطريقة ذكية دفع الرواتب طوال مدة الحرب، رغم حالة التضخم السيئة التي كان يعاني منها اقتصاد البلد، وشملت الرواتب المناطق التي خرجت عن سيطرته. كما أن الطبقة الوسطى التي انتفعت من سياسات الأسد لم تتخل عنه في الأعم الأغلب. وفي الوقت الذي دعم فيه البعض التمرد في حمص إلا ان دمشق وحلب الثريتين بقيتا هادئتين.
خدعة «المؤامرة الخارجية»
وهناك سبب حقيقي وآيديولوجي وراء دعم الأسد الذي أصر منذ البداية على أن الحرب هي مؤامرة خارجية. واستخدم الأسد خدعة أخرى وهي حملة الإستفزاز، صحيح أن المعارضة زعمت أن «حاجز الخوف» قد انكسر إلا أنها ظلت خائفة من ذكريات مذبحة حماة التي قتل فيها حافظ الأسد أكثر من 10.000 شخصا في عام 1982.
ثم تبع هذا حملة النظام لتقسيم المعارضة ونزع الشرعية عنها وبذر بذور التشدد في صفوفها. فالمعارضة التي نبعت عام 2011 هددت نظام الأسد لأنها عبرت عن مظالم حقيقية شعبية وبطريقة سلمية ديمقراطية. وفضلت الحكومة سحقها على تقديم إصلاح ولهذا لجأت لسلاح العنف والشرعية حيث وصفت المتظاهرين بالإسلاميين العنيفين، الطائفيين والأجانب. وبعد أن بنت الحكومة الرواية الجديدة عن المعارضة عملت بعد ذلك على ملء السجون بالمعتقلين. فبحلول تموز (يوليو) 2011 بلغ عدد المساجين حوالي 8.000 معتقل تعرضوا للتعذيب والإنتهاكات والإهانات. وهناك أكثر من 75 ألفاً اختفوا بدون أثر. ومن أفرج عنهم هربوا من البلاد او انضموا للجماعات الجهادية. وعندما تحولت الانتفاضة للعسكرة لم يبق من المتظاهرين السلميين أحد، فهم إما ماتوا، أو سجنوا او تشردوا.
ولم يتوقف النظام في محاولاته لتشويه المعارضة عند الدعاية بل قام بالإفراج عن الجهاديين الذين اختطفوا الثورة، وأفرج عن حسن عبود الذي أنشأ «أحرار الشام» وزهران علوش الذي انشأ «جيش الإسلام». وكان مقاتلو تنظيم الدولة وجبهة النصرة من رفاقهما في الزنازين.
وفي فترة لاحقة أعطى النظام أولوية لقتال المعارضة المعتدلة على تنظيم الدولة. وكان قراره براغماتياً واستراتيجياً في الوقت نفسه. فتنظيم الدولة كان في منطقة الشرق البعيدة أما المعارضة المعتدلة فقد كانت في قلب المناطق الرئيسية في الغرب. كما أن استهدافه للمعارضة المعتدلة كان مدفوعاً بمحوها عن خارطة النزاع وإبقاء العامل الجهادي.
ولو لم يكن هناك تدخل خارجي لكانت الحيل الداخلية التي مارسها النظام غير كافية لبقائه في الحكم، إلا أن الانتفاضة «تدولت» ففي آب (أغسطس) 2011 طالبت الحكومات الغربية برحيل الأسد وفرضت عليه العقوبات. وقطعت القوى الإقليمية تركيا والسعودية وقطر علاقاتها مع النظام. وبعد فترة أخذ أعداء الأسد الخارجيون بدعم معارضيه السياسيين وتمويل المقاتلين، ولم يكن هذا بحجم الدعم الذي لقيه من إيران وروسيا . فقد قدم له الأصدقاء دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ووفرت روسيا الحماية للأسد في الأمم المتحدة حيث استخدمت الفيتو في مجلس الأمن 12 مرة. ووفرت طهران وموسكو شريان حياة اقتصادياً لدمشق لتخفيف آثار العقوبات التي فرضها الإتحاد الأوروبي. ومنحت إيران سوريا قرضاً بقيمة 4.6 مليار دولار لدفع الرواتب وشراء السلاح والحفاظ على مؤسسات الدولة التي كانت تكافح من أجل البقاء. وقدم البلدان دعماً عسكرياً مهماً وزادت طهران من دورها في الفترة ما بين 2012- 2013 ونشرت ميليشيات شيعية للقتال إلى جانب النظام. وفي عام 2015 تدخلت موسكو عسكرياً بعدما ظهر أن النظام كان على حافة الانهيار. وحرف التدخل ميزان الحرب وأعان الأسد على استعادة مناطق مهمة وتحول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لاعب مهم وعقد اتفاقيات مع تركيا وإيران والولايات المتحدة لتحديد مناطق خفض التوتر. وفي الوقت نفسه فاقم حلفاء المعارضة الخارجيون من خلافاتها وانقساماتها الخارجية حيث فضلوا المقيمين في الخارج على الناشطين الذين بدأوا الانتفاضة والقادة الميدانيين. وظهرت الخلافات السعودية القطرية والتركية على تشكيلات ائتلاف المعارضة السورية بشكل أدى لاستقالة أول رئيس له بعد أشهر من انتخابه.
إضعاف المعارضة
وفي السياق نفسه أضعفت الدول الخارجية المقاومة المسلحة. فقد تم تشكيل الفصائل محلياً ولم تنجح معظم محاولات جمعها تحت راية جيش موحد. وزادت الخلافات بين المقاتلين والأيديولوجية الطابع من الصدع، خاصة دور الإسلاميين المتشددين. وهو ما أدى إلى تهميش المعارضة العلمانية والإسلاميين المعتدلين. وصعدت والحالة هذه جماعات مثل أحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة. وهمش الأكراد، 10% بحيث أصبحوا عنصراً محايداً في النزاع ضد الأسد. وغذت الدول الخارجية. فقد دعمت قطر الجيش السوري الحر وعدداً من الفصائل الإسلامية وفضلت تركيا الجماعات المقربة من الإخوان المسلمين أما السعودية ففضلت جيش الإسلام. وفشلت دول الخليج ولعدة سنوات في منع التبرعات الخاصة من التدفق إلى الجماعات السورية. ولهذا السبب أسهمت القوى الخارجية بتنافس المعارضة للحصول على دعمها بدلاً من توحيدها.
وكانت هناك إمكانية لأن يحرف التدخل الغربي ميزان الحرب لصالح المعارضة إلا ان إدارة باراك أوباما منحت أولوية لأمور أخرى. وناقشت هيلاري كلينتون وديفيد بترايوس بضرورة التدخل ودعم الجماعات التي يتم التحقق من مصداقيتها، لكن أوباما رفض الفكرة خشية وقوع السلاح في يد الجماعات الخطأ. وكان لديه ما يقلقه وهو ميل التمرد للتشدد بدعم من الأسد. وعندما قررت وكالة الاستخبارات «سي آي إيه» تدريب وتسليح المعارضة تعرض من تم تدريبهم للسرقة على يد الجماعات المتشددة وباع الآخرون سلاحهم. وسواء كان مصيباً أم مخطئاً فقد أعطى أوباما أولوية لقتال الجهاديين على مواجهة الأسد.
وكانت لدى أوباما فرصة لحرف مسار الحرب ومنع جيش الأسد المتداعي من مواصلة قتل شعبه وذلك عندما ضربت الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013 بالسلاح الكيميائي وقتل فيه اكثر من 1.300 شخص عدد كبير منهم أطفال. واعتبر الهجوم بمثابة خرق للخط الأحمر الذي رسمه أوباما. لكنه قبل بالمبادرة الروسية بالتخلص من ترسانة الأسد الكيميائية مفضلاً إياها على عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر. فقد خاف من تكرار درس ليبيا التي ساعد فيها على الإطاحة بنظام معمر القذافي مما ادى للفوضى والتشدد. وأعلن أوباما عن غارات جوية ضد تنظيم الدولة بعد سيطرته على الموصل، ومرة أخرى فضل قتال تنظيم الدولة على قتال الأسد.
وعندما وصل دونالد ترامب إلى السلطة كان وضع الأسد آمنا ولهذا واصل قتال تنظيم الدولة وسياسات أوباما بدعم المقاتلين الأكراد على الأرض وتجاهل تقدم الأسد في مناطق المعارضة. ومع انه ضرب الأسد مرتين بعد استخدام السلاح الكيميائي إلا أن هدفه كان إظهار أنه أقوى من أوباما وليس تدمير النظام. كما أن علاقته القريبة مع روسيا أسهمت في تواطئه والسماح للنظام بالهجوم على درعا التي أسهم قبل عام في تحديدها بمنطقة خفض توتر. ورغم مواقفه المعارضة واصل أوباما سياسة منح الأولوية لأمور أخرى على هزيمة الأسد. من الخارج يقول فيليبس يبدو أن الأسد قد انتصر انتصارا لا يشبه أي انتصار فهو ملك على رماد وبلد مفكك ويواجه مهمة كبيرة لاستعادة مناطق واسعة من البلاد وهجمات مستمرة من خلايا الجهاديين. ولا يزال يعتمد على حلفائه الأجانب الأقوياء، روسيا وإيران اللتين اخترقتا مؤسسات الدولة والاقتصاد وتتمتعان بتأثير قوي. وعليه استرضاء ملايين السوريين الذين ضحوا بالغالي والنفيس لكي يظل على عرشه. وبالنسبة للأسد ومن حوله فالحرب منذ بدايتها كانت عن النجاة وبهذا الحس فقد انتصر. فالقسوة التي مارسها في الداخل والدعم من الخارج نجح وهذا درس لبقية الديكتاتوريين.
إبراهيم درويش